جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني - التصور المادي التاريخي للصراع الاجتماعي

 غازي الصوراني - التصور المادي التاريخي للصراع الاجتماعي :

يكاد يجمع مؤرخو الماركسية وشراحها على أن كتابي "بؤس الفلسفة" و "البيان الشيوعي" هما باكورة الماركسية الناضجة . ويكاد يجمع أيضاً بعض المهتمين بدراسة الصراع الاجتماعي على أن هذين الكتابين يحويان بين أفكارهما الإطار الماركسي لدراسة الصراع الطبقي ، فالصراع الطبقي لدى ماركس هو الشكل الأساسي لصراع الإنسان ونضاله ، كما أن الطبقة تحتل لديه مكانة خاصة . فهي ظاهرة أساسية ومقولة سوسيولوجية ، ووحدة لوصف وتحليل علاقات الإنتاج التي تسود مرحلة تاريخية من مراحل تطور المجتمع الإنساني وتغيره.
وفي كتابه "بؤس الفلسفة " عندما أراد ماركس ان يوضح بذور الصراع الطبقي ، قدم مثالاً حول أوضاع العمال بالمملكة المتحدة ( بريطانيا) , وأوضح من خلاله كيف أن الظروف الاقتصادية تؤثر في المصالح وتشكل الطبقات . ففي الظروف السائدة في المجتمع البورجوازي الصناعي – تتحول جماهير الشعب إلى عمال , حيث يخلق لها تجمع رأس المال موقفاً عاماً ومصالح عامة. الأمر الذي ترى من خلاله هذه الجماهير أنها في وضع يناقض رأس المال . وعلى هذا يكون الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية صراع طبقة ضد أخرى . وهو في جوهره صراع سياسي , لان ماركس لا يقول باقصاء الحركة السياسية بعيدا عن الاجتماعية ، فليس ثمة حركة سياسية ولا تكون في نفس الوقت حركة اجتماعية.
وإذا كان "بؤس الفلسفة " قد قدم لنا مثالاً , "فالبيان الشيوعي" يقدم الاستخلاصات العامة حول الصراع الطبقي . ففيه يقرر مؤلفاه : " ماركس وانجلز" ان تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ صراع بين الطبقات . فالحر والعبد , والنبيل والعامي, والسيد والإقطاعي والقن والمعلم والصانع . أي بالاختصار – المضطَهدون والمضطِهدون – كانوا في تعارض مستمر وكانت بينهم حرب مستمرة , تارة ظاهرة وتارة مستترة , حرب كانت تنتهي دائما , أما بانقلاب ثوري يشمل المجتمع بأسره , واما بانهيار الطبقتين المتناقضتين معاً.
وإذا كان هذا القانون العام للصراع الطبقي ، فإن " ماركس وانجلز " حرصاً على ان يقدما الشواهد والأدلة بإعطاء أمثلة سريعة حول تطور المجتمع الإنساني , وأخرى أكثر تفصيلا حول المجتمع البورجوازي الذي نشأ على أنقاض المجتمع الإقطاعي .
وإذا وقفنا أولا على مفهوم الطبقة وبالتالي على قانون الصراع الطبقي ، نجد ماركس يقر ما يلي:" ..بالنسبة الى الآن يعزى إليَّ فضل لا في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع الحديث أو حتى الصراع بينها فقد وصف هذا الوجود المؤرخون البورجوازيين قبلي بمدى طويلة , كما أن هؤلاء المؤرخين وصفوا أيضا التشريح الاقتصادي للطبقات، واما الجديد الذي فعلته فهو البرهنة على :
1. أن وجود الطبقات يرتبط فقط بمراحل تاريخية في تطور الإنتاج .
2. أن الصراع الطبقي – في الرأسمالية – يفضي إلى دكتاتورية البروليتاريا.
3. أن هذه الديكتاتورية نفسها تسعى إلى إلغاء كل الطبقات وإقامة المجتمع اللاطبقي .
أن المحدد الأساسي , أو المتغير الأساسي لنشوء الطبقة هو الملكية . وأما المتغير الوسيط بين المتغيرات الأساسي والمتغير التابع – الطبقة – فهو تقسيم العمل . وبعبارة أخرى فإن النقطتين الموضوعتين لتحديد نشأة الطبقة هما : الملكية وتقسيم العمل .
ويذهب ماركس إلى تأكيد ذلك بإشارته :" دعني الخص لك انه كلما نما الإنتاج الرأسمالي نما تقسيم العمل واتسع استخدام الآلات وكلما اتسع تقسيم العمل واستخدام الآلات اتسعت المنافسة بين العمال واتجهت أجورهم نحو الانكماش " وتلك أول الظروف الموضوعية لنشأة طبقة العمال , ويجب ملاحظة أن إشارة " ماركس " هذه لا تعني أنهما المحددان ( الملكية " الإنتاج " , وتقسيم العمل)- الوحيدان , لان هناك متغيرات أخرى تسهم في تكوين الطبقة , فالذي يجعل العمال بالأجر والرأسماليين وملاك الأرض يكونون ثلاث طبقات اجتماعية , هو الأجر الربح والريع , هذا بالإضافة إلى أن معرفتهم (الطبقات ) بمصالحهم ومصالح الطبقات الأخرى يوضح لهم ما هنالك من تعارض بين هذه المصالح . وبعبارة أخرى فان الذي يحدد الطبقة موقعها من ملكية وسائل الإنتاج . والذي يُكَوِّن الطبقة الأفراد المتصلون بمجرد دخولهم في علاقات مع طبقة أخرى . وغالباً ما يكون هؤلاء الأفراد في علاقة خصومة من خلال المنافسة , غير أنهم عن طريق المصالح المشتركة والوعي والصراع مع الطبقات الأخرى , يطورون طبقتهم , ويصبح لهذه الطبقة وجود مستقل أكبر من مجموع أفراده .
وعلى هذا فالطبقة لدى "ماركس " كما يشير " لينين" جماعات من الناس يمكن لأحدها أن تستغل عمل الأخرى نظراً للمواقع المختلفة التي تحلها كل منها في نظام محدد من الاقتصاد الاجتماعي. واتساقا مع تصور الطبقة هذا , من جانب ,ومع انطلاق "ماركس" من ظروف الإنتاج الاجتماعي- الأساس الاقتصادي – من جانب أخر , يري ان اصطلاحات الريع Rent والمصلحة Interest والربح Profit ليست بعد سوى مسميات لجوانب ثلاثة من فائض القيمة الذي يشير إلى ذلك الجزء من القيمة الكلية للسلعة , الذي يتحقق من خلال فائض العمل أو من الأجر غير المدفوع المتضمن فيها . وهذه الجوانب الثلاثة تشتق بالتساوي من هذا الفائض , ومنه وحده .
وأما فيما يتعلق بتفسير " ماركس " للصراع الطبقي , فهو تفسير يرتبط بنظريته العامة ومفهومه المادي ان لم يكن في قلب هذه النظرية وفي بؤرة هذا المفهوم . وإذا أردنا توضيح ذلك لا نجد أدق من تلخيص " ماركس " نفسه لمفهومه وتفسيره حيث كتب يقول : " ان النتيجة العامة التي توصلت إليها، يمكن ضوغها باختصار كالأتي : يدخل الناس عن طريق الإنتاج الاجتماعي لحياتهم في علاقات إنتاج محددة , لا غنى عنها وتكون مستقلة عن إرادتهم . وهي علاقات تواكب المرحلة المحددة لتطور إنتاجهم المادي . ويتكون البناء الاقتصادي للمجتمع من جماع هذه العلاقات . وهو بناء يعد أساسا حقيقا يظهر وفقا له البناء الفوقي , القانوني والسياسي الذي تصاحبه أشكال محددة للوعي الاجتماعي .
فأسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد وبصفة عامة مسار Process الحياة الاجتماعية والسياسية فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم , بل على العكس , فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم . وتدخل القوى المادية للمجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطورها , في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة ,أو مع علاقات الملكية التي تعمل من خلالها . ومن خلال أشكال تطور القوى المنتجة تتغلب هذه العلاقات على قيودها ومن ثم تبدأ مرحلة الثورة الاجتماعية .
وهذا يعني أن العلاقات الاجتماعية التي ينتج من خلالها الأفراد العلاقات الاجتماعية للإنتاج ، تتغير وتتطور بتغير وتطور وسائل الإنتاج المادي ،والقوى المنتجة .وتقيم علاقات الإنتاج هذه في مجملها ما يسمي بالعلاقات الاجتماعية وما يسمي بالمجتمع ، وخاصة بالمجتمع في مرحلة محددة من مراحل تطوره التاريخي .
ولكي يوضح الكيفية التي قادته بها هذه الفكرة في دراسة الصراع وتفسيره وكيف تنسق هذه العبارات والقضايا المجردة مع دراسة ظاهرة واقعية محسوسة من جانب وكيف يمكن اختبار قدرة تصوره العام للصراع على دراسة أي مظهر من مظاهر هذا الصراع في المجتمع من جانب آخر , حاول ماركس أن يفي بكل هذا بدراسته للصراعات الطبقية في فرنسا بين عامي 1848- 1850 , والتي لم يقدم فيها أمثلة من التاريخ والماضي بل اراد ان يدرس جزءا من التاريخ المعاصر له .
وباختصار فقد تتبع " ماركس الأحداث والتطورات الاقتصادية عشية الثورة وإبانها , حيث كان الحكم , ووسائل الإنتاج في أيدي ارستقراطية المال التي اعتلت العرش , وصاغت بناء فوقيا يخدم مصالحها , فأملت القوانين على المجالس النيابية , ووزعت الأدوار السياسية بين أعضائها . وجاهدت هذه الارستقراطية في سبيل زيادة ثرائها باستغلال ثروات الآخرين. واستغلت الوضع الاقتصادي للدولة المستقلة بالديون , ولم لم تحقق تراكم الثروة هذا, وبهذا السبيل , فما هي أهمية الحكم وما أهمية البقاء في السلطة السياسة ان لم تكن وسيلة نحو مزيد من الغنى والثراء.
المادية التاريخية والتراث السوسيولوجي :
وبناء على ما سبق , فإنه إذا كان قد ترتب على اهتمام ماركس بالصراع , ودن أن يقصد هو ذلك إهمال دراسته فيما بعد , سواء في المجتمعات الاشتراكية او الرأسمالية , لدواعي أيديولوجية . فإن تأثيره في علم الاجتماع , يفصح عن نفسه من خلال تحليل تراث هذا العلم ومقارنة المحاور الأساسية في المادية التاريخية بما سبقها من جهود وأفكار سوسيولوجية , وما ألْحَقَ بها من محاولات للتنظير داخل إطار النظرية السوسيولوجية العامة .
ففيما يتعلق بإسهامه في استقلال علم الاجتماع مثلا يمكن لنا ان نصوغ قضية نظرية , ثم نحاول مناقشتها , وهي قضية تذهب إلى : أنه إذا كان علم الاجتماع قد ولد على يد العلامة العربي ابن خلدون وَعُمِّد على يد " اوجيست كونت " فقد وصل إلى البلوغ على يد "كارل ماركس ".
وإذا كانت بعض النظريات خاصة وضعية "كونت " نظرت إلى الإنسان على انه "كم " ليس من حقه إحداث التغيير , فماركس يبرز وبوضوح أهمية الإنسان , وقدرته الخلاقة , فقد عده أولا: جزءاً من الطبيعة نتيجة لتطوره , ومن ثم فهو يخضع في تطوره لقوانين عامة للتطور. وعده ثانياً جزءاً من المجتمع ونتاجاً لتطوره , ومن ثم فهو يخضع في تطوره للقوانين النسبية للنمو . وعده ثالثاً نتاجاً للخلق الذاتي , بمعنى أن الإنسان صانع التاريخ , إذ يغير ويخلق ظروف وجوده ,كإنسان اجتماعي , مشروط بشروط الطبيعة والمجتمع .
خلاصة :
يوجز د.عبد الباسط عبد المعطي أهم أبعاد الصراع لدى ماركس فيما يلي :
أولاً : الصراع يعد أساس من أبعاد المجتمع الإنساني , فتاريخ الإنسان سجل لصراعه .
ثانياً : تعد الطبقة مفهوماً محورياً في دراسة الصراع الطبقي , فهي وحدة للوصف والتحليل, لان الشكل الأساسي للصراع الاجتماعي هو الصراع الطبقي .
ثالثاً : تتحدد الطبقات عن طريق المواضع التي تحتلها كل جماعة من ملكية قوى الإنتاج ووسائله , ويسهم في تكوينها الوعي الذي يعتمد على الوجود، والصراع الذي يسهم في نضوج المصالح وبلورتها .
رابعاً : يفسر الصراع تفسيراً بنائياً فهو يرتبط بقطاعي البناء : الأساس أو البناء التحتي والبناء الفوقي , فالأول يحدد مصدر الصراع بالتناقضات بين العلاقات الاجتماعية التي تحددها علاقات الإنتاج , والثاني يكسبه طابعاً سياسياً هو بالضرورة اجتماعي.
خامسا : تنحصر أهم مظاهر وجود الصراع أو المؤشرات التي تشير إليه , في تناقض المصالح بين أطراف الصراع , ووعي كل طرف بمصالحه ومصالح الطرف الآخر.
سادساً: يشير مفهوم الصراع إلى وجود نضال بين طرفين على الأقل – طبقتين لكل منهما مصالح يسعي إلى تحقيقها , وهذا التدقيق يفسر بمصالح الطرف الآخر. فمصالح العمال في مزيد من الأجر يعني خسارة أصحاب رؤوس الأموال من الربح .
سابعاً : نظراً لان البناء التحتي أو الأساس يؤثر في البناء الفوقي , فمن يملك قوى الإنتاج بنصيب أكبر , تتاح له فرص ووسائل أكبر وأكثر فاعلية في صراعه مع غيره .
ثامناً : هناك تساند متبادل بين الوعي الاجتماعي والصراع , فالأول يبلور الثاني , الذي يساعد بدوره على انضاج الوعي.
تاسعاً : تتركز الوظيفة الأساسية للصراع في تغيير المجتمع وإحلال تكوين اجتماعي – اقتصادي محل آخر . فالصراع في جوهره نتيجة للتراكم الكمي للتناقضات الاجتماعية داخل البناء الاجتماعي .تلك هي أهم أبعاد التصور الماركسي للصراع .
المصدر :كتاب في النظرية المعاصرة لعلم الاجتماع – أ.د عبد الباسط عبد المعطي و د. عادل مختار الهواري)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *