جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

عن الوقفة الاحتجاجية التي نفذها يوم الأربعاء مجموعة من الأساتذة الجامعيين أمام البرلمان *علي انوزلا

 الوقفة الاحتجاجية التي نفذها يوم الأربعاء مجموعة من الأساتذة الجامعيين أمام البرلمان للمطالبة بالجمع بين مهنة التدريس في الجامعة وممارسة مهنة المحاماة، وقبل الدخول في نقاش موضوعها، أظهرت أولاً المستوى المتدني لبعض هؤلاء الأساتذة من خلال الشعارات الشعبوية الركيكة التي كانوا يرددونها ( “علاش جينا واحتجينا المٌشرع جرا علينا"، "المحاماة ترجع لينا”، و”المحاماة لي بغينا.. يا حماة القانون الأستاذ شريك مضمون”)، وثانياً كشفت عن حالة واضحة من انتحال الصفة، لأن بعض المحتجين ارتدوا بذلة المحاماة، في حين أن هذه البذلة لا يرتديها إلا من أدى القسم والتحق فعلياً بالمهنة، لا من يريد استعمالها كوسيلة احتجاج في الشارع العام.

مهنة المحاماة ليست مجرد وظيفة، وإنما هي مسؤولية وإلتزام قانوني وأخلاقي، أولا وقبل كل شئ، لا يمكن فصلها عن جوهرها العميق، آلا وهو الاستقلالية، وهذه ليست مجرد تفصيل تنظيمي أو امتياز مهني، بل شرط وجود المهنة نفسها، وضمانة المجتمع الأخيرة في مواجهة تغول السلط، أياً كان مصدرها. فالمحامي لا يكون محامياً إلا بقدر ما يكون مستقلاً عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعن المؤسسة القضائية نفسها، لأن وظيفته الأصلية هي الدفاع عن الحق حين يُنتهك، وعن العدالة حين تُهدد، وعن الإنسان حين يُسحق تحت موازين القوة والنفوذ.
لذلك، فإن كل محاولة للمساس بهذا المبدأ، تحت أي مبرر، تمس جوهر المحاماة ذاتها. فالقول بإمكانية الجمع بين المحاماة ووظيفة عمومية، مثل الأستاذية الجامعية، يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الأستاذ، مهما علا شأنه العلمي، يظل خاضعاً لبنية إدارية وتراتبية وظيفية، ولمراقبة مؤسساتية وإكراهات مهنية تجعله، بحكم موقعه، غير متحرر بالكامل من سلطة الدولة التي يفترض بالمحامي أن يكون قادراً على مواجهتها عند الضرورة.
الاستقلالية لا تتجزأ، ولا تُمنح بالتمني، ولا تُستعار لساعات داخل قاعة المحكمة ثم تُعلّق عند باب الجامعة أو الإدارة.
أما الحديث عن المحاكم باعتبارها "مختبرات تطبيقية" للأساتذة، فهو منطق خطير ومرفوض، لأن المحاكم ليست فضاءات للتجريب، وحقوق الناس ليست مواداً للتطبيق العملي، والعدالة لا تُمارس بمنطق التدريب أو الاختبار. فمن يقف أمام قاضٍ دفاعاً عن حياة إنسان أو حريته أو كرامته أو قوت عيشه ومصدر رزقه أو ماله لا يملك ترف التجربة والاختبار، بل يتحمل مسؤولية كاملة لا تقبل التردد أو الازدواجية. وإذا فُتح هذا الباب، فبأي منطق سيتم إغلاقه لاحقاً؟ ولماذا لا يُطالب، بالقياس نفسه، بفتح القضاء أو الشرطة القضائية أمام مختبرات "التجريب الأكاديمي"؟ إن هذا الطرح يختزل العدالة في وظيفة تقنية باردة، منفصلة عن بعدها الحقوقي والإنساني والقيمي.
ثم إن الأساتذة الذين خرجوا للاحتجاج من أجل انتزاع حق الجمع بين التدريس وممارسة المحاماة، يطرحون، عن قصد أو غير قصد، سؤالاً أخلاقياً قبل أي سؤال قانوني، أين كانت هذه الأصوات حين كانت حقوق المواطنين تُنتهك؟ وأين كانت حماستهم عندما كان الاستبداد يتمدد والفساد يستشري داخل مؤسسات يفترض أنهم جزء من ضميرها النقدي؟ لماذا لا يظهر هذا النفس الاحتجاجي إلا عندما يتعلق الأمر بتوسيع الامتيازات والمصالح الشخصية، بينما يختفي أو يخفت أمام القضايا الكبرى المرتبطة بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية؟ فالدفاع عن المبادئ لا يكون انتقائياً، ولا يتحول إلى معركة فقط عندما يلامس المصلحة الخاصة.
أما المفارقة الصارخة فتكمن في كون الأصوات التي ترتفع اليوم دفاعاً عن حق غير مكتسب بالقانون لم تكن بالحضور نفسه حين تعلق الأمر بالدفاع عن قضايا تمس جوهر العدالة داخل الجامعة ذاتها من قبيل انتهاكات حقوق الطلبة، قرارات الفصل التعسفية، قضايا التحرش والابتزاز، وفضائح بيع الشهادات وتزوير الأبحاث والسرقات العلمية.. تلك القضايا التي تضرب أخلاق الجامعة المغربية في العمق لم تتحول إلى معارك مبدئية بالزخم نفسه الذي نراه اليوم دفاعاً عن توسيع دائرة الامتيازات والمصالح، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الأولويات، والفرق بين من يحمل رسالة الدفاع كالتزام يومي، ومن يستحضرها فقط عندما تتقاطع مع مصلحته الانتهازية الشخصية.
إن الدفاع عن استقلالية المحاماة ليس موقفاً فئوياً ضيقاً، بل دفاع عن توازن دقيق داخل المجتمع، وعن خط أمان يفصل بين السلطة والحق. وكل مساس بهذا الخط، مهما بدا بسيطاً أو مبرراً، يفتح الباب أمام تآكل تدريجي لدور الدفاع كحق مقدس، وتحويله من فاعل حر إلى امتداد غير مباشر لمنظومة يفترض به مراقبتها ومواجهة اختلالاتها.
من المؤسف أن بعض الأساتذة الجامعيين انساقوا خلف شخص عبارة عن كتلة من عٌقد مترسبة يخوض معارك مرتبكة ومشحونة بالعداء أكثر مما تستند إلى رؤية متماسكة، فحوّلهم إلى أدوات في صراع لا يخدم الجامعة ولا المحاماة، بل يوظفهما معاً في تصفية حسابات ضيقة وأجندات شخصية، وحروب يخوضها بالوكالة عن من يحمونه ويدفعون به إلى خوضها نيابة عنهم، قبل أن يتخلوا عنه كما تخلوا عن غيره من قبل. والأسوأ أنهم انخرطوا في هذه المعركة بكثير من الحماسة، غير منتبهين إلى أنهم لا يدافعون عن مبدأ بقدر ما يُستعملون وقوداً لمعركة خاسرة ستنتهي بإحراق صورتهم قبل أي شيء آخر.
وحتى إذا نجحت الأغلبية الحكومية، بمنطقها العددي الأوتوماتيكي، في تمرير مشروع قانون المحاماة بصيغته الحالية، فإن ذلك لن يمنحه الشرعية الدستورية التي يفتقدها، لأن ما يحمله بين ثناياه من أعطاب واختلالات كفيل بأن يجعله يسقط أمام المحكمة الدستورية عاجلاً أو آجلاً. وحينها سيكون أكبر الخاسرين أولئك الذين تورطوا في هذه المعركة العبثية، فشوّهوا صورتهم قبل أن يسيئوا إلى مهنتهم. فمهنة التدريس، مثل مهنة المحاماة، تظل مهنة شريفة ورسالة نبيلة، تنأى بنفسها عن كل من يحاول تحويلها إلى أداة لخدمة مصالح شخصية ضيقة وحسابات انتهازية رخيصة ومعارك سياسوية ذنيئة.



أساتذة العلوم القانونية احتجاجا على إقصائهم من ولوج مهنة المحاماة: الأساتذة الجامعيون دائما مبعدون


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *