في مواجهة آلة القمع " شهادة من معركة مقاطعة الانتخابات الجماعية سنة 1997 بمدينة ميدلت"حميد ايت يوسف
في مواجهة آلة القمع
" شهادة من معركة مقاطعة الانتخابات الجماعية سنة 1997 بمدينة ميدلت"
*****************************************************
لا أزال أستعيد تفاصيل ذلك المساء الربيعي من الأسبوع الأول من شهر يونيو سنة 1997، كما لو أنه حدث بالأمس. كانت الشمس تميل ببطء نحو الأفق، تجمع خيوطها الأخيرة استعداداً للرحيل، فيما كانت المدينة تمضي في إيقاعها المعتاد. الناس منشغلون بأعباء الحياة اليومية، والأسواق تضج بحركتها العادية، والمرشحون ووكلاؤهم يجوبون الشوارع والأحياء، ينثرون الوعود كما تُنثر أوراق الدعاية الانتخابية، ويستثمرون الأموال الطائلة في سباق محموم نحو مؤسسات لم تكن بالنسبة إلينا سوى واجهات لتزيين صورة نظام يصادر الإرادة الشعبية الحقيقية.
في ذلك الوقت، لم يكن همُّ مناضلي حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي هو البحث عن مقعد أو موقع أو مكسب سياسي عابر. كان السؤال المطروح داخل الاجتماعات المتتالية لخلايا الحزب سؤالاً مبدئياً بامتياز: كيف يمكن إيصال موقف المقاطعة إلى أوسع فئات الشعب؟ وكيف يمكن تحويل هذا الموقف من مجرد شعار سياسي إلى وعي جماهيري يكشف طبيعة العملية الانتخابية وحدودها؟ وكيف يمكن للمناضلين أن ينجزوا مهمتهم قبل أن تطالهم يد القمع التي كانت تتربص بكل صوت معارض؟
كانت البلاد آنذاك لا تزال تعيش تحت ظلال سنوات الرصاص الثقيلة. لم يكن الاختلاف في الرأي حقاً مضموناً، ولم تكن حرية التعبير قيمة محترمة من طرف الدولة. كان مجرد توزيع منشور أو رفع موقف سياسي مخالف كافياً لجر صاحبه إلى دهاليز الاعتقال والاستنطاق. لذلك لم يكن مناضلو الحزب يتحركون وهم يراهنون على هامش ديمقراطي حقيقي، بل كانوا يدركون منذ البداية أن الثمن قد يكون الاعتقال.
تحركت الأجهزة بسرعة. انتشرت عيون المراقبة في كل مكان، وتحولت شبكات المخبرين والشيوخ والمقدمين إلى آلة بحث لا تهدأ، تجمع القصاصات وتتعقب أثر من وزعوها. غير أن الخطة التي اعتمدتها الخلايا الحزبية كانت قائمة على السرعة والمرونة. كانت المجموعات تنجز مهمتها وتغادر المكان قبل وصول الأجهزة، ثم تعود إلى نقاط التقاء متفق عليها مسبقاً. وهكذا تمكنت مختلف الخلايا من الوصول إلى أحياء المدينة وتوزيع المواد الدعائية الخاصة بالمقاطعة والعودة سالمة في مرحلة أولى.
لكن بعضنا اختار خوض معركة أخرى أكثر جرأة. لم نكتف بتوزيع المناشير والجرائد الحزبية، بل قررنا النزول مباشرة إلى الشارع وتنظيم حلقات نقاش مفتوحة وسط الأحياء الشعبية. كنا نتحدث عن المقاطعة باعتبارها موقفاً سياسياً واعياً، ونناقش القوانين الانتخابية وطبيعة المؤسسات القائمة وعلاقة الانتخابات ببنية النظام السياسي برمته.
كان وقع ذلك الخطاب على الناس مختلفاً. فالكثيرون لم يعتادوا سماع هذا النوع من الكلام في الفضاء العام. بعضهم كان يقترب مدفوعاً بالفضول والرغبة في الفهم، وبعضهم كان يطرح الأسئلة بحثاً عن مزيد من التوضيح، فيما كان آخرون ينسحبون بصمت خوفاً من أن تطالهم أعين السلطة أو أن يُحسبوا على المعارضين.
لم نكن نخدع أنفسنا. قبل مغادرتنا منازلنا ذلك اليوم، أخبرنا أسرنا بإمكانية اعتقالنا. تركنا أرقام هواتف الرفاق في الأجهزة الوطنية للحزب، وأرقام المحامين والمناضلين الحقوقيين، لأن الاعتقال كان احتمالاً واقعياً أكثر من كونه مجرد توقع.
ومع تقدم ساعات المساء، تحولت المدينة إلى مساحة مطاردة مفتوحة. كلما أنهينا نشاطاً في حي ووصلت الأجهزة إلى المكان، كنا قد انتقلنا إلى حي آخر. كان هدفنا أن نسبق آلة القمع بخطوة، وأن نمنح الموقف السياسي فرصة للوصول إلى أكبر عدد من المواطنات والمواطنين.
وحين انتقلنا إلى الأحياء الفقيرة التي تشكل أحزمة البؤس حول المدينة، اكتشفنا وجهاً آخر من وجوه المغرب المنسي. هناك لم نجد فقط آذاناً صاغية، بل وجدنا احتضاناً حقيقياً. حيث كان الشباب يرشدوننا إلى المسالك المختصرة و الآمنة المؤدية إلى أحياء أخرى.
كان أولئك البسطاء يدركون بحسهم الفطري زيف الوعود الانتخابية. كانوا يقولون إنهم يشاركون أحياناً في الأنشطة المرتبطة بالمرشحين بسبب الحاجة والفقر، لكنهم لا يثقون في من يطلب أصواتهم ثم يختفي بعد إعلان النتائج. كانت كلماتهم شهادة دامغة على عمق الهوة بين المؤسسات الرسمية والواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس.
في ذلك المساء، نجحنا في شيء بدا مستحيلاً. لم يعد الحديث في المدينة يدور فقط حول المرشحين واللوائح الانتخابية، بل أصبح يدور أيضاً حول المقاطعة. عاد إلى الواجهة تاريخ طويل من المواقف الاحتجاجية التي حملتها الحركة الوطنية واليسار المغربي في مراحل سابقة. استحضر بعض كبار السن شعارات مقاطعة دستور 1962، وتداول الناس أعداد جريدة "الطريق" التي أصبحت مطلوبة بشكل لافت.
كانت تلك لحظة انتصار معنوي حقيقية. فقد تمكن خطاب المقاطعة من اختراق جدار الصمت، ووصل إلى الفئات الشعبية التي كان الحزب يعتبرها عماد أي تغيير ديمقراطي حقيقي.
لكن الدولة لم تكن لتسمح بمرور ذلك دون عقاب.
بعد أن أكملنا مهمتنا، كنا في طريق العودة إلى نقطة اللقاء المتفق عليها مع باقي الرفاق. كنا نعتقد أن أصعب المراحل قد انتهت. غير أن سيارة للشرطة اعترضت طريقنا فجأة. أشار أحد عناصرها نحونا قائلاً لزملائه: "ها هما".
طلبوا منا الصعود إلى السيارة. رفضنا، وبدأنا نحتج بصوت مرتفع حتى ينتبه المارة ويعرفوا أن اعتقالاً سياسياً يجري أمام أعينهم. كنا نريد أن يصل الخبر إلى الناس وإلى الرفاق قبل أن تختفي آثارنا خلف جدران المخافر.
وهكذا انتهى ذلك المساء كما كان متوقعاً أن ينتهي في زمن كانت فيه الكلمة تُعامل كجريمة، والرأي الحر يُنظر إليه باعتباره تهديداً للدولة.
لم يكن اعتقالنا حدثاً معزولاً، بل كان جزءاً من حملة واسعة استهدفت حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي خلال تلك الفترة. فقد تجاوز عدد المعتقلين مائة وثلاثين مناضلاً ومناضلة في مختلف مناطق المغرب، في واحدة من أعنف الهجمات التي تعرض لها الحزب، في محاولة واضحة لإخضاعه أو اجتثاثه وإسكات صوته المعارض.
غير أن ما لم تدركه أجهزة القمع آنذاك هو أن الاعتقال قد يطال الأجساد، لكنه يعجز عن اعتقال القناعات. وأن الأفكار التي تُزرع في وجدان الناس لا يمكن اقتيادها إلى الزنازين. لذلك بقيت تلك المعركة، رغم ما رافقها من قمع وتضييق، شاهداً على مرحلة اختار فيها رجال ونساء أن يدافعوا عن حقهم في التعبير وعن مواقفهم السياسية بكل شجاعة، مؤمنين بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالنضال والصمود والتضحية.
لقد كان ذلك المساء أكثر من مجرد حدث عابر في ذاكرة مناضلين. كان درساً في معنى الالتزام، وفي قدرة الإنسان على مواجهة الخوف حين يؤمن بعدالة قضيته. وكان دليلاً على أن الكلمة الحرة، مهما حوصرت، تظل قادرة على إشعال الأمل في القلوب وإبقاء جذوة المقاومة مشتعلة في وجه القمع والاستبداد.
* مع تحياتي العالية لرفاقي في حزب الطليعةاليمقراطي الاشتراكي الذين تشاركت معهم هذه التجربة في مدينة ميدلت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق