جُمْهُورِيَّةُ الْجُوعِ ........الشرايطي رياض
جُمْهُورِيَّةُ الْجُوعِ .
فِي السَّاحَةِ
تُجَرِّبُ تُونِسُ
قَلْبَهَا
عَلَى حَافَّةِ السِّكِّينِ..
فِي الصَّبَاحِ
الْبَاعَةُ
يَرْفَعُونَ الْبِلَادَ
فَوْقَ عَرَبَاتِ الْخُضَرِ
كَرَأْسُ ثَوْرٍ
مَقْطُوعٍ
وَلَا يَمُوتُ..
الْوِزَارَاتُ
تُصَفِّفُ رَبَطَاتِ عُنُقِهَا
أَمَامَ مِرْآةِ الْخَرَابِ..
فِي شَارِعِ الْكَبِيرِ
رَأَيْتُ شُرْطِيًّا
يُطْعِمُ إِشَارَاتِ الْمُرُورِ
خُبْزًا يَابِسًا،
وَ الْعَابِرُونَ
يَدْخُلُونَ إِلَى جُيُوبِهِمْ
مِثْلَ رَسَائِلَ سِرِّيَّةٍ
تَخَافُ الضَّوْءَ..
وَكَانَ الْبَحْرُ
يُهَاجِرُ أَيْضًا..
كُلَّ لَيْلَةٍ
يَتْرُكُ مَوْجُهُ
عِنْدَ الْمِينَاءِ
زَوْرَقًا مَكْسُورًا
وَحِذَاءَ طِفْلٍ
يُفَكِّرُ فِي أُورُوبَّا..
فِي قَفْصَةَ
الْمَنَاجِمُ
تَسْعُلُ دُخَانًا أَسْوَدَ
دَاخِلَ رِئَةِ الْبِلَادِ..
وَالْفُسْفَاطُ
يَمْشِي بِعُكَّازَيْنِ
نَحْوَ الْقَصْرِ،
وَ الْعُمَّالُ
يُعَلِّقُونَ تَعَبَهُمْ
عَلَى أَسْلَاكِ الْكَهْرَبَاءِ..
فِي سِيدِي بُوزِيدَ
التُّرَابُ
يَحْفَظُ أَسْمَاءَ الَّذِينَ
نَامُوا
تَحْتَ خُطَبِ السِّيَاسِيِّينَ..
فِي الْعَاصِمَةِ
تَخْرُجُ الْجِرْذَانُ
مِنْ نَشَرَاتِ الْأَخْبَارِ
وَتَرْتَدِي
أَقْنِعَةَ الْمُحَلِّلِينَ..
كُلُّ شَيْءٍ
كَانَ يَقْتَرِبُ
مِنِ انْفِجَارِهِ الْكَبِيرِ..
الْمَقَاهِي
مُمْتَلِئَةٌ
بِشَبَابٍ
يُرَمِّمُونَ الْعَالَمَ
بِسِيجَارَةٍ
وَشَتِيمَةٍ..
الْأُمَّهَاتُ
يَخْبِزْنَ الْخَوْفَ
مَعَ الرَّغِيفِ الْيَوْمِيِّ..
الْجُنُودُ
يَحْرُسُونَ اللَّيْلَ
كَأَنَّهُ
خَزَّانُ بَنْزِينٍ
تَحْتَ شَمْسِ أُوتْ..
فِي الْبَرْلَمَانِ الْقَدِيمِ
عَنْكَبُوتٌ
يَنْسُجُ قَرْضًا جَدِيدًا..
فِي الْمَدَارِسِ
يُرَدِّدُ التَّلَامِيذُ
نَشِيدَ الْبِلَادِ
بِأَصْوَاتٍ
تُشْبِهُ صَفِيرَ قِطَارٍ
خَارِجٍ
عَنْ سِكَّتِهِ..
وَ تُونِس
لَمْ تَكُنْ نَائِمَةً.
كَانَتْ
تُخَبِّئُ فِي حَنْجَرَتِهَا
صَوْتًا
أَقْدَمَ مِنَ الرَّصَاصِ..
الْأَزِقَّةُ
تُلَمِّعُ حِجَارَتَهَا
بِهُدُوءِ الذِّئَابِ..
فِي آخِرِ اللَّيْلِ
رَأَيْتُ الْيَاسَمِينَ
يَخْلَعُ عِطْرَهُ
وَيَرْتَدِي خُوذَةً حَمْرَاءَ.
وَرَأَيْتُ الْخُبْزَ
يَخْرُجُ مِنَ الْمَخَابِزِ
مِثْلَ مَنْشُورٍ سِرِّيٍّ
يَدْعُو الْجِيَاعَ
إِلَى جُمْهُورِيَّةِ النَّارِ..
فِي الْفَجْرِ
الْمَدِينَةُ
تَفْتَحُ عَيْنَيْهَا
عَلَى صَفٍّ مِنَ الْعَاطِلِينَ
أَطْوَلَ
مِنْ تَارِيخِ الْبِلَادِ..
الْخُبْزُ
أَصْبَحَ
أَصْغَرَ مِنْ قَبْضَةِ عَامِلٍ..
الْأُجُورُ
تَمْشِي حَافِيَةً
فَوْقَ زُجَاجِ السُّوقِ..
الْأَثْرِيَاءُ
يُبَدِّلُونَ وُجُوهَهُمْ
كُلَّ مَوْسِمٍ
مِثْلَ لَوْحَاتِ الْإِشْهَارِ..
فِي الْأَحْيَاءِ الْمَنْسِيَّةِ
الْأَطْفَالُ
يَرْسُمُونَ تُونِسَ
بِفَحْمِ الْحَرَائِقِ..
فِي السُّجُونِ
تَتَعَفَّنُ
أَحْلَامُ الَّذِينَ
قَالُوا:
لَا..
كُلُّ شَيْءٍ
يَصْرُخُ
تَحْتَ الْجِلْدِ:
النَّهْرُ الْيَابِسُ،
الْقِطَارَاتُ الْمُتَأَخِّرَةُ،
الْمُسْتَشْفَيَاتُ
حَيْثُ يَمُوتُ الْفُقَرَاءُ
فِي الطَّوَابِيرِ
مِثْلَ ذُبَابٍ رَسْمِيٍّ..
حَتَّى السَّمَاءُ
بَدَتْ
كَأَنَّهَا
كُومَةُ رَمَادٍ
فَوْقَ رَأْسِ الْبِلَادِ..
وَ الْغَضَبَ
يَكْبُرُ.
يَكْبُرُ
فِي الْحَنَاجِرِ،
فِي الشَّوَارِعِ،
فِي حَقَائِبِ الطَّلَبَةِ،
فِي عَرَقِ النِّسَاءِ
الْعَائِدَاتِ
مِنْ تَنْظِيفِ بُيُوتِ الْأَغْنِيَاءِ.
يَكْبُرُ
مِثْلَ مُحَرِّكٍ سِرِّيٍّ
تَحْتَ أَرْضِ تُونِسَ..
فِي لَيْلَةٍ
قَرِيبَةٍ
جِدًّا
سَيَخْرُجُ الشَّعْبُ
مِنْ صُورَتِهِ الْقَدِيمَةِ.
سَيَكْسِرُ
سَاعَةَ الْخَوْفِ.
وَيَجُرُّ
هَذَا اللَّيْلَ
مِنْ عُنُقِهِ
إِلَى السَّاحَاتِ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق