جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

على هامش النقاش الواسع الذي أثاره مؤخرا تداول مصطلحي “الهركاوي” و”تهركاويت” داخل الفضاء الرقمي-السفريوي محمد

 على هامش النقاش الواسع الذي أثاره مؤخرا تداول مصطلحي “الهركاوي” و”تهركاويت” داخل الفضاء الرقمي ، بين من اختزل الظاهرة في مجرد انعدام للتربية والسلوك المدني، ومن ردّها بشكل ميكانيكي إلى الفقر والتهميش، يأتي هذا النص للرفيق Mohamed Ajjaj كمحاولة جادة لإخراج النقاش من مستوى الانفعال الأخلاقي إلى أفق التفكير السوسيولوجي والنقدي. فالنص لا يكتفي بوصف الظاهرة أو إدانتها، بل يسعى إلى مساءلة شروط إنتاجها التاريخية والاجتماعية، والبحث في علاقتها بطبيعة المدينة نفسها وبالتحولات الطبقية التي عرفها المجال الحضري المغربي.

تكمن فرادة هذا النص في أنه يرفض القراءة التبسيطية التي تجعل من “الهركاوي” مجرد فرد منحرف أو كائن خارج عن المدنية، كما يرفض في الآن ذاته التبرير الرومانسي الذي يحول كل أشكال العنف والفوضى إلى تعبير مشروع عن التهميش. بين هذين الاختزالين، يقترح الكاتب مقاربة ترى “تهركاويت” باعتبارها شكلا من “الاستعمال السيء للمدينة”، أي تعبيرا مشوها عن صراع اجتماعي غير متكافئ داخل فضاء حضري تمت إعادة تشكيله وفق مصالح الرأسمال والطبقات المهيمنة.

" تهركاويت " أو الإستعمال السيء للمدينة "

طفا على سطح النقاش مؤخرا في مواقع التواصل الإجتماعي تعبير عامي مغربي وهو " تهركاويت " ( مصدر الفعل ) و "الهركاوي " (الفاعل ) ، وهو توصيف لممارسات وسلوكيات تخريبية ، فوضوية ، غير حضرية من قبيل : رمي الأزبال في الشارع العام ، التبول في الشارع ، ، عدم احترام الدور في أثناء قضاء خدمة ما ، تدمير الممتلكات العمومية ، عنف الملاعب ، العنف الأفقي على أتفه الأسباب. هناك من اعتبرها "قلة أدب" و "انعدام التربية" أو "جنوح" لذا يجب على الدولة أن تضرب " الهركاوي " بيد من حديد ، ومن اعتبر الأمر رد فعل ناتج عن التهميش والبطالة وعلى الدولة التي تدعي أنها "دولة اجتماعية" ان تتحمل مسؤوليتها لتدارك هذا الواقع المستفحل . وفي ذات النقاش حول المصدر الطبقي لهذا الفعل، فمن اعتبره محض فعل ينسب للفقراء ومن اعتبره فعلا مخترقا لكل الطبقات من الأعلى نحو الأسفل وذهبوا الى اعتبار الموظف السامي المرتشي يدخل ضمن نطاق فعل "تهركاويت" ، وهي في رأيي محاولة يائسة لتلطيف الوسم الطبقي لهذا الفعل وتعويم النقاش حول أبعاده التي تتخذ في الحقيقة بعدا بنيويا وليس ظاهراتيا، الأمر الذي لن يساعد على أن يتخذ هذا الفعل فهما سوسيولوجيا .

1-تحديد المعنى.

إن الأفعال الإجرامية من قبيل الإغتصاب ، النشل ، السرقة تحت تهديد السلاح وأيضا الرشوة ، هي أفعال يعرفها القانون ويعاقب عليها ، ومن المفيد سحبها من الأفعال المشمولة ب تهركاويت ، وبما ان الأفعال الأخرى :تخريب الممتلكات العمومية ، التعدي على الحدائق ، التبول في الشارع ، عنف الملاعب ، وسلوكيات أخرى تمارس ضمن النطاق المديني أي داخل المدينة فيمكن أن نعرف تهركاويت بكونه الإستعمال السيء للمدينة ناتج عن صراع طبقي غير متكافئ على المجال الحضري ، يتجلى في سلوكيات فردية ، جماعية ، تخريبية ، فوضوية ، و هي رد فعل عن حرمان الطبقات الشعبية من الحق في المدينة ، وللمفارقة هي سلوكيات توظفها الدولة المتحالفة مع الرأسمال لتبرير المزيد من تسليع وخوصصة المجال العام وفي تعميم القمع والتضييق على الحريات .

2- الصيغة السوسيولوجية " للإستعمال السيء للمدينة " .
إن الإستعمال السيء للمدينة يمكن التعبير عن صيغته السوسيولوجية كالآتي : هي جريمة طرفاها جانيان :
- الجاني الطبقي الأول هي الطبقة المسيطرة الحاكمة التي تسرق المدينة وتعيد تشكيلها بما يناسب هوها .
- الجاني الطبقي الثاني هو الفرد المقصي الذي يرد بتخريب ما تبقى له أو ما اغترب حوله ، وهذا لا يعني بالمطلق ، أنهما متسويان في فعل الجرم ، فالعنف الأكبر هوعنف الدولة المسيطر عليها من طرف الرأسمال ، أما عنف الفقير في هذه الحالة صدى باهت له .

3- لماذا الإستعمال السيء للمدينة صراع طبقي ؟

لأن هذه السلوكيات والأفعال لا تعبر فقط عن "جهل " كما يقال أو عن " قلة تربية " بل هي رد فعل عن سياسات طبقية تستعمل هي الأخرى المدينة على نحو سيء من خلال سرقة المجال عبر الهدم ونزع الملكية والترحيل ، وإعادة صياغته بما يناسب هوى ماليكه الجدد و أيضا عبر الحرمان من الحق في المدينة الذي يشمل السكن اللائق ،استعمال المجال ، المشاركة في قرار التهيئة ، هذا الحرمان يولد ما قد نسميه ب "الإغتراب الحضري " وهو :
- اغتراب مكاني : فالفرد لم يعد يشبه مدينته ، ولا مدينته تشبهه .

-اغتراب اجتماعي : وحيدا ينتزع من حيه ، وحيدا يقتلع من سياقه الإجتماعي ، وحيدا يهجر إلى الأطراف المنسية ، وحيدا يترك لمصيره ، لا مؤسسات مدنية ، لا نقابات ، لا أحزاب ، لا أحد هناك .....إلا غضبه

-اغتراب رمزي : في كل الأوقات وهو يسمع حيك آيل للسقوط ، حيك ركام من العشوائيات ، حيك مرتع الإجرام والمجرمين ، حيك مرتع لتهركاويت .

- اغتراب زمني : انسداد كلي للمستقبل ، لا عمل ، لا سكن .
و حيث أنه لا أمل و لا أفق ، يخلق هذا الإغتراب المركب طاقة غضب تنفجر هنا وهناك على نحو عشوائي ، ويتحول هذا الغضب المتفجر إلى ما سمي في بعض الأدبيات الماركسية ب" المقاومة المشوهة " وهي فعل رفض فردي تخريبي ، غير واع ضد نظام قمعي لكنه في النهاية يخدمه . أطلق عليها ماركس إسم " ثورة البروليتاريا الرثة " وسماها غرامشي ب " التمرد بدون هيمنة " .

4- المطلوب
هو تحويل " الاستعمال السيئ للمدينة " من فعل تدميري فردي إلى فعل بناء جماعي يسترجع الحق في المدينة باستعمال قاعدة غرامشي الذهبية : " تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة ".
فالمقاومة المشوهة " تشاؤم في العقل والإرادة .
المقاومة المنظمة تشاؤم في تحليل الواقع لكنها تفاؤل في قدرة التنظيم على تغييره .
"فالمقاومة المشوهة" قد تكون المادة الخام لأي تغيير جذري ، فوظيفة اليساري لا أن يحاكمها أخلاقيا ، بل وظيفته تحويل تخريب الحديقة الى محاصرة للبرلمان ، وكسر مقاعد الملعب الرياضي الى تكسير للهيمنة الطبقية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *