جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الأيقونة... يوم وقف الجسد وحيداً في وجه العاصفة* م.إسماعيلي

ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني
حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-09-
الأيقونة... يوم وقف الجسد وحيداً في وجه العاصفة
في صباح ذلك اليوم المعلوم، لم يكن الأيقونة يتوقع أن يتحول مقر الحزب في العاصمة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين رفاق الأمس.
كان الخلاف قد بلغ مداه. سنوات طويلة من النقاشات الحادة والصراعات التنظيمية والتجاذبات السياسية دفعت الأمور نحو لحظة فاصلة. لم يعد الأمر يتعلق بوجهات نظر مختلفة داخل حزب واحد، بل برؤيتين متناقضتين لمستقبل اليسار كله.
وصل مبكراً كعادته. كان المقر لا يزال شبه فارغ. تبادل التحية مع بعض الرفاق الذين سبقوه، واحتسى على عجل كوب قهوة في المقهى المقابل قبل أن يبدأ توافد القادمين من المدن الأخرى. بعضهم قضى الليل في الحافلات، وبعضهم استدان ثمن السفر ليحضر اجتماعاً اعتقد أنه سيكون فرصة أخيرة للدفاع عن ما يعتبره الشرعية الحزبية.
لكن الأبواب كانت مغلقة. عندها فقط بدأ يدرك أن الأمر تجاوز خلافاً تنظيمياً عادياً.
وخلفها كانت ترتسم صورة أخرى للمشهد.
رجال يحملون العصي، وجوه متجهمة، وقرار غير معلن بمنع المعارضين من الدخول.
وقف الأيقونة وسط رفاقه محاولاً تهدئة النفوس. لم يكن من الذين يفضلون الصراخ. فقد تعود، بحكم مهنته كمحامٍ، أن يبحث أولاً عن الكلمات قبل أن يلجأ الآخرون إلى الأيدي.
غير أن الأحداث كانت تتجه بسرعة نحو مكان آخر.
بدأ التدافع. ثم حضرت قوات الأمن. وفي دقائق قليلة تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة جسدية حقيقية.
كان رجال الأمن يبحثون عنه بالاسم.
يعرفونه جيداً. لم يكن وجهاً مجهولاً بالنسبة إليهم. فقد اعتادوا رؤيته في المحاكم مدافعاً عن المعتقلين السياسيين، كما اعتاد هو أن يراهم في الملفات والقضايا التي كان يتولاها.
وسط الفوضى أمسكوا به.
حاول في البداية أن يفهم ما يجري. كان يردد أنه محام وأن من حقه معرفة سبب توقيفه. لكن الكلمات ضاعت وسط الصراخ والتدافع، وسرعان ما انهالت الضربات من كل اتجاه. سقطت نظارته وتكسرت تحت أرجل قوات التدخل السريع.
مسؤولون أمنيون كبار كانوا حاضرين في المكان. تعرض للتعنيف أمام الجميع. وحين أُدخل إلى سيارة الشرطة لم ينته الأمر. فقد استمر الضرب حتى سال الدم من رأسه واضطروا في النهاية إلى نقله إلى المستشفى قبل استكمال إجراءات اعتقاله.
لكن ما بقي عالقاً في ذاكرته لم يكن الألم الجسدي.
كان شيئاً آخر.
كان شعور المناضل الذي يكتشف أن معركته لم تعد فقط مع السلطة، بل أصبحت أيضاً مع جزء من رفاق الطريق.
في مخافر الشرطة بدأت جولة جديدة.
محاضر جاهزة تقريباً.
اتهامات بالتحريض والعنف.
وروايات لا تشبه ما جرى على الأرض.
كان المحققون يريدون توقيعاً. مجرد توقيع ورقة في أسفل محضر.
لكن الأيقونة ظل يرفض.
في تلك الساعات تذكر حكاية قديمة رواها له الشهيد المغتال عن التعذيب والتحقيقات... وتذكر كلماته التي طالما رددها : "يقتلونی ظلما وما يقتلونيش بالتوقيع".
وتذكر نصائح قديمة كان يسمعها من رفاق سبقوه إلى السجون والمحاكم: لا توقع على ما لم تقله، ولا تمنح خصومك ما يبحثون عنه بأيديهم.
لذلك رفض التوقيع.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم عشرات المرات.
وحين عجزوا عن انتزاع توقيعه، أضيف إلى الملف رغم رفضه.
صدر الحكم.
ثلاث سنوات سجناً نافذاً.
دخل السجن كما دخل إليه كثير من أبناء جيله: مرفوع الرأس، مثقلاً بالأسئلة، ومقتنعاً بأن الحرية ليست شعاراً يرفع في الخطب، بل ثمن يُدفع أحياناً من العمر نفسه.
داخل الزنزانة لم يتوقف عن التفكير في الوطن الذي حلم به منذ شبابه البعيد في مدارس الحركة الوطنية، ومنذ سنواته في دمشق والقاهرة، ومنذ انحيازه المبكر إلى صف الشيخ والشهيد.
كان يدرك أن الهزائم السياسية عابرة. أما خسارة المبادئ فهي الهزيمة الحقيقية.
مرت السنوات. خرج من السجن. وتغيرت أشياء كثيرة في البلاد. اختفت أسماء. وصعدت أسماء أخرى. لكن الأيقونة ظل في مكانه تقريباً.
المحامي نفسه.
المدافع نفسه.
الرجل الذي كان مستعداً للدفاع عن خصومه الفكريين كما يدافع عن رفاقه.
دافع عن الإسلاميين حين تعرضوا للملاحقات وعن اليساريين وعن الصحافيين والنقابيين والمعتقلين السياسيين.
كان يعتبر أن الحقوق لا تتجزأ، وأن قيمة الحرية تُقاس بمدى استعدادك للدفاع عنها حين تكون من نصيب الآخرين.
وهكذا بقي، في ذاكرة أجيال من المناضلين، واحداً من أولئك الرجال الذين لم تصنعهم المناصب ولا الألقاب.
رجال تشكلوا في زمن السجون والمحاكم والمطاردات.
رجال اختلف الناس حول أفكارهم كثيراً، لكنهم نادراً ما اختلفوا حول نزاهتهم الشخصية.
وفي سجل الثامن من ذلك الشهر من تلك السنة، لم يبقَ الحدث مجرد صراع تنظيمي داخل حزب سياسي.
وبعد سنوات طويلة، سيختلف الناس مرة أخرى حول السياسة، وحول الأحزاب، وحول الخيارات التي اتخذها كل طرف. لكن كثيرين ممن عاشوا ذلك اليوم ظلوا يتذكرون شيئاً واحداً: ذلك المحامي الذي دخل المقر صباحاً للمشاركة في اجتماع حزبي، وانتهى به اليوم بين المستشفى ومخفر الشرطة والسجن، لأنه تمسك بما كان يعتقد أنه حقه وحق رفاقه.
م.إسماعيلي
2026\06\03



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *