جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

قضية الحرية وإطلاق سراح المعتقلين مدخل سابق لأي حديث عن الانتخابات:فؤاد خمليشي

قضية الحرية وإطلاق سراح المعتقلين مدخل سابق لأي حديث عن الانتخابات:فؤاد خمليشي
يُطرح النقاش حول الانتخابات في كل محطة سياسية باعتباره المدخل الأساسي للتغيير، غير أن أي حديث عن التنافس الانتخابي أو المشاركة السياسية يفقد معناه حين يُفصل عن شرطه الأول: الحرية. فلا يمكن الحديث عن اختيار حر، أو عن تمثيل سياسي حقيقي، أو عن تدبير ديمقراطي للشأن العام، في ظل استمرار اعتقال أصحاب الرأي والمواقف السياسية والاحتجاجية، واستمرار توظيف المتابعات القضائية كوسيلة لتقييد الفعل الجماعي وإخضاع الأصوات المعارضة.
لقد تحول الاعتقال المرتبط بالرأي أو بالنشاط السياسي والاجتماعي إلى آلية دائمة لتدبير التناقضات الاجتماعية. فكل من يرفع مطالب اقتصادية أو اجتماعية، أو ينخرط في تنظيم احتجاجي، أو يفضح مظاهر الاستغلال والفساد، يجد نفسه معرضًا لأشكال مختلفة من التضييق والمتابعة. وعندما تصبح المقاربة الأمنية بديلًا عن الحلول السياسية والاجتماعية، تتحول المؤسسات القانونية إلى أدوات للضبط بدل أن تكون ضمانات للحقوق والحريات.
إن وجود معتقلين من خلفيات مختلفة؛ مناضلين سياسيين، ونقابيين، وطلبة، وأساتذة، وفاعلين في الحركات الاجتماعية، لا يعكس قوة السلطة بقدر ما يكشف حدود قدرتها على إنتاج توافق اجتماعي وسياسي قائم على الإقناع والاستجابة للمطالب. فاللجوء المتكرر إلى القمع يعبر عن أزمة في تدبير الصراع الاجتماعي، ويؤكد أن الاستقرار المفروض بالخوف يظل استقرارًا هشًا ومؤقتًا.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار قضية المعتقلين ملفًا حقوقيًا منفصلًا عن باقي القضايا الاجتماعية والسياسية. فالحريات العامة ليست شأنًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتخابات أو إخضاعه لحسابات الظرف السياسي. بل هي شرط أساسي لأي ممارسة سياسية ذات معنى. فقبل الحديث عن البرامج الانتخابية، يجب الحديث عن الحق في التنظيم. وقبل النقاش حول التمثيلية، يجب ضمان الحق في التعبير والاحتجاج. وقبل التساؤل عن نسب المشاركة، يجب طرح سؤال الحرية.
إن الفصل بين معركة الحريات وبين المطالب المرتبطة بالشغل والأجور والسكن والتعليم والصحة يؤدي إلى إضعاف جميع هذه المعارك. فالأدوات التي تُستخدم لقمع الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية هي نفسها التي تُستخدم لتقييد الحريات السياسية والنقابية. لذلك فإن الدفاع عن المعتقلين وعن حرية التنظيم والتعبير ليس قضية فئوية تخص فئة محددة، بل هو جزء من الدفاع عن شروط النضال الاجتماعي نفسه.
كما أن التعامل الانتقائي مع المعتقلين، أو التمييز بينهم وفق الانتماءات السياسية أو النقابية أو الفكرية، لا يخدم سوى منطق القمع. فجوهر القضية واحد: تجريم الموقف والرأي والاحتجاج والعمل الجماعي. ومن ثم فإن المطالبة بإطلاق سراح جميع المعتقلين المرتبطين بقضايا الرأي والاحتجاج والعمل السياسي والاجتماعي يجب أن تشكل أرضية مشتركة وموحدة لكل القوى الساعية إلى توسيع مجال الحريات.
لقد بينت التجارب أن معالجة الملفات بشكل منفصل تساهم في إطالة أمدها واستنزاف طاقتها النضالية، بينما يساهم الربط بين مختلف المعارك الاجتماعية والحقوقية في تعزيز قدرتها على التأثير. لذلك فإن جعل قضية المعتقلين محورًا دائمًا داخل كل أشكال النضال الجماهيري، وربطها بمختلف المطالب الاقتصادية والاجتماعية، يمثل خطوة ضرورية لتوسيع التضامن وتحويل كلفة الاعتقال السياسي إلى عبء سياسي واجتماعي متزايد.
إن أي نقاش جدي حول المستقبل السياسي لا يمكن أن يبدأ من صناديق الاقتراع قبل أن يبدأ من ضمان الحريات الأساسية. فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما إحدى آليات التعبير السياسي داخل فضاء عام مفتوح. وعندما يُقيد هذا الفضاء بالاعتقالات والمتابعات والتضييق على التنظيمات والاحتجاجات، يصبح الحديث عن التنافس السياسي ناقصًا ومبتورًا.
لذلك تظل المطالبة بالإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي والاحتجاج والعمل السياسي والاجتماعي، ووقف المتابعات ذات الخلفية السياسية أو المطلبية، وضمان حرية التنظيم والنشاط النقابي والسياسي، أولوية دائمة لا يمكن تأجيلها أو تجاوزها. فالحرية ليست ملفًا جانبيًا يُناقش بعد ترتيب القضايا الأخرى، بل هي الشرط الذي يمنح لكل القضايا الأخرى معناها وإمكانية الدفاع عنها.
قبل الانتخابات، الحرية. قبل التنافس السياسي، الحرية. قبل أي حديث عن المستقبل، إطلاق سراح جميع المعتقلين.
فالحرية ليست امتيازًا يُمنح، إنما حق يُفرض بالنضال الجماعي المنظم والمستمر.
Fouad Khamlichi 31/05/2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *