جدل القوة والمعرفة في رواية «إيميزار: حكاية معدن يسلب الحياة» لحميد مجدي بقلم: عبد الرحمن التمارة
نشرت جريدة العلم (العدد 26291، ليوم الخميس 18 يونيو 2026) في ملحقها الثقافي "العلم الثقافي"، مقالا نقديا للأستاذ الناقد عبد الرحمن التمارة، لروايتي "إيميزار.. حكاية معدن يسلب الحياة"، يسعدني تقاسمه معكم.
جدل القوة والمعرفة في رواية «إيميزار: حكاية معدن يسلب الحياة» لحميد مجدي
بقلم: عبد الرحمن التمارة
1
تستدعي علاقة الأدب بالسوسيولوجيا التفكير في مقولات مترابطة؛ أولاً، مركزية الإنسان في الخطابات المتنوعة، فإذا كانت السوسيولوجيا تولي عناية كبرى للوجود والفعل الإنساني في الكينونة الفردية والانتماء الجماعي، فإن ذلك هو ما يشكل أسّ كل كتابة أدبية ونقدية. بهذا المعنى، فالترابط القوي بين الأدب والسوسيولوجيا يتراءى محققاً في منطلقهما المركزي متجلياً في الحياة الإنسانية. ثانياً، التجسير الخلّاق؛ لأن العلاقة بين الأدب والسوسيولوجيا ترسخ حواراً دائماً بين الحقول المعرفية المختلفة، دون فقدان عناصر تميّز كل مجال في التعبير والبناء، وفي المنطلقات النظرية الموجهة للأديب وللباحث السوسيولوجي. ثالثاً، الهوية المنهجية؛ وأقصد بها تأطير العلاقة بين الأدب والسوسيولوجيا ضمن سياق إبستيمولوجي يحيط لكل مجال معرفي تميزه تعالقه مع مجال آخر. لذا، أمكن الحديث عن مقترحات نقدية كاشفة علاقة الأدب بالمجتمع من زوايا الموضوع والرؤية والخلفية المعرفية والمنهجية؛ شأن تنظيرات جورج لوكاتش وميخائيل باختين ولوسيان غولدمان وبيير زيما .. إلخ. لذلك، أعتقد، جازماً، أن الأدب شديد الاتصال بالوجود والواقع والحياة الاجتماعية بوشائج عديدة، وإن كان الأدب لا «ينسخ» الواقع، ولا يمكنه ذلك، بل يكشف رؤيته وتصوره وتمثله له في عمل أدبي بمحددات بنائية وضوابط نوعية. كأن الأدب والسوسيولوجيا توحدهما «سياسة التفسير»، بما يلائم معرفياً ومنهجياً كل واحد منهما.
تظهر علاقة الأدب بالسوسيولوجيا من جهة انجذابهما له؛ فيصير الأدب أداة استدلال على «صحة» التصوّر المنهجي، ويبدو التعبير الأدبي «حجة» في سياق إقناعي. هنا، أستحضر، انطلاقاً من تجربة قرائية، باحثين بارزين في مجال السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا: دافيد لو بروطون وميشيل مافيزولي. هل لأن الأدب يمتلك تميزاً نوعياً في كشف المجتمع الإنساني، ألم يقل عبد الله العروي: «إذا كتبت الرواية فيمكن لك، بكيفية من الكيفيات، أن توظف جميع المعلومات، وحينئذ تكون لديك، بالضرورة، نظرة موسوعية ليس، فقط، عن المجتمع الذي تنتمي إليه بل ربما عن التاريخ والإنسانية جمعاء»؟
2
يمكن فهم أحداث رواية «إيميزار»، للروائي المغربي حميد مجدي، ضمن سياق اجتماعي فكري كاشف تجاذبات بين قوة شركة مناجم، معززة بقوة أجهزة الدولة المختلفة، وقوة النضال ضد عناصر الشر التي تحدثها القوة الأولى. إن جدل القوة والمعرفة ارتبط برغبة كتابة تاريخ منسي للمكان تمثله قرية تسليت قرب ورزازات بالجنوب الشرقي المغربي، عبر فعل نضالي دال (التنظيم النقابي). كأن الرواية تشخص، عبر عوالمها السردية المتخيّلة، وجوداً إنسانياً مغيباً في التاريخ الرسمي، وتكشف دور الأصوات المقموعة في نقش أفكار وقيم وتواريخ مضادة للسرديات التاريخية المتداولة.
ترتبط أحداث رواية «إيميزار» بقوة الفعل النقابي في مواجهة عماء المؤسسات (منجم إيميزار) وظلمها، بما يلازمها من رسوخ على مبدأ الدفاع عن الحق في حياة كريمة. هكذا، انفتحت الرواية على مقطع سردي، بنفس إخباري، يكشف أوضاعاً وأطرافاً ووقائع وإطارات ومؤسسات: «الإضراب الذي دعت لخوضه في السابع عشر من الشهر، نقابة عمال منجم إيميزار بورزازات، لـمدة أربع وعشرين ساعة قابلة للتمديد، أربك الحسابات وكسر روتين العمل المألوف. وعلى إثره اجتمع المكتب التنفيذي للشركة القابضة مداجيم مالكة المنجم، وقرر عدم السماح به مهما تطلب الأمر» (ص 5).
تظهر العلاقة بين العمال ومسؤولي الشركة، بناءً على المقطع السردي، مبنية على تجاذب الفعل والكبح؛ الأول مؤطر بخطاب يروم تأمين الكرامة في الشغل، والثاني موجّه بهدف المنع. لهذا، فإن قوة العمال المنجميين كامنة في التقرير والتنفيذ، أملاً في التحرر من ثقل سلطة شركة مهيمنة ومسييطرة. كأن الفعل النقابي يرى الحقيقة في الجماعة الفاعلة ووعيها العمالي النضالي القاضي بتجاوز ثقل التسلط، بينما الشركة المنجمية تحمل وعياً استغلالياً انتهاكياً في كل الأزمنة: «مداجيم هي في الأصل شركة فرنسية، تأسست لأجل استخراج وتصدير وتسويق معادن، المنغنيز والكوبالت والنيكل التي تم اكتشافها بكثرة في قرية تسليت قرب ورزازات من قبل الجيل الأول من الجيولوجيين الأجانب، بمساعدة عميل الاستعمار التهامي الكلاوي، الذي يوفر لهم الحماية اللازمة، ضد ضربات المقاومة النشطة في جنوب المغرب المغرب .. كان ذلك منذ العشرينيات من القرن الماضي .. بعد عهد الحماية تحوّلت مداجيم إلى أهم شركة قابضة بالمغرب، في ملكية عائلة العروي، التي تنشط في مجال الإنتاج المعدني والصناعات الهيدرومعدنية، وكانت لها علاقة وطيدة مع الجيش الفرنسي. وخلال الشهرين الماضيين فقط، أبرمت صفقة تجارية يتم بموجبها تزويد معمل ألماني لصناعة السيارات الفاخرة، وآخر فرنسي لصناعة الطائرات الحربية النفاثة، لمدة ثلاثين سنة المقبلة» (ص 9). تتحدد الشركة، إذاً، بقوة استنزافها في كل الأزمنة. لا بناء في الأفق، الاستغلال أسّ مركزي في نشاط الشركة. لهذا، فإن العمال يواجهون امحاءً رمزياً، فيتبدى وجودها النّصي مرتبطاً بالمعاناة المركبة: «العمال المنجميون يقطنون مع عائلاتهم بقرية تسليت، على بعد ميل، أسفل التلة التي تحتضن المستودع الرئيسي للمنجم. تضم عشر دواوير عجاف، أصبحت كذلك، بسبب الاستنزاف المفرط للمياه، وطرح الشركة للنفايات السامة .. كانت تسليت قبل المنجم لا يضاهيها مكان، جميلة ونابضة بالحياة .. إقامة المنجم في هذا المكان بدّل معالم الحياة والأشياء كلها.» (ص 10). بهذا المعنى، تقترب الرواية منكشف تحوّل ارتكاسي للحياة والكينونة، وصار التحقق الوجودي للكائنات الآدمية مقترناً بالمأساة الفعلية والعدم المحتمل. إنه الوضع الذي فرض، لزوماً، تكتلاً في إطار نقابي يضمن الدفاع عن الحقوق المشروعة للعمال المنجميين. لهذا، فتمركز متخيّل الرواية على الفعل النقابي، بعمقه النبيل، يؤكد أن الرؤية النضالية مقترنة بترميز الصراع بين الذات (القائد النقابي أدرار أمزيان) والمؤسسة (شركة مداجيم)؛ صراع يتراءى محققاً في نموذج وجودي بحمولة ميتافيزيقية تجعل أحدهما، بناءً على الرؤية والموقع، يمثل الخير والكرامة النور والحياة بينما الآخر يجسّد الشر والبؤس والظلام والموت.
حولت رواية «إيميزار» وجود وفضاء وعلاقة بين عمال وشركة مناجم إلى مقولات معرفية؛ حيث العمال يترجمون فكراً نضالياً، وفق شروط وعي سياقي، بعدما تجذرت المعاناة وصارت المأساة ثابتة وراسخة. بينما الشركة تكشف فكراً استغلالياً، فتراءت كأنها مؤسسة غرائبية تسيّرها قوى وطنية بروح وفكر كولونيالي فوقي: «الجميع يعرف أن الشركة فوق القانون، وعامل الإقليم متواطئ معها، ويخدم مصالحه فقط. المسؤولون عن البيئة متورطون هم أيضاً في الفساد والرشوة» (ص 35). يظهر أن بشاعة الاستغلال نابعة من امتلاك قوة الردع، ودعمها بقوة أجهزة السلطة وأعوانها. لكن الإيمان بعدالة القضية يدفع للمواجهة، عبر إطارات مهيكلة، إيماناً بأن الإنسان العامل مرتبط بقيم نبيلة عليا يجب حمايتها والحفاظ عليها. لهذا، فالمناضل الحقّ يثور على الظلم، ويصارع محارباً المأساة، وإن تعرض لاضطهاد وتعنيف وتصفية غير مبرّرين: «أخذ الكلام عنهم أيت حما عبد الله الذي يعدّ نائباً لأدرار في المكتب النقابي، وقال وهو يستشيط غضباً: "إخواني .. كما تلاحظون فإن الشركة قد هاج سعارها، وهي تستغل أجهزة الدولة للاعتداء علينا. اعتقلوا اليوم أمام أعيننا رفيقنا أدرار، لأنه لم يخضع لمساوماتهم ودافع عن مصالح العمال وساكنة القرية بنزاهة .. لن نتركه بين أيديهم، سوف نواصل مسيرته مهما حدث. وكما تعلمون، أيضاً، قُتل عامل منجمي قرب معتصمنا"» (ص 80).
تظهر هنا الشركة وحشاً كاسراً، والعمال يدبرون قوة نوعية لمواجهته، والقائد النقابي يطال إشكالياً يحارب التوحش والهيمنة. صمد النقابي المحنّك والذكي، بروح الجبل (أدرار) الراسخ في الأرض، كاشفاً عبث المسؤولين في شركة استعمارية استغلالية. تعرض للاعتقال وتلفيق التّهم والتهّكم ومحاولة القتل والاختطاف والتعذيب القاسي، لكنّه قاوم وبقي مؤمناً بأهمية مواجهة الكذب والتسلط والطغيان والاستغلال والتدمير، لدرجة تجعل رئيس الشركة المنجمية يصرخ: «-عجيب أمرك يا أدرار. حتى وأنت في قبضتنا، وعلى هذه الحال الشّقية التي توجد فيها، وبهذا الضعف، تسعى للفهم .. عرفت أنك تعشق الكتب وحب المعرفة، غير أنّي لم أخلك إلى هذه الدرجة. ولا زلت تتلفظ بكلمات، تعرف أنها تزيد من خنقي عليك، وكرهي الشديد لك، وبما تمثله في الواقع. ولكن، أعترف لك مع ذلك، أني أحترمك بشكل لا أفهمه» (ص 253).
إن قوة المعرفة والإيمان بسلطة التأطير النقابي الجاد والمسؤول تسعف الذات في الاطمئنان لفعلها، ومواجهة خصومها بما يصيّرها أحد أنصارها الرمزيين (أحترمك بشكل لا أفهمه)، وإن نظروا إليها بوصفهم أعدائهم الموضوعيين. إن الثبات على الموقف النضالي البنّاء يمحو الفوارق بين كل «عامل» و«رئيسه»؛ ضمن سياق ناقد للقلق والضياع، وجاذب للطمأنينة والراحة الفكرية والنفسية. لهذا تنتهي الرواية بمنظور رمزي أسّه الترسيخ القيمي، كما تكشف لحظتين: الأولى، تبرز فهماً نوعياً، بعد فترة تعذيب بشع للقائد النقابي أدرار، لبعض القيم الإنسانية النبيلة، وفي مقدمتها الحرية: «الحرية ليست شيئاً آخر غير قناعة وقرار تتخذه بإرادتك .. إنها إحساس عميق بالرضا عن النفس. الحرية أن تصمد وتواجه قدرك بكل شرف. الحرية أن تواجه مخاوفك. الحرية ألا تظلم ولا تقبل الظلم ولا تعيش فقط لنفسك. الحرية ألا تركع لرجاء مهما كان ما يمنحك اياه» (ص 262). الثانية، تحمل المسؤولية الأخلاقية في نقل تجربة النضال إلى فضاء آخر، بعدما تبين وجود مؤامرة من المركز النقابي: «مكث أدرار بورزازات لمدة عشرين يوماً. ولأن حياة عائلته مهددة، ووجوده أصبح يزعج الرفاق والأصدقاء الذين تعبوا من مواصلة الصراع مع الشركة دون غطاء سياسي أو نقابي، وضاقوا ذرعاً بالمشاكل التي تتسبب فيها علاقته المتوترة دائماً مع الدولة، فقد نقل أسرته رفقة صهره إلى مسقط رأس هذا الأخير بدمنات» (ص 290).
لم تبق الرواية مقترنة برصد مسار صراع بين عمال منجميين وشركة، بل انفتحت على التفكير في قضايا قيمية معرفية تخص الذات والهوية والوجود والكينونة والسلطة والتبعية والاستغلال. بهذا المعنى، فإن الرواية ارتبطت بـ«الفعل النقابي» الجاد والمسؤول؛ بمنظور «مضاد» لفكر التواطؤ والارتشاء. بهذا المعنى فرواية «إيميزار» باعتبارها «رواية منجمية» كاشفة مأساة عامل منجم. إنها رواية انتهى بطلها إلى الرحيل، بعدما تعذر عليه مواجهة كل الخصوم. لكن عمقها الرمزي يفضي لترجمة جملة من الأفكار الدالة المقترنة بالفعل النقابي الجاد. كأن متخيّل الرواية يكشف، أولاً، أن النقابي الجاد لا يتعامل مع قضايا العمال بلسان (لغة) الإطراء، ولا يبقى حبيس ألقاب فخمة يوجّهها لتمركز على الذات، وتحكمها رغبة الدخول إلى فضاءات «الترفيه» على عادة القادة والحكام والفئات الثرية. وثانياً، إن الفعل النقابي يمثل ترويضاً للموقف على الثبات، وتفكير مسؤول لمواجهة المتاهات، وإقامة دائمة في منطقة تجاوز الإكراهات وحل المشاكل. كأن كل نقابي حر جدير بهذه الصفة والهويّة، وفق عمق الرواية ومضمونها الرمزي، لا يقايض، ولا يخاف، ولا يستسلم، ولا ينهزم، على الأقل أخلاقياً وقيمياً، ولا يخلف وعداً، ولا يُبتز. وثالثاً، إن المناضل النقابي الجاد يواجه مؤامرات الكلام والفعل، ويجابه دسائس الخصوم والأعداء، ويقف ضد اندفاع الرفاق والأصدقاء، ويتوقع غدر الأقرباء والفرقاء، بمعنى، إنه كائن يناضل ويصارع، ويظل صامداً لا ينكث وعوده. يناور بذكاء متّقد، على أهبة، دائماً، للفعل المؤطر بنظرة استراتيجية، دون إخلال بأدبيات الحوار، ويفهم شروط السياقات عبر تكنيك مرحلي يكشف تدريباً على الاستماع المهذّب، دون انسياب مع الدّبر الخشن الدّال على سوء تدبير وإدراك. ورابعاً، ما أمكن لـ«أدرار» في معركة نضالية أن يتحقق عبر ثقافة الانبطاح، بل متوجّات الدّصر تقتضي قدراً من المعرفة والقيم الفكرية والأخلاقية النبيلة. من هنا، فالمناضل الحقّ قد يواجه، في وجوده وحواراته التفاوضية حول مطالب مشروعة، كمائن مُحكمة من الغدر، لكنّه، احتراماً لأخلاقيات الحوار، يتجرع شرارة نار عاصفة، بهدوئه وثباته وصموده كي لا يخذل الإطار، بوصفه معبّراً عن جماعة، ويساهم في انكسارات يتعذر جبرها.
تتبدى أحداث رواية «إيميزار» لحميد مجدي مقترنة بحكايتين: حكاية نضال جماعي يقوده مناضل فذّ أدرار، وحكاية شركة تدير منجماً بعقلية استعمارية أسّها استغلال واستنزاف ممنهج. بهذا المعنى، فمتخيّل الرواية ينبني على جعل المعرفة والقوة؛ لأن كل مناضل مثقف ومصادق لا محالة ينتصر قيمياً وأخلاقياً، وإن خسر المعارك وعانى من اضطهاد ذاته؛ بل إنّه بصدقه النضالي يؤسّس لوعي التمرّد المفضي للتحرّر؛ لأن «من يتمرّد يتحرّر، ومن يتحرّر يؤسّس لزمن جديد» . أمن حميد مجدي، وفق متخيّل الرواية، بفكرة الكمال النقابي والنضالي، عبر رؤية لا تخلو من روح نيتشوية وأفق طوباوي، التي تبين أن تطور المجتمعات رهين بمواجهة قواها الناهية غير الوطنية، والمجردة من أيّ نزعة إنسانية أو أخلاقية. لهذا، فالمناضل النقابي أدرار، ربما الذي لم يعد له وجود في الواقع الفعلي، يكشف إنساناً بارادة قوية وصلبة، برسالة رسولية واجه كل الإكراهات والإغراءات والخروقات والانتهاكات. بهذا المعنى، فالرواية تبني نضالاً ممكناً؛ لأن المناضل الذي فاته أن يغيّر واقعاً قادر أن يرسم صورة مثالية أسّها النزاهة والمسؤولية والجدية. ذلك يفكك نسق السلطة ويدمره، ويفضح بنيتها القمعية، وإن دفع ثمن معارضتها اعتقالات تعسفية وتهم مفبركة، وتعذيب مدمّر للذات جسدياً ونفسياً. لهذا، فرحيل المناضل أدرار، في نهاية الرواية، عن قريته يؤشر رمزياً على الانتصار الميتافيزيقي للسلطة في التنظيم (النقابة) والفضاء (القرية)، وعلى تعديل في موقع المواجهة لا التخلي عنها؛ خاصة بعد شيطنة المناضل النقابي، وتصويره عدواً تجب محاربته. ذلك ما واجهه المناضل النقابي، وعمل على تدميره واختراقه بوعي يملؤه الرفض والتحدّي؛ على اعتبار «أن الوعي عموماً هو رفض. والحال، ما الرفض إن لم مقاومة ما هو كائن».
هوامش:
قدمت هذه الدراسة في محور مخصص لقراءة وتوقيع رواية «إيميزار: حكاية معدن يسلب الحياة» للأستاذ حميد مجدي، ضمن محاور ندوة وطنية حول «الأدب والسوسيولوجيا: التجسير والرهانات وآفاق البحث» يوم السبت 25 أبريل 2026، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، أكادير.
محمد الداهي، عبد الله العروي: من التاريخ إلى الحب، حوار، منشورات الفنك، الدار البيضاء، ط1، 1996، ص 27.
حميد مجدي، إيميزار: حكاية معدن يسلب الحياة، رواية، تينيل أنفو، قلعة السراغنة، ط1، 2025. وأرقام الصفحات داخل المقال التي لا تحيل على الهامش هي صفحات الرواية.
أمكن استحضار نماذج منها في التجارب الروائية، على سبيل التمثيل: رواية «جيرمينال» إميل زولا، ترتبط بعمال المناجم بفرنسا في النصف الثاني من القرن 19، ورواية «الجبال لا تسقط» للأديبة المغربية سعدية سلايلي أحداثها مستوحاة من نضال عمال جبل عوام بخنيفرة. كما يمكننا أن نفكر في كتاب كاشف استغلال العمال لأغراض إمبريالية: «نحن نأكل المناجم والمناجم تأكلنا» جون ناش، بناءً على أشار إليه إدوارد سعيد في كتابه: تأملات حول المنفى 2، ترجمة: محمد عصفور، دار الآداب، بيروت، ط1، 2020، ص 222.
فيصل دراج، رواية التقدم واغتراب المستقبل: تحولات الرؤية في الرواية العربية، دار الآداب، بيروت، ط1، 2010، ص 77.
جاك دريدا، أن تفكر: أن تقول لا، ترجمة: جلال بدلة، دار الساقي، بيروت، ط1، 2023، ص 32.
(جريدة دراسات - الخميس 18 من يونيو 2026 - الصفحة 8 والصفحة 9)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق