جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

* قراءة جيوسياسية في الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العدوانية على إيران في ميزان التحرر الوطني والانتصار للفعل المقاوم...عمران حاضري

 * قراءة جيوسياسية في الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العدوانية على إيران في ميزان التحرر الوطني والانتصار للفعل المقاوم...عمران حاضري

في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقرأ الأحداث بعين الإعلام العابر ولا بمنظار الاصطفافات الأيديولوجية الضيقة، بل بمنهج يضع موازين القوى المادية والاقتصادية والعسكرية في مركز التحليل... ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق يخرج من رحم مواجهة مباشرة و غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن فصله عن السياق التاريخي للصراع بين مشروع الهيمنة الص-هي-و /إمبريالية ومشاريع الاستقلال الوطني التي تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى فك الارتباط مع منظومة التبعية العالمية...
لقد جاءت الحرب العدوانية على إيران في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع أزمة الهيمنة الأمريكية و شريكها الوظيفي مع صعود قوى دولية جديدة أساساً الصين و روسيا ، وتتعاظم فيها التحديات الاقتصادية التي تواجه الرأسمالية الغربية عموماً والولايات المتحدة خصوصاً التي تعاني من أزمة بنيوية عميقة... فالحرب لم تكن مجرد رد فعل على ملف نووي أو على نفوذ إقليمي، بل كانت جزءاً من محاولة إعادة تشكيل موازين القوة في غرب آسيا بما يضمن استمرار السيطرة على أهم الممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة ومسالك التجارة العالمية...
ومن منظور الاقتصاد السياسي، تمثل الممرات المائية في الخليج العربي وبحر عمان وباب المندب والبحر الأحمر شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، وبالتالي للاقتصاد الأمريكي نفسه...! فالرأسمالية المعولمة لا تعيش فقط على الإنتاج، بل على التحكم في تدفقات الطاقة والسلع ورؤوس الأموال و نهب الثروات... لذلك فإن أي قوة قادرة على التأثير في هذه الممرات أو تهديد استقرارها تتحول إلى عامل مؤثر في معادلات القوة الدولية...! ولهذا السبب بالذات أصبحت إيران، بما تمتلكه من موقع جغرافي و عمق استراتيجي وقدرات عسكرية وشبكة تحالفات إقليمية، عقبة أمام مشاريع الهيمنة المطلقة التي سعت الولايات المتحدة الأمريكية و شريكها الوظيفي إلى تكريسها لعقود...!
في هذا السياق، لا يمكن فهم العدوان بعيداً عن الأهداف الص-هي-ون-ية بعيدة المدى. فالك-يان لا ينظر إلى إيران باعتبارها مجرد خصم سياسي، بل باعتبارها القوة الإقليمية الرئيسية التي ما زالت ترفض الاندماج الكامل في النظام الإقليمي الذي يسعى هذا الك-يان إلى بنائه تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد"...!
وهو مشروع يقوم على تصفية الق+ض+ية الفل+س+ط+ينية، و المق+اwمة بصفة عامة وإعادة هندسة المنطقة سياسياً وأمنياً و عسكرياً واقتصادياً بما يضمن تفوق الك-يان الدائم وتحويله إلى مركز إقليمي مهيمن...!
لكن ما كشفته الحرب هو أن موازين الواقع أكثر تعقيداً من مخططات غرف العمليات... فرغم "التفوق النسبي العسكري والتكنولوجي الأمريكي و الص-هي-وني ، أظهرت إيران قدرة كبيرة على الصمود و التخطيط و الاستمرار...
ولم يكن هذا الصمود مجرد نتيجة لقدرات عسكرية أو صاروخية، بل كان تعبيراً عن تماسك بنية الدولة وقدرتها على إدارة المواجهة تحت الضغط، وعن وجود قاعدة اجتماعية و شعبية واسعة رأت في العدوان استهدافاً للبلاد بأكملها لا للنظام بحد ذاته...!
* ومن المهم هنا التمييز بين الموقف من النظام الإيراني وبين الموقف من العدوان الخارجي. فمن منظور وطني وتحرري، يمكن أن تكون هناك انتقادات و خلافات جوهرية مع السياسات الداخلية الإيرانية و طبيعة النظام وتناقضاته، لكن ذلك لا يبرر الوقوف في المنطقة الرمادية عندما تتعرض البلاد و عموم الشعب لمحاولة "إخضاع" أو 'تفكيك" من قبل قوة إمبريالية خارجية... وهذه مسألة طالما أخفق بعض العلمانيين وبعض أطياف اليسار في فهمها، حين عجزوا عن ترتيب التناقضات بصورة جدلية، فساووا بين التناقض الرئيسي المتمثل في العدوان الإمبريالي وبين التناقضات الداخلية التي تبقى، مهما بلغت حدتها، شأناً يخص الشعب الإيراني ونضاله الداخلي ، مسنودا بقواه المنتصرة إلى تطلعاته في الحرية و العدالة و المساواة...!
* إن أحد أهم دروس التجربة الإيرانية يتمثل في قدرة المجتمع على تأجيل التناقضات الثانوية عندما يصبح الخطر الخارجي وجودياً. ففي لحظات المواجهة الكبرى تتقدم فكرة الوطن والسيادة والاستقلال على الخلافات السياسية والاجتماعية الأخرى...
وهذا ما منح إيران قدرة إضافية على الصمود، وافشال الرهان الص-هي-و/أمريكي على انفجار داخلي شامل يؤدي إلى إسقاط النظام أو تفكيك الدولة من الداخل...!
* لقد راهنت الإمبريالية الأمريكية ، كما فعلت في تجارب أخرى، على أن الحصار الاقتصادي والعقوبات الطويلة المدى والضغوط العسكرية سوف تؤدي في النهاية إلى الانهيار...! غير أن ما حدث كشف حدود القوة الأمريكية نفسها...! فالحروب الطويلة تستنزف الموارد، وتضغط على المخزونات العسكرية والاستراتيجية، وتكشف التناقض بين الطموحات الإمبراطورية والإمكانات الواقعية... كما أن اتساع جبهات التوتر الدولية جعل من الصعب على الولايات المتحدة خوض مواجهات مفتوحة بلا سقف زمني أو مادي...!
* وفي المقابل، نجحت إيران خلال العقود الماضية في بناء عناصر قوة لا يمكن اختزالها في البعد العسكري فقط...! فالحصار الذي كان يُراد له أن يكون أداة خنق، تحول جزئياً إلى حافز لتطوير قدرات محلية في الصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي و الاكتفاء الذاتي في عدة مجالات حيوية... ورغم كل الصعوبات والاختلالات، استطاعت إيران أن تراكم خبرات مهمة في مجالات التعليم والهندسة والتقنيات المتقدمة والتصنيع العسكري والمدني، وأن تخلق درجة من الاعتماد على الذات قلّ نظيرها في المنطقة العربية...!
* وهنا تبرز مفارقة لافتة، فبينما اختزلت بعض "النخب العربية" مفهوم الحداثة في شعارات ثقافية أيديولوجية شكلانية خاوية من المضامين التحررية و مجريات الصراع على الميدان ، كانت إيران، بكل ما يحيط بتجربتها من نقاشات وانتقادات، تستثمر في الجامعات ومراكز البحث والصناعة الوطنية والتكنولوجيا...
* وبهذا المعنى، فإن معيار الحداثة لا يقاس فقط بمستوى الخطاب العلماني أو الليبرالي، بل أيضاً بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة وبناء السيادة الاقتصادية والعلمية وتطوير أدوات القوة الذاتية...!
إن استقلالية القرار الإيراني، حتى وإن كانت نسبية ، تمثل بدورها عاملاً أساسياً في تفسير الصمود...!
فإيران ليست دولة تابعة للمراكز الإمبريالية، وليست اقتصاداً ملحقاً عضوياً بالمصالح الغربية كما هو حال الكيانات العربية ...! وهي لذلك تمتلك هامشاً من الاستقلال يسمح لها باتخاذ قرارات تتعارض مع إرادة القوى المهيمنة، حتى وإن دفعت مقابل ذلك أثماناً باهظة من العقوبات والحصار والضغوط...
* ومن هذا المنظور، فإن أي اتفاق يخرج من معمعان الحرب او بعدها و يكرّس عملياً عجز الولايات المتحدة عن إسقاط النظام أو فرض الاستسلام ، ويعترف ضمناً بضرورة التعامل مع إيران كقوة عيانية قائمة لا يمكن تجاوزها، يُعدّ مكسباً سياسياً للشعب الإيراني وللقوى الرافضة للهيمنة... وليس لأن النظام الإيراني معصوم من النقد أو لأن تجربته خالية من التناقضات، بل لأن معيار الحكم هنا هو معيار الصراع بين الاستقلال والتبعية، وبين السيادة الوطنية والإخضاع الص-هي-و/إمبريالي...!
* وإذا تحولت بنود الاتفاق فعلاً إلى واقع ملموس يلزم بإيقاف العدوان في كافة الجبهات و يحفظ لإيران حقها في بسط سيادتها على مضيق هرمز و حقها في التطور العلمي والتكنولوجي ويحد من منطق الإملاءات والابتزاز، فإن ذلك يشكل انتصاراً سياسياً ومعنوياً يتجاوز حدود إيران نفسها... فهو يوجه رسالة إلى شعوب المنطقة بأن المقاومة والصمود وتطوير عناصر القوة الذاتية يمكن أن تفرض على القوى الهيمنية الكبرى إعادة الحسابات، وأن الإرادة الوطنية حين تقترن بالقدرة المادية و العلمية، ليست مجرد شعار بل عامل مؤثر في صناعة التاريخ...!
* إن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز، إن تأكدت نتائجه على الأرض، تكمن في كونه يفتح نافذة أمل للنهوض أمام مشروع التحرر العربي الذي تعرض خلال عقود طويلة لسلسلة من الانتكاسات والهزائم و العجز التراكمي...! فهو يعيد الاعتبار لفكرة الاستقلال الوطني و فك الارتباط مع التبعية، ويؤكد أن مواجهة المشاريع التصفوية ليست قدراً مستحيلاً، وأن مخططات التوسع الص-هي-وني وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية "الشرق الأوسط الجديد" ليست قدراً نهائياً لا يُرد ولا يصد ...!
* وفي المحصلة، فإن القراءة الجدلية لا تنطلق من تمجيد الدول أو الأنظمة، بل من تحليل موقعها داخل شبكة الصراع العالمي و موازين القوى ... ومن هذه الزاوية، تبدو إيران اليوم حالة مركبة فهي دولة تحمل تناقضات داخلية حقيقية، لكنها في الوقت ذاته تمثل إحدى أبرز تجارب فك الارتباط النسبي مع منظومة الهيمنة الإمبريالية... ولذلك فإن الدفاع عن حقها في السيادة ومساندة صمودها في مواجهة العدوان لا يتناقضان مع نقدها، بل يندرجان ضمن أولوية أوسع هي أولوية مقاومة التبعية والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها...!
وهكذا يصبح الاتفاق، بما هو ثمرة لصمود ميداني وسياسي لا لتراجع أو استسلام، محطة جديدة تؤكد حقيقة تاريخية طالما أثبتتها تجارب الشعوب، أن الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن الإرادة الوطنية المنظمة والقادرة على الصمود تستطيع، حتى في مواجهة أعتى الإمبراطوريات، أن تفرض حدود القوة على أصحاب القوة أنفسهم ...!
* بالتالي يمكن القول أن ما كشفت عنه المواجهة الأخيرة ليس انتصار دولة على أخرى بالمعنى التقليدي المبسط ، بل انكشاف حدود القوة الإمبريالية نفسها حين تصطدم بإرادة شعب يرفض الخضوع وببنية دولة نجحت، رغم كل تناقضاتها، في بناء قدر معتبر من الاستقلال الاستراتيجي...!
فالتاريخ لا تصنعه الكيانات التبعية التي تنحر الشعوب و الأوطان على مذبح شهوات الحكم... ولا الحملات الإعلامية و الشعارات الاستهلاكية حول السيادة ، بل تصنعه الوقائع المادية وموازين القوى ... ومن هذه الزاوية، فإن صمود إيران لا يخص الإيرانيين وحدهم، بل يخص كل الشعوب الساعية إلى التحرر من التبعية، وكل القوى التي ما تزال تؤمن بأن الهيمنة ليست قدراً أبدياً...! لذلك فإن القيمة السياسية لهذه اللحظة تتجاوز حدود الاتفاق نفسه، لتتمثل في إعادة الاعتبار إلى فكرة المق+او+مة بوصفها فعلاً تاريخياً منتجاً للوقائع و التغيرات ، وإلى الاستقلال الوطني و فك الارتباط مع التبعية باعتباره شرطاً أولياً لأي مشروع تنموي أو ديمقراطي أو اجتماعي أو حداثي ، حقيقي...!
* فالأمم التي لا تمتلك سيادتها ، لا تمتلك مستقبلها،،، والشعوب الناهضة التي تدافع عن حقها في تقرير مصيرها، مهما تعثرت ومهما دفعت من أثمان باهضة ، تظل أقرب إلى صناعة التاريخ ...!
عمران حاضري
18/6/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *