كيف تغيّر وجه القضاء المغربي منذ 1912؟ومقال للرفيق عمر الراضي حول القضاء
كيف تغيّر وجه القضاء المغربي منذ 1912؟
“باسم جلالة الملك”.. كيف يسحق قضاة المغرب معارضيه؟
عمر الراضي
هناك محطتان تاريخيّتان ظلّتا عالقتيْن بذهني، إلى حدّ أنني لم أعد قادرا على التفكير في علاقة المغاربة بمنظومتهم القضائيّة دون استحضارهما. تتعلّق الأولى بقاض يعدّ من أشهر قضاة المغرب، لحسن الطلفي، الذي أصدر حكم الإعدام في آخر محاكمة من هذا النوع نُفّذت فيها هذه العقوبة في البلاد، وهي قضية عميد الشرطة تابت، سنة 1996.
وقد ظل هذا القاضي، الذي أحيل اليوم على التقاعد، متربّعا على أحد كراسي الغرفة الجنائيّة في الدار البيضاء إلى حدود خمس سنوات خلتْ. أما آخر أحكامه البارزة، فكان تثبيت العقوبات الاستئنافية الثقيلة الصادرة في حقّ قادة حراك الريف، ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق ورفاقهما.
في أحد أيام سنة 2023، راجت إشاعة عن وفاته، فأثارت سلسلة من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت في أغلبها مهينة له ومتشفيّة فيه. وهكذا، شهد الطلفي، وهو لا يزال على قيد الحياة، ما كان سيقوله مواطنوه عنه يوم يرحل إلى دار الحقّ.
عمر الراضي
هناك محطتان تاريخيّتان ظلّتا عالقتيْن بذهني، إلى حدّ أنني لم أعد قادرا على التفكير في علاقة المغاربة بمنظومتهم القضائيّة دون استحضارهما. تتعلّق الأولى بقاض يعدّ من أشهر قضاة المغرب، لحسن الطلفي، الذي أصدر حكم الإعدام في آخر محاكمة من هذا النوع نُفّذت فيها هذه العقوبة في البلاد، وهي قضية عميد الشرطة تابت، سنة 1996.
وقد ظل هذا القاضي، الذي أحيل اليوم على التقاعد، متربّعا على أحد كراسي الغرفة الجنائيّة في الدار البيضاء إلى حدود خمس سنوات خلتْ. أما آخر أحكامه البارزة، فكان تثبيت العقوبات الاستئنافية الثقيلة الصادرة في حقّ قادة حراك الريف، ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق ورفاقهما.
في أحد أيام سنة 2023، راجت إشاعة عن وفاته، فأثارت سلسلة من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت في أغلبها مهينة له ومتشفيّة فيه. وهكذا، شهد الطلفي، وهو لا يزال على قيد الحياة، ما كان سيقوله مواطنوه عنه يوم يرحل إلى دار الحقّ.
المحطة الثانية هي رسالة ناصر الزفزافي إلى القاضي الطلفي نفسه، وزميله في محكمة الدار البيضاء، علي طرشي، الذي وزع عليه وعلى رفاقه ابتدائيًا مئات السنوات من السجن النافذ. الزفزافي، الذي أوكل إلى أخيه طارق تسجيل المقطع على منصّات التواصل الاجتماعي، استهلّ رسالته كالتالي: “أكتب إليكم اليوم ونحن في بداية أيام رمضان (..) لا استعطف عدلا ومعاذ الله أن أفعل، حتى لو فصل رأسي عن جسدي (…) بل فقط لأذكركم بما فعلتم فينا (…) فلربما قد تخدعكم الأيام بزخرفها فتظنون أننا نسيناكم”.
شخصيا، كانت لي علاقة بكل واحد من هذين القاضيين. فقد حكم عليّ علي طرشي بست سنوات سجنا نافذا، في ختام محاكمة ماراثونية لم يجرؤ خلالها، ولو مرة واحدة، أن ينظر مباشرة في عيني. أما لحسن الطلفي، فقد جرى الزجّ باسمه، رغمًا عنه، في قضية ضدّي كلّفتني أسبوعًا في السجن وأربعة أشهر حبسا مع وقف التنفيذ. إذ اعتبرت النيابة العامة أنني أسأت إليه حين وصفته ب “الجلاد”، وهو الوصف الذي صدر عنّي بالفعل عقب إدانته لناصر الزفزافي ورفاقه.
هاتان المحطتان، رغم أنهما معزولتان وناجمتان عن اختيار شخصي، إلا أنهما تلخّصان التصوّر الذي يحمله المغاربة عن العدالة في بلدهم بوصفها منظومة انتقام من كلّ من يرغب النظام في تصفيته رمزيا، تقوم على الاستسهال والاستخفاف بإجراءات المحاكمة وعدم احترام حقوق الدفاع حين يتعلق الأمر بقضايا الحق العام التي لا رهانات سياسية فيها ولا نوايا ولا أجندات أمنية مسبقة تحكمها.
أما المحاكمات السياسية، فهي تسير وفق نمطٍ محكم ومجرّب، يتكرّر في كلّ موعد داخل قاعات المحاكم، إلى درجة أنّ المنظمات الدولية الحقوقية – مثل هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية- التي واكبت هذه الجلسات خلصت إلى اكتشاف أسلوب مغربي صارم قائم على السحق الممنهج لكل حقوق الدفاع.
مناورات إجرائية
تعتمد ديمقراطيات الواجهة، كما هو الحال في المغرب، بشكل كبير على إضفاء طابع الغموض والالتباس على المحاكمات القضائيّة. فحيال المواطنين، وهم بطبيعتهم “غير مختصّين” في الشأن القانوني، تسعى السلطة إلى تبرير قراراتها عبر تضخيم الطابع المعقّد لإجراءات الجهاز القضائي ودور القاضي، ممّا يرسّخ انطباعًا مضلّلًا بأن القاضي منزّهٌ عن الخطأ. وهي مساعي دؤوبة لإقناع المتقاضين بأن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وأن فكّ رموز الأحكام القضائيّة أو استيعاب حيثياتها ليس في متناول الجميع، بل هو حكر على قضاة المحاكم المختصين.
بناء على ذلك، تعمد السلطة القضائية إلى ترويج صورة للعدالة تنأى بها عن المبدأ ذاته، لتجعلها أقرب إلى العلوم المستعصية على الإدراك العام. ومن خلال هذه الاستراتيجية، تحصّن السلطة السياسية نفسها من النقد، متّخذة من الذراع القضائي درعاً واقياً يحميها.
ومع ذلك، فإن مجرّد الانكباب على فحص مجريات جلسات محاكمة ما عن كثب، ومتابعة أطوارها وتقصي مواقف أطراف النزاع فيها، كفيلٌ بأن يفكّ السّحر عن القضية وتعقيدها المزعوم، لتصبح الأمور أكثر وضوحا وجلاء.
كصحفي، واكبت وتتبعت عدداً لا يستهان به من المحاكمات على اختلاف طبيعتها، والتي تميزت جميعها بطابعها “الحساس” ظهرت فيها السلطة القائمة إما كطرف مباشر أو كفاعل خفيّ يحرّك الخيوط من وراء الستار، وقد توصلتُ على مدار مساري المهني إلى استنتاج مفاده وجود نسق نمطيّ متكرّر يحكم مجريات هذه المحاكمات في كلّ موعد قضائيّ.
يتعلق الأمر بمجموعة من المناورات الإجرائية التي تتيح لهيئة القضاء إدانة كلّ من قررت السلطة السياسيّة جعله “مذنبا مزعوما” قبل أيّ محاكمة، أو كل من تعرض للتصفية الرمزية من طرف الأذرع الإعلامية الموالية للسلطات الأمنية. مثل هذا النمط لا يتحرك بشكل عشوائي، بل يتّبع استراتيجية محكمة تهدف إلى تطويع النص القانوني ليصبح أداة قمع بلمسة شرعيّة، حيث يتمّ تحويل قاعة المحكمة إلى مسرح لإعادة إنتاج الرواية الأمنية وتغليفها بشرعية المحاكم.
غالبا ما تبدو لحظة المثول الأولى أمام القاضي عادية للغاية، ولا شيء فيها يوحي بأن المرء يلج ردهات محكمة تفتيش حديثة. خلال الإجراءات التمهيدية، وبعد التحقق من الهوية، يستفسر القاضي عن ظروف الاعتقال، فيبدو المستشار ودودًا، متظاهرًا بحرصه على احترام الإجراءات الشكليّة، يوجّه كتاب الضبط بصرامة لتدوين كلّ صغيرة وكبيرة. إن السينوغرافيا العامّة للمشهد مهندسة بعناية لبثّ الطمأنينة في نفس المتّهم. لكن، وبطبيعة الحال، ومهما كانت الرواية المستفيضة حول ظروف الاحتجاز – سواء كانت عادية أو اتّسمت بتجاوزات صادمة – فإنّ القاضي لا يحرّك ساكنًا، إذ ينتهي المطاف بتلك الشهادة داخل محضر الجلسة دون أن يترتّب عليها أيّ إجراء تصحيحيّ أو تحسين ملموس.
إثر ذلك، ينتقل النقاش إلى الدفوع الشكلية التي يتقدم بها الدفاع، وهي تلك التي تتعلق بصحة الإجراءات القضائية وشروط قبول الدعوى ولا تتطرّق لموضوع النزاع. وفي هذا الطور، تُعاد مراجعة ملابسات التوقيف، وظروف الحراسة النظريّة، ومجريات الاستنطاق أمام عناصر الضابطة القضائية ثمّ النيابة العامّة، مع جرد العيوب الشائبة للإجراءات، لينتهي الأمر بتعداد المطالب المعروضة والملتمسات المرفوعة إلى هيئة المحكمة، من قبيل إجراء اختبارات تقنية أو استدعاء شهود النفي والإثبات.
تُشكل هذه المرحلة المتعلقة بالدفوع الشكلية المحطة المفصلية في مسار أيّ محاكمة سياسية، إذ يستعرض فيها محامو الدفاع خطّتهم الهجوميّة لإنصاف موكلهم، واضعين الأصبع على الخروقات الإجرائيّة التي شابت المحاكمة وعصفت بحقوق المتقاضين.
وهنا تحديداً، يتجلى الدور الماكر لبعض القضاة بأوضح صوره، حيث يكتفي القاضي بتبادل خاطف للإشارات والعبارات بين رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة، ليجري، أمام أعين دفاعٍ محبط يدرك سلفًا قواعد هذه اللعبة المعهودة، رفض شق من الطلبات الثانوية والدفوع المتعلقة ببطلان الإجراءات لعيب في الشكل. أما بخصوص الطلبات الأساسيّة لسير المحاكمة، كاستدعاء شهود النفي أو إجراء اختبارات قضائية، فإن القاضي يتفادى البتّ فيها فورا، ويلجأ إلى الحيلة المفضّلة لدى سائر محاكم المملكة: ضمّ الدفوع الشكلية إلى جوهر القضية وإرجاء البتّ فيها.
بعيد ذلك، تبدأ مرحلة استنطاق المتهم من قبل القاضي، والوكيل العام، ومحاميه. وطوال مرحلة مناقشة جوهر القضية، يجري القفز التام على مطالب استدعاء الشهود، إذ يكتفي القضاة بترديد عبارة: “ستبث الهيئة في هذا الدفع لاحقاً”، موزعين وعودا مطمئنة لهيئة دفاع متوجسة لا تثق بما تسمع.
ومع رفع جلسات مناقشة القضية، تأتي الجلسة الأخيرة سريعة وخاطفة، ليتسلل إلى نفس المتهم ودفاعه شعور مبهم بأنهم وقعوا في فخّ قضائيّ محكم، وهو الشعور الذي لن يتأخّر القاضي في تأكيده حين ينطق بلغته الرسمية: “باسم جلالة الملك، نفتتح هذه الجلسة علنيا وحضوريا”. يجلس الحاضرون، فيردف القاضي قائلا: “فيما يخص طلبات الدفاع، فقد قررت المحكمة رفضها جملة وتفصيلا”. ثم يلتفت صوب المتّهم الذي يقف متسمّراً في مكانه، ويسأله: “هل لديك كلمة أخيرة؟”. يرفع القاضي الجلسة، ليترك المتهم ينتظر الحكم من زنزانته.
محاكم البوليس
هذا السيناريو عشته بتفاصيله وبشكل شخصي وأنا أقف متهما أمام القاضي علي طرشي، تماماً كما رأيتُ آخرين يتجرعون مرارته ممّن كُتب عليهم المثول أمامه.
أثناء محاكمتي، لم تكن الجلسة ساحةً لتطبيق القانون بقدر ما كانت حلبةً لبسط سيطرة الأجهزة الأمنيّة على السلطة القضائيّة. إذ أدركتُ على الفور أنّ القضاة لن يكونوا سوى جهات تنفيذيّة تكرّس إرادة النظام التي تترجمها على أرض الواقع أذرعه الشرطية والاستخباراتية، تلك الأجهزة التي صُهرت منذ عام 2015 في كيان واحد بصلاحيات واسعة : المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني (DGSN-DGST).
خلال جلستي الأولى، أشار إليّ القاضي بالجلوس إلى جانب هيئة الدفاع المؤازرة لي. لكن، على ما يبدو، صدرت أوامر صارمة للحيلولة دون أي تواصل بيني وبين محاميّ داخل قاعة المحاكمة. هكذا، وضاربة بعرض الحائط أوامر القاضي، عمدت عناصر الشرطة المرابطة بالجلسة إلى نقلي قسرًا لأجلس بجوار محامي الطرف المدني (الجهة المُشتكية)، في مفارقة سرياليّة واجهها دفاعي باحتجاج صارم، غير أن القاضي طرشي وقف عاجزا ومكبل اليدين، مؤكداً بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس “الرئيس الفعلي” لهذه الغرفة الجنائية.
طبعا، مع وصول المحاكمة أطوارها الأخيرة، اكتشفت أن كل طلبات دفاعي تم رفضها، لا خبرة طلبتها أنجزت، ولا خبراء تمّ استدعاؤهم، ولم يتمّ استقدام أيّ من شهود النفي الذين طلب دفاعي حضورهم. ومن أخطر ما صادق عليه القاضي طرشي كان زعم المحكمة بأن أحد شهود الدفاع لا وجود له، فقط لأن الشرطة دونت ذلك في محاضرها، زورا وبهتانا. فقام الشاهد هذا بمراسلة المحكمة وضمن مراسلته كل الوثائق الثبوتية اللازمة التي تؤكد وجوده الفعلي. ورغم ذلك، رفضها طرشي وامتنع عن استدعائه، وأكد أنّ لا وجود له في تعليل الحكم الرسميّ. تأكيدٌ تكرّر استئنافيا، وحتى في تعليل محكمة النقض، المفترض فيها أن تكون قمة الفقه والحكمة القانونية.
أما ناصر الزفزافي، ونبيل أحمجيق، ومحمد جلول والعشرات من رفاقهم في حراك الريف، فقد خضعوا من جانبهم لعدد أكبر من انتهاكات حقوق الإنسان. فبعد توقيفهم، جرى نقلهم خارج النطاق القضائي لمكان اعتقالهم – أحدهم عبر الجو- وهم معصوبو الأعين. كما تعرّضوا لعدة أيام للتعذيب داخل مكاتب الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ووجّهت إليهم تهمٌ لا تتناسب مطلقًا مع نشاطهم السلمي، وذلك سعيا إلى تضخيم صكّ الاتهام عملا بمنطق “كلما ازدادت خطورة التهمة كلما ازداد التصديق بها”، بهدف ترهيب الأصوات المتضامنة. وأخيراً، تمت ملاحقتهم أمام محكمة تبعد بمسافة اثنتي عشرة ساعة عن مكان الوقائع المنسوبة إليهم.
إن هذه الانتهاكات، التي من شأنها في أي دولة حق وقانون أن تفتح الباب لإسقاط المتابعات القضائية وفتح تحقيق في وقائع العنف المُبلغ عنها، قد قوبلت في المغرب بالتجاهل التام من قِبل النيابة العامة، وقاضي التحقيق، وقضاة غرفة الجنايات.
وهنا تبرز ملاحظة أخرى مفادها أن المسؤولين المذكورين أعلاه، سواء المنتمين إلى جهاز الشرطة، أو النيابة العامة، أو قضاء التحقيق، أو قضاء الحكم، هم في الغالب نفس الأشخاص الذين يقفون وراء المحاكمات السياسية. هنا، من المفيد الإشارة أنني مررت شخصيا، أمام نفس المسؤولين الذين حققوا، وتابعوا وحاكموا نشطاء الريف والصحافي حميد المهداوي. بل ولازلت أكتشف أنهم نفسهم هم من يقودون التحريات والتحقيقات ومحاكمات حتى لرجال الدولة والاقتصاد الذين يسقطون ضحايا لـ”غضبات” السلطة السياسية.
هذا ليس محض صدفة، بل يعكس وجود “خلايا غير رسمية” داخل أجهزة الأمن والقضاء، أوكل إليها هذا النوع من الملفات، وخاضعة لرهانات سلطوية ذات ثلاث أبعاد. يكمن البعد الأول في هيمنة رواية الأجهزة الأمنية على السلطة القضائية، وهو ما يحيل إلى شكل الهرم المقلوب، حيث تحظى محاضر ضابط الشرطة القضائية – أياً كان مضمونها – بالحجية الكافية والأسبقية في الإجراءات الجنائيّة، مما يجعله بمثابة “الرئيس الفعلي” لوكيل الملك، لا العكس. وذلك لأن القناعة الوجدانية لقاضي التحقيق تجعله يميل إلى محاضر الشرطة ويقلّل من شأن أيّ حجة مضادة من شأنها أن ترجح كفة الدفاع، مهما كانت قوتها الإقناعية. في نهاية المطاف، ينتهي الأمر بقاضي الجلسة إلى إصدار حكم يكرّس فيه ما تلقّاه من قاضي التحقيق أو النيابة العامة، في شكل صياغة قضائية تجسد الإرادة والنية الأولى للأجهزة الأمنية. يبرز ذلك بوضوح حين تصل إلى الجمهور أخبار عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان داخل مخافر الشرطة، فتتدخل النيابة العامة وباقي سلك القضاء للتغطية وتبرير أفعال الشرطة.
أحداث كثيرة من هذا النوع هزت بين الفينة والأخرى المجتمع المغربي في السنوات الماضية، آخرها قضية وفاة الشاب عمر حلفي بتاريخ 18 فبراير الفارط في ظروف غامضة داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وهي بمثابة نخبة “البوليس السياسي” بالمملكة. الشرطة التي قالت إن الشاب الذي استقدمته إلى مقرها، في ظروف تسائل قانونية مسطرة الجلب، أقدم على الانتحار عبر رمي نفسه من الطابق الرابع، لم تفرج عن تسجيلات كاميرات المراقبة وتركت النيابة العامة تبرر مكانها لرواية الانتحار وتروج لها، رغم وجود عدد من الاختلالات في إجراءات اعتقاله، وتسجيل كدمات وضربات وجروح عميقة على مستوى رأسه، يرجح ألا تكون لها علاقة بالسقوط من طابق مرتفع. قضية برحت مكانها لأن النيابة العامة ترفض أن تشاهد عائلة الضحية ودفاعها التسجيلات، ولم تحرك أي تحقيق شفاف ومنصف، في حين لا تتوانى نفس هذه النيابة كما باقي مؤسسات الدولة (الشرطة، إدارة السجون) على نشر فيديوهات في كل مرة تبحث فيها عن تبرئة نفسها من اتهامات الحقوقيين بالخروقات.
أما البعد الثاني في هذه الثلاثية، فهو ذو طابع نفعي يرتبط بالمسار المهني للقضاة. فإذا كان صحيحاً أن “التعليمات المباشرة الموجهة للقضاة”، وهي التعبير الصارخ والمبتذل لتدخل السلطة السياسية أو الإدارة في الأحكام القضائية، لم تعد تُملى عليهم بالوضوح الذي كانت عليه في السابق، فإن بعض القضاة اليوم يقررون الإدانة أو البراءة بناء على قراءتهم لـ”توجهات المرحلة” و”المناخ العام”، مسترشدين غالباً بما تنشره المنابر الإعلامية المحسوبة على الأجهزة الاستخباراتية ضد المتقاضين. فإذا كان شخص ما موضوع حملة تشهيرية في الصحافة الموصوفة بـ”صحافة التشهير”، فإن ذلك يعد صك إدانة مسبق في حقه.
وأخيراً، غالبًا ما يغيب عن الأذهان أنّ قطاع العدل في المغرب يعدّ من بين أكثر قطاعات الدولة استشراء للفساد، وأن المحاكم قد تحوّلت إلى أسواق للكسب غير المشروع، تحيط بها منظومة متكاملة من الوسطاء وسماسرة الشهود. وتحت الأنظار المتغاضية لأجهزة الاستخبارات، تجري هذه التجارة دون أدنى نية لوضع حدّ لها، بل إن القضاة الذين يتم ضبطهم متلبسين غالبًا ما يكونون أولئك الذين زاغوا عن الخط السياسي العام حين يتمّ عرض متّهمين بخلفيات سياسية بارزة أمامهم.
خلال فترة اعتقالي (29 يوليو 2020-29 يوليو 2024)، سنحت لي الفرصة للقاء أحد هؤلاء القضاة، ضبط متلبساً بتلقي رشاوى. ذات مرة خلال فسحة يوميّة، همس إلى قائلا: “نعم، لقد تلقيت رشاوى لترتيب بعض القضايا”، واستطرد: “لكن الشرطة فعلت كل ما في وسعها لإخفاء هاتفي المحمول، الذي كان يتضمّن أرقامًا ومحادثات مع عشرات القضاة الذين كنت أقاسمهم المبالغ المتحصل عليها”.
هنا تكمن مأساة القضاء المغربي، فالقضاة الذين ينتهي بهم المطاف في غياهب السجون، حيث أرسلوا هم أنفسهم الكثير من الأبرياء، أو أولئك الذين يتجرعون مرارة الإقصاء، والمتابعات التأديبية، والعزل، وأحياناً المنفى. أولئك هم الأقدر والأجدر دائماً على تفكيك خبايا منظومة قضائية منخورة من الأعلى ومن الداخل على حد سواء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق