جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

في سؤال البديل : لماذا لا يتقدم اليسار رغم فشل و تراجع اليمين...؟!عمران حاضري

 في سؤال البديل : لماذا لا يتقدم اليسار رغم فشل و تراجع اليمين...؟!

* في الأزمنة التي تتآكل فيها الشرعيات وتتشقق فيها المنظومات الحاكمة، يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأن التاريخ يتهيأ لانعطافة كبرى... تتصارع أجنحة اليمين على نحر الشعب و الوطن على مذبح غنائم سلطة تتقلص، و مواقع النفوذ داخل بنية مأزومة أصلا ، لم تعد قادرة على إنتاج غير الأزمات المتناسلة من رحم الأزمات...!
* غير أن التاريخ، في مكره العجيب، لا يمنح انتصاره لمن يملك صحة التشخيص فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على تحويل الضرورة إلى قوة اجتماعية منظمة... ولذلك يبقى السؤال معلقًا فوق الخراب : لماذا لا يتقدم اليسار رغم تراجع اليمين وفشله؟!
لأن تهاوي الخصم لا يعني بالضرورة صعود البديل...!
* فالفراغ الذي تتركه القوى المتهاوية لا تملؤه الأفكار الصحيحة وحدها، بل تملؤه القوى القادرة على التغلغل في وجدان الناس ومصالحهم وأحلامهم ومخاوفهم...! وما أكثر الأفكار العادلة التي هزمتها هشاشة التنظيم، وما أكثر المشاريع النبيلة التي ضاعت لأنها لم تجد طريقها إلى الأرض التي يمشي عليها الناس...!
* لقد تحول جزء غير يسير من الفعل التقدمي، في العقود الأخيرة، إلى نوع من الإقامة الدائمة داخل المجال السياسي المجرد ؛ حيث تتصدر معارك الحقوق والحريات على أهميتها و ضروريتها طبعا ، واجهة المشهد ، بينما تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعمل والثروة والتنمية والسيادة والعدالة الاجتماعية...!
* والحال أن الشعوب لا تدخل التاريخ من بوابة الشعارات والبيانات فحسب ، بل من بوابة حاجاتها الملموسة وآلامها اليومية و صراعاتها المؤجلة... فالوعي لا ينمو في الفراغ، وإنما يتشكل في تماس الإنسان مع شروط وجوده المادي، ومع ما يعتمل في حياته من تناقضات وضغوط وآمال...!
وحين ينفصل الخطاب الحداثي التقدمي عن هذا النبع الاجتماعي العميق، يصبح أشبه بصوت نبيل يعلو فوق العاصفة دون أن يمتلك القدرة على تغيير اتجاه الريح...!
* إن إحدى المعضلات الأكثر استعصاءً تكمن في تحول قوى التغيير من صانعة للأحداث إلى مستهلكة لها...!
* فالسلطة تبادر، واليسار يعلق... واليمين بمختلف مكوناته يحدد أرضية الاشتباك، والقوى الديمقراطية تنشغل بالدفاع داخل حدود رسمها خصومها سلفًا...!
* وهكذا يتحول الفعل السياسي إلى سلسلة طويلة من ردود الأفعال، بينما تتراجع القدرة على إنتاج المبادرة التاريخية...!
* غير أن السياسة، في معناها الأعمق، ليست فن التكيف مع الوقائع القائمة، بل فن خلق الوقائع الجديدة...!
* من هنا يصبح الرهان الحقيقي هو تحرير المخيال السياسي من أسر اللحظة...!
* فالبديل لا يولد من رحم الانفعال، وإنما من رحم الرؤية الاستراتيجية ... والرؤية لا تنبثق من تراكم المواقف المتفرقة، بل من مشروع تاريخي يدرك أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات قانونية تعاقدية ، وإنما شكل من أشكال الصراع الاجتماعي حول توزيع السلطة والثروة والمعنى...!
ذلك أن الديمقراطية، حين تُفرغ من مضمونها الاجتماعي الشعبي ، تتحول إلى هيكل بلا روح...! أما الحرية التي لا تجد سندها في الخبز والعمل والتعليم والصحة والكرامة، فإنها تبقى حرية معلقة في الهواء، تشبه نافذة مفتوحة على بيت بلا جدران...!
* إن جوهر المسألة يكمن في إعادة وصل الحرية بالعدالة ، والديمقراطية بالسيادة ، والتحرر الوطني بالانعتاق الاجتماعي... فكل مشروع يكتفي بأحد هذه الأبعاد دون الآخر محكوم عليه بأن يتحول إلى نصف حقيقة، وأن ينتهي، عاجلًا أم آجلًا، إلى خدمة ما كان يعتقد أنه يقاومه...!
* ولعل أخطر ما تواجهه القوى التقدمية الناهضة اليوم ليس قوة خصومها بقدر ما هو ، ضعف وهشاشة البديل الحداثي الديموقراطي الشعبي و خطر التبدد داخل منطق العفوية والتشظي واللحظية...!
* فالتاريخ لا تصنعه النوايا الحسنة، بل تصنعه الإرادات المنظمة... ولا يكفي أن تكون الفكرة عادلة ؛ بل ينبغي أن تمتلك الجسد القادر على حملها، والعقل القادر على تطويرها، والتنظيم القادر على تحويلها إلى قوة مادية فاعلة في المجتمع...!
* بالتالي إن المطلوب ليس مجرد معارضة لليمين بمختلف تجلياته و مكوناته ، بل تجاوز أفقه التاريخي برمته...! فالأزمة ليست أزمة حكومات متعاقبة، بل أزمة خيارات و توجهات و نموذج كامل من التبعية الاقتصادية والاستلاب الثقافي والارتهان السياسي...!
* وما لم يتحول اليسار إلى حامل لمشروع وطني شعبي ديمقراطي يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الثروة والعمل، وبين الوطن ومصيره المستقل، فإنه سيبقى يدور داخل المدار نفسه الذي رسمه خصومه...!
* إن لحظات انحطاط المنظومات السائدة و الكيانات التبعية الريعية المتعاقبة ، التي حولت الفئات الشعبية إلى متسولين نسقيين ، لا تكون في حقيقتها إعلانًا تلقائيًا عن ولادة الجديد، بل امتحانًا لقدرة القوى الشعبية البديلة الصاعدة على أن تكون جديرة بالمستقبل... وفي هذا الامتحان لا يكفي أن ينهزم اليمين؛ بل ينبغي أن ينتصر الأمل...!
* والأمل هنا ليس شعورًا عاطفياً عابرًا أو وعدًا أخلاقيًا مجردًا، بل فعل تاريخي واعٍ، يتجسد في تنظيم الطبقة العاملة و الفئات الشعبية حول مصالحها، وفي تحويل الغضب الاجتماعي إلى مشروع تحرري ، وتحويل المعاناة و الوجع الشعبي إلى وعي، وتحويل الوعي إلى قوة تغيير...!
عند تلك العتبة يبدأ التاريخ في تغيير اتجاهه و يفتح ذراعية إلى قوى التغيير المنشود شعبيا...!
* وعندها فقط لا يعود السؤال: لماذا لا يتقدم اليسار رغم فشل اليمين؟
بل يصبح السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع : كيف استطاعت الإرادة الشعبية، بعد طول انتظار، أن تفتح نافذة جديدة في جدار التاريخ ؟
عمران حاضري
2/6/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *