جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

محمود بنونة... الحلم الذي طلع إلى الجبل /م.إسماعيلي

 ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني

حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-12-
محمود... الحلم الذي طلع إلى الجبل
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان البلد يعيش واحدة من أكثر فتراته توتراً. سنوات من الصراع السياسي، واعتقالات واسعة، وأحكام ثقيلة، ومحاولتان انقلابيتان هزتا البلاد، جعلت كثيرين يعتقدون أن النظام يعيش لحظة ضعف وأن التغيير أصبح ممكناً.
في تلك الأجواء كان محمود قد اختار طريقاً مختلفاً عن كثيرين. مهندس إلكتروني وشاب بارز في حزب معارض، آمن بأن العمل السياسي وحده لم يعد كافياً. كان قد حُكم عليه غيابياً بالسجن المؤبد، فوجد نفسه مطارداً خارج الوطن، يتنقل بين العواصم والمدن الحدودية، حاملاً قناعة تزداد رسوخاً بأن المواجهة المسلحة أصبحت الخيار الوحيد.
لكن محمود لم يكن مندفعاً بطبعه. كان رفاقه يعرفون فيه ميلاً إلى التدقيق والمراجعة، وربما كان لتكوينه كمهندس إلكتروني أثر في ذلك. لذلك لم يتردد، قبل سنوات قليلة من الأحداث، في توجيه رسالة إلى الفقيه انتقد فيها غياب القيادة الموحدة والبرنامج السياسي الواضح والتنظيم الثوري المتماسك... كان يعرف حجم النواقص التي تعانيها التجربة، ويعرف أيضاً أن الحماس وحده لا يصنع ثورة. ومع ذلك، حين جاءت لحظة الاختيار، لم يقف بعيداً.
في أواخر يناير من ذلك العام، تسللت مجموعات مسلحة من الحدود نحو مناطق داخل البلد. توزع الرجال على خلايا متعددة، وكان الرهان كبيراً: إطلاق شرارة تمرد مسلح يعتقد أصحابه أنها ستفتح الباب أمام انتفاضة واسعة تمتد من الجبال إلى المدن.
كان بعض المشاركين يتحدثون بثقة عن الأيام المقبلة. كانوا يعتقدون أن أول مواجهة ستدفع آخرين إلى الالتحاق بهم، وأن ناراً صغيرة في الجبل قد تكبر سريعاً. هكذا كانت الحسابات، أو هكذا بدا الأمر للكثيرين منهم.
غير أن الواقع لم يسر وفق ما خُطط له.
في تلك الليلة، انطلقت الأحداث قبل أوانها بسبب أخطاء في التنسيق بين المجموعات. فُقد عنصر المفاجأة منذ الساعات الأولى، وسرعان ما استنفرت السلطات مختلف أجهزتها العسكرية والأمنية. تحولت الجبال والوديان إلى مسرح مطاردات واسعة، ووجدت المجموعات المسلحة نفسها في مواجهة قوة تفوقها عدداً وتسليحاً وتنظيماً.
وصل خبر انكشاف العملية إلى محمود وهو في إحدى مناطق الجنوب. كانت الأخبار تصل متقطعة ومشوشة، وبعضها متناقض. لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة ما يجري في المواقع الأخرى، لكن المؤكد أن الخطة الأصلية بدأت تتهاوى. ومع ذلك، لم يعد التراجع ممكناً.
واصل التحرك مع رفاقه وسط حصار يضيق يوماً بعد يوم. كانت المؤونة قليلة، والتنقل أكثر صعوبة مما تصوروا. وفي بعض المناطق صار مجرد العثور على مأوى آمن أمراً بالغ التعقيد.
وفي إحدى المواجهات العنيفة أصيب محمود بجروح خطيرة. كانت القوات المسلحة قد أحكمت الطوق حول المكان، بينما كانت المروحيات تمشط المنطقة. قاوم هو ورفاقه لساعات، لكن الفارق في العدد والعدة كان كبيراً.
سقط محمود متأثراً بجراحه في الأيام الأولى من الأحداث، لتنتهي رحلته وهو في منتصف عقده الثالث من عمره.
غير أن المأساة لم تنته عند هذا الحد.
نُقل جثمانه بعيداً عن أسرته ورفاقه، ودُفن في مكان لم يكن أحد يعرفه. مرت السنوات، ثم العقود، وظلت عائلته تبحث عن أي أثر يدل عليه. كان أفرادها يسألون هنا وهناك، ويتمسكون بكل رواية أو إشاعة قد تقود إلى خيط جديد، لكن دون جدوى.
ومع مرور الوقت خفت صوت البنادق، وتغيرت البلاد. بعض رفاق الأمس غادروا مواقع المعارضة إلى مواقع أخرى داخل مؤسسات الدولة، وآخرون اختاروا الصمت أو الابتعاد. أما محمود فبقي اسماً يتردد كلما عادت الذاكرة إلى تلك الأحداث.
بعد عقود، وفي إطار أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة، قادت لجنة المتابعة تحقيقات طويلة بين الوثائق القديمة وشهادات الناجين والعاملين السابقين بالمستشفيات والمقابر. لم يكن الوصول إلى الحقيقة سهلاً. احتاج الأمر إلى مقارنة شهادات متفرقة، والعودة إلى سجلات قديمة، وتتبع تفاصيل صغيرة بدت في البداية بلا أهمية.
وبعد بحث شاق، تم تحديد مكان دفن محمود وأحد رفاقه في مقبرة بالجنوب الشرقي، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر قصص الاختفاء إيلاماً في ذاكرة تلك الأحداث.
أما الثورة التي حمل محمود ورفاقه حلمها إلى الجبال، فقد انتهت قبل أن تبدأ فعلياً. سقط بعض المشاركين في المواجهات، وفر آخرون، واعتُقل العشرات. وبعد أشهر من المحاكمات، صدرت أحكام قاسية، كان بينها أحكام بالإعدام نُفذت في عدد من المناضلين صبيحة عيد الأضحى.
كانت تلك المحاولة آخر عمل مسلح كبير استهدف إسقاط النظام.
وبقي محمود واحداً من وجوهها الأكثر حضوراً في الذاكرة. لم يكن بطلاً أسطورياً كما تصوره بعض الروايات، ولا مجرد مغامر سياسي كما وصفه خصومه. كان واحداً من أبناء جيل آمن بإمكانية تغيير الواقع على طريقته، ودفع ثمن ذلك كاملاً. وحين عُثر على قبره بعد سنوات طويلة، بدا الأمر وكأن الذاكرة الوطنية كانت تستعيد اسماً غاب أكثر مما ينبغي..
م.إسماعيلي
2926\06\07



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *