دبلوماسية مفاوضات الخطوة بخطوة في إسلام أباد ودبلوماسية مفاوضات القفز في واشنطن سمير دياب
دبلوماسية مفاوضات الخطوة بخطوة في إسلام أباد
ودبلوماسية مفاوضات القفز في واشنطن
سمير دياب
قبل موعد الغداء يصرح ترامب " ان حضارة إيران بأكملها سوف تفنى". وبعد فترة القيلولة يصرح " أنه نصر شامل لا ريب فيه "، وذلك إبتهاجاً بالتوصل لوقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، كخطوة باتجاه التسوية وإنهاء الحرب. ما بين التصريحين المتضاربين يحبس الاقتصادي العالمي أنفاسه بين " شهيق التوتر والفوضى" و " زفير الحل والفرج" ووسط مروحة واسعة من التحليلات والتكهنات التي لم يألفها التاريخ بهذا الشكل مع ممثل الرأسمالية العالمية ترامب المهووس بالسلطة والمال والعظمة، والذي يدير لعبة مصير شعوب الأمم ومصالح الدول من واشنطن ضد إيران ولبنان ومنطقة الشرق الأوسط ، وضد فنزويلا وأميركا اللاتينية وغرينلاند وصولا إلى كندا، وضد أوروبا وروسيا للوصول إلى الصين.
ماذا يعني الإعلان عن هدنة في إسلام أباد وعلى ماذا جري التفاوض، وهل 21 ساعة من المفاوضات كافية لطي صفحة الحرب!! اسئلة كثيرة عادية في حرب غير عادية، بدأت من قبل ترامب بسقف تغيير النظام في إيران ومجموعة ممنوعات حول الملف النووي والصواريخ الباليستية.. لتنتهي بعد 40يوماً حسب تعبير ترامب عن إنجازه العظيم في إعادة فتح مضيق هرمز( قبل أن يعاد إغلاقه بعد يومين إثر الحصار البحري الاميركي على الموانئ الإيرانية.
وبما أن كل حرب تصل في لحظة ما إلى طاولة مفاوضات وفق حسابات ميزان القوى، فإن الإتفاق على هدنة إسلام أباد، يعني فتح ثغرة في مسار الإنتقال من خط التوترالعسكري إلى خط التوتر السياسي، تمهيداً إلى تسوية ما، وعقد صفقة أشمل. لكن، حتى اللحظة، فإن الهدنة "تترنح" لأسباب متعددة لها علاقة بالإبتزاز، وبرفع مستوى القوة وتأثيراتها المباشرة على كل طرف، وحول إشكالية الملف النووي.. وبالتالي، فإن هذا الاتفاق الأولي سيكون معرضاً للإهتزاز أو- ربما- للإنهيار المؤقت بسبب أن عناصر التسوية لم تنضج بعد.
في جردة الحسابات الراهنة، سواء صمدت الهدنة أم لا، فإن اللقاء بين الوفد الاميركي – والوفد الإيراني (النظام عينه) يعد إنتكاسة للسياسة الاميركية وصفعة كبيرة لترامب شخصياً. لتبقى "حسابات البيدر" هي الفيصل، فحرب الإمبريالية الاميركية – الصهيونية ضد إيران كشفت عن أحجام وأوزان أطرافها، وأعادت خلط الأوراق في الشرق الأوسط وحتى العالم. وأصبحت الدراسات الاستراتيجية تدور حول مدى فعالية عراضات القوة العسكرية والبحرية الاميركية في هذه الحرب، ونسبة الأضرار والخسائر اللاحقة بالاقتصاد العالمي، ومدى تأثير الإنقسام السياسي الداخلي الاميركي والقاعدة الشعبية لترامب، وإنعكاسات ذلك على نتائج الإنتخابات النصفية المقبلة. اما النقاش تحت الطاولة فيدور حول: "أي مستقبل لنفوذ الإمبريالية الاميركية وسيطرتها المطلقة في منطقة الشرق الأوسط بعد هذه الحرب" ؟.
في القراءة الايرانية
إيران تخوض الحرب تحت شعار" نكون أو لا نكون"، وكل تصريحات المسؤولين تدحض مزاعم إنتصارات ترامب الوهمية. وتعتبر أنها استطاعت إنتزاع تنازلات لم تكن واشنطن تتصور تقديمها قبل اندلاع هذه الحرب. وتتخلص في أن:
- هدنة إسلام أباد جرت وفق مسودة النقاط العشر المقدمة من قبلها لقبول التفاوض.
- وقف الأعمال العدائية الدائمة على إيران ولبنان والحلفاء في العراق واليمن.
- اعتبار أي خرق للإتفاق سيعني إستئناف الهجمات.
- رفع الحصار والعقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة.
- الحق في تخصيب اليورانيوم.
على ضوء ذلك، جرى البحث في إسلام أباد وتبعه الإعلان عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين وفق دبلوماسية مفاوضات (الخطوة مقابل خطوة). وبعدها بأيام، تم الإعلان عن هدنة في 17 نيسان/ ابريل لمدة عشرة أيام بين لبنان والعدو الاسرائيلي في واشنطن، تم على إثره فتح مضيق هرمز في دلالة إيرانية على الأهمية الاستراتيجية لربط الساحة اللبنانية بمفاوضات إسلام أباد.
يمكن الإستنتاج: أن ثبات النظام الايراني على مواقفه وصموده وقدرته على المواجهة والدفاع عن النفس بمستويات قتالية عالية برهن بالملموس عن إمكانية التصدي لإكبر قوة عسكرية في العالم، وإستخدام تكتيكي لإوراق قوته من صواريخ ومسيرات وإغلاق مضيق هرمز. وبالتالي، فرض موقعه المتقدم في قلب الحسابات داخل الخارطة الإقليمية – الدولية.
هذه المعادلة الميدانية المستجدة، غيرت مجرى بوصلة أهداف ترامب، فإختلت مواقفه المتضاربة، وتنوعت لغة إنتصاراته. لكن بعيداُ عن هوس ترامب بالتصريحات وحب الظهور الإعلامي ، فإن سوء تقديره للحرب والإستهانة بالقدرات الإيرانية أوصلته إلى كبح جماح طموحاته، وأصابة نهجه " لنجعل من أميركا عظيمة مرة أخرى" بصاروخ باليستي مباشر، عدا عن إغراق الرأسمالية الاميركية والعالمية أكثر في أزمتها الاقتصادية رغم إرتفاع الطلب على تشغيل المصانع الحربية وأرباحها. لكن الاقتصاد العالمي يخضع الآن لإصعب إختبار في إرتفاع معدلات البطالة والتضخم . وإن أقصى ما يفعله خيار اللجوء للحروب أنه يؤجل زمن إنهيار النظام الآحادي العالمي الإمبريالي الأميركي.
في قراءة الكيان الصهيوني للمفاوضات في أسلام أباد
يقرأ العدو الصهيوني إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران وفق مصالحه ومشروعه التوسعي ونهجه الفاشي، ويعتبره من أسوأ الإتفاقات للإسباب التالية :
- أنه يقوي موقع ونفوذ إيران في المنطقة.
- أنه يفرمل إندفاعة خطة الكيان لقيام "إسرائيل الكبرى".
- يؤدي لاحقاً في حال التسوية – الصفقة إلى تراجع الإهتمام والقوة الاميركية في منطقة الشرق الأوسط والتركيز حسب وثيقة " الأمن القومي" على الجزء الغربي من القارة الاميركية.ما يعني إضعاف دوره وهدم بنيان مشروعه الاستعماري التوسعي. وبالتالي، خوفه من تهديد أمنه باستهدافه من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، ومثلها من المقاومة في لبنان بعد إثبات قدرتها وصلابتها على المواجهة بقوة ضد قواته العسكرية في الجنوب اللبناني.
لذلك، يعمل نتنياهو على خط القبول شكلاً بالهدنة على الجبهة مع لبنان. أما في المضمون، فإنه يدفع بأقصى سرعة وصورة للاستفادة من الضوء الأخضر الاميركي (حرية التصرف والدفاع عن النفس) ليمارس أبشع أنواع الأفعال الجرمية بحق المدنيين في لبنان، وتدمير وجرف قرى ما يسمى "الخط الأصفر" التي تصل لعمق10 كيلومتر، ومنع أهالي 55 بلدة وقرية من العودة الى منازلهم وأرزاقهم الواقعة ضمن هذا الخط المصطنع المحتل. لإبقاء جبهة الحرب مفتوحة مع لبنان لدواعي سياسية إنتخابية داخلية من جهة، ولزوم إنضاج المزيد من الشروخات والإنقسامات داخل المجتمع اللبناني لتسهيل عملية التفتيت والفتنة الطائفية الداخلية من جهة ثانية. الأمر الذي يكسبه وقتاً حراً وسهلاً لتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية معاً : في محاولة القضاء على المقاومة المسلحة وتأجيج الصراعات الطائفية لجعل لبنان محمية "إسرائيلية" بدعم أميركي وإشرافه ورعايته للمفاوضات المباشرة. وبالتالي، تحقيق ما عجز عن تحقيقه العدو منذ إتفاق العار في 17 أيار 1983 (الذي تم إسقاطه من قبل الشعب اللبناني بقواه الوطنية بعد أقل من عام). مع إغتنام فرصة إرتماء بعض أركان السلطة السياسية اللبنانية بالحضن الاميركي، لإعلان موت القرار 1701 والقفز سريعاً نحو المفاوضات معه في واشنطن.
المأزق في لبنان
يبرز المأزق في لبنان في أن الفريق المستعجل على مفاوضات "السلام" - الاستسلام والتطبيع- مع العدو الصهيوني، فاته، وهو يحاول أن يتجنب فخ ربط ورقة لبنان في مفاوضات إسلام أباد، قد داس على لغم اميركي – صهيوني قطًعه إلى أشلاء في جره إلى مفاوضات مباشرة في واشنطن من دون إجماع وطني أو أوراق قوة للتفاوض. والمخجل في الموضوع، أن هذا الفريق يحاجج بإستقلالية قراره وصوابيته، مع إدراكه – بالتأكيد – أنه بقراره هذا – إنما – "يحرق تاريخ طويل من مقاومة وصمود وتضحيات هذا الوطن بشعبه وقواه الشيوعية واليسارية والقومية والناصرية والاسلامية، والجيش اللبناني"، لمفاوضات مع عدو صهيوني إحتلالي استعماري يحلم بالتوسع والسيطرة على لبنان وفلسطين وسوريا والمنطقة، ولا يقيم وزناً للإتفاقات أو المواثيق الدولية، ولا يأبه بخرقها، طالما الاميركي شريكه وصانع معجزات إدخال الملحقات الملغومة في بنود الاتفاقات التي تتضمن "حرية تصرف وحق العدو منفردا في الدفاع عن النفس".
وأنسب ما يقال في هذا الإطار، أن "غلطة الشاطر بألف غلطة". فالمفاوضات أو العلاقات مع العدو الصهيوني ليست مرفوضة سياسيا وشعبيا فحسب، إنما هي قاتلة لصحة الوطن والشعب والمقاومة. وبما أن الآوان لم يفت بعد. فإن أحسن الخيارات المطلوبة بعيداً عن لغة التصنيف والتخوين، هو خيار الحوار الوطني الشامل من أجل الإنقاذ لتحصين الساحة الداخلية وتعزيز السلم الأهلي والوحدة والاستقلالية. وحتى لا يبقى الحوار مقتصراً على قوى السلطة السياسية الطائفية، ويتحول- كما في السابق - إلى إعادة ترتيب وإنتاج نظام محاصصة طائفية – تبعية جديدة. لا بد من تحديد معايير ومنطلقات ومهمة هذا الحوار الوطني ووظيفته لإخراج لبنان من المأزق الراهن . وأهم المنطلقات الضرورية تتلخص في الحسم النهائي لثلاثية : التبعية – الطائفية - نظام الزبائنية والمنافع، والتخلص منها. من هنا، يمكن أن تتشكل عناصر المشروع الوطني الذي يربط المسالة الوطنية بالمسألة الاجتماعية (التحرير بالتغيير الديمقراطي) من خلال بناء الدولة الوطنية الديمقراطية – المٌقاومِة (العسكرية والسياسية والشعبية) التي تحفظ السيادة والاستقلال والحق في المقاومة لتحرير الأرض من رجس المحتل الصهيوني دون قيد أو شرط حتى حدود خط الهدنة لعام 1949، واستعادة الأسرى، وعودة النازحين إلى منازلهم وأرزاقهم، ووضع خطة تنموية وإعمارية واقتصادية وطنية شاملة. ومن دون هذه الخطوات المفصلية فإن المخاطر الداخلية والخارجية المحتملة القادمة على لبنان خطيرة جدأ .
*****
لقد قدمت شعوبنا في فلسطين ولبنان والمنطقة العربية برمتها التضحيات الجليلة، واستطاعت أن تفرض باللحم الحي تراجع زحف المشروع الإمبريالي الصهيوني بصمودها ومقاومتها. لكنها تفتقد لرافعة مشروع حركة تحرر وطني عربية جذري وشامل، بقيادة ثورية. وهي المهمة الوطنية الملحة القادرة على حماية المقاومة ومشروعها الوطني والاجتماعي لتفعيل المواجهة ضد الإمبريالية الأميركية – الصهيونية – الرجعية من أجل التحرير والتغيير الديمقراطي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق