* قراءة جدلية تحررية فيما يطلق عليها بعض علماء الاقتصاد و الاجتماع ب "الرأسمالية الخوارزمية" أو " الرأسمالية الرقمية" :عمران حاضري
* قراءة جدلية تحررية فيما يطلق عليها بعض علماء الاقتصاد و الاجتماع ب "الرأسمالية الخوارزمية" أو " الرأسمالية الرقمية" :
* هل هي تطور تقني داخل الرأسمالية أم تجاوز لوضعها الإمبريالي؟ !
* إن ما يُسمّى اليوم بـ"الرأسمالية الخوارزمية" لا يمثل، من منظور علمي جدلي ، نمط إنتاج ، جديداً أو مرحلة تاريخية تتجاوز الرأسمالية الإمبريالية، بقدر ما يعبر عن تحول في أدوات وآليات التراكم الرأسمالي داخل الرأسمالية المعاصرة...!
* فالرأسمالية لا تُعرَّف بالخوارزميات أو الذكاء الاصطناعي أو الرقمنة في ذاتها، وإنما بطبيعة علاقات الإنتاج التي تقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والعمل المأجور، وإنتاج السلع والخدمات من أجل السوق والربح وتراكم رأس المال... !
* ومن ثم فإن "الخوارزمية"، مهما بلغت درجة تطورها و تعقيدها، تظل أداة تقنية تعمل داخل بنية اجتماعية واقتصادية محددة، ولا تشكل بحد ذاتها علاقة إنتاج مستقلة كما يتوهم بعض الليبراليين يمينا و يسارا...!
* لقد أحدثت ما تسمى ب "الثورة الرقمية" رغم تحفظي على التسمية خاصةً لما تستبطن سحب البساط من ماهية الثورة الاجتماعية ، تحولاً عميقاً لا يمكن تجاهله، في أشكال تنظيم الإنتاج والتبادل والسيطرة، حيث أصبحت البيانات والبرمجيات والخوارزميات عناصر استراتيجية في عملية التراكم، وأصبحت المنصات الرقمية الكبرى مثل ميكروسوفت و أمازون و فايسبوك و غيرها،،، تمارس أدواراً احتكارية في إدارة الأسواق وتوجيه الاستهلاك وتنظيم العمل ...!
* غير أن هذا التحول لا يلغي إطلاقاً القوانين الأساسية التي كشفها ماركس في نقده للاقتصاد السياسي الرأسمالي ، وعلى رأسها قانون القيمة وفائض القيمة...
* فالآلة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي على أهميتها، لا تنتج قيمة جديدة مستقلة عن العمل الاجتماعي البشري، وإنما تنقل إلى السلع والخدمات قيمتها بوصفها رأس مال ثابتاً، بينما يظل العمل البشري، المباشر وغير المباشر، المصدر الأساسي للقيمة الجديدة وفائض القيمة...!
* ومن هنا فإن الحديث عن "الرأسمالية الخوارزمية" أو " الرقمية" يصبح ذا معنى علمي إذا استُخدم لوصف الكيفية التي يعيد بها رأس المال تنظيم عملية الإنتاج والاستغلال والرقابة في "العصر الرقمي" ، لكنه يفقد دقته و مصداقيته و علميته ، إذا تحول إلى مقولة تزعم "نهاية العمل" أو "اندثار و انحلال الطبقة العاملة" أو "تجاوز الصراع الطبقي"...!
* فالتقدم التقني على أهميته طبعاً، لا يلغي التناقض بين العمل ورأس المال، بل يعيد صياغته في أشكال جديدة؛ إذ تسمح الخوارزميات بزيادة مراقبة العمال، وتكثيف الاستغلال، وتوسيع مجالات العمل الهش، وتجزئة قوة العمل، وتعظيم الأرباح عبر التحكم في المعلومات والأسواق...!
* إن إحدى الأفكار الملغومة ، التي تُطرح أحياناً مع ما يسمى "الثورة الرقمية" هي أن الروبوتات و الاوتوماتيزم "ستسحب البساط من الطبقة العاملة" ، وأن المجتمع يتجه نحو "تجاوز العمل" بوصفه أساساً للتناقض الاجتماعي...!!! غير أن هذا الطرح المتهافت يغفل أن التكنولوجيا لا تعمل خارج العلاقات الاجتماعية، وأن السؤال الجوهري ليس في مدى ذكاء الآلة، بل في من يملكها ومن يتحكم فيها ومن يستحوذ على ثمارها...! *فالمنظومة الرقمية نفسها تستند إلى شبكة عالمية واسعة من العمال، كعمال استخراج المواد الأولية والطاقة، إلى عمال الصناعة والنقل ومراكز البيانات، وصولاً إلى المهندسين والمبرمجين وعمال المنصات...!
* إن تغير شكل العمل لا يعني اختفاءه، بل يعني إعادة تنظيمه وفق حاجات التراكم الرأسمالي...!
وفي هذا السياق، لا تبدو الإمبريالية، باعتبارها أعلى مراحل الرأسمالية، متجاوزة بفعل ما يسمى الثورة الرقمية، بل إن العديد من مظاهر العصر الراهن تشير إلى تعمق خصائصها... !
* فالاحتكار لم يختفِ، بل انتقل أيضاً إلى مجال البيانات والمعرفة والبنى التكنولوجية... والرأسمال المالي والاحتكارات العالمية لم تعد تسيطر فقط على الصناعة والطاقة والمواد الأولية، بل أصبحت تفرض نفوذها على الفضاء الرقمي ومصادر المعلومات والذكاء الاصطناعي...! وهكذا فإن "الرأسمالية الخوارزمية" أو " الرقمية" كما تمت تسميتها و إدراجها في القاموس السياسي من بعض الاقتصاديين و الاجتماعيين الليبراليين، يمكن فهمها باعتبارها أحد أشكال اشتغال الرأسمالية الاحتكارية الإمبريالية في عصر التكنولوجيا، لا باعتبارها مرحلة تلغي قوانينها أو تتجاوزها...!!!
* إن الخطر النظري في بعض القراءات المعاصرة يكمن في التعامل مع التكنولوجيا بانبهار كبير ، يصل إلى حد اعتبارها "قوة مستقلة تصنع التاريخ" بمعزل عن علاقات الملكية والصراع الاجتماعي...! (و هنا على سبيل المثال لا الحصر، يمكن إلى حد ما تلمس هذا الطرح لدى رجل الاقتصاد الذي شغل منصب وزيرا للمالية في حزب سيريزا اليوناني في السنوات الفائتة) ...!!!
*فالتاريخ، من منظور المادية التاريخية، لا تحدده الأدوات التقنية ، بل تحدده العلاقات الاجتماعية التي تنظم إنتاج الثروة وتوزيعها... لذلك فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون ، هل أصبحت الآلة ذكية؟ بل ، من يملك هذه الآلة؟ ومن يوجهها؟ ولصالح أي طبقة اجتماعية تعمل؟
* وعليه، فإن المفاهيم الجديدة مثل "الرأسمالية الرقمية" أو "رأسمالية المنصات" أو "الرأسمالية الخوارزمية" ينبغي إدراجها ضمن تحليل تطور الرأسمالية نفسها، بشرط ألا تتحول إلى بدائل تحاول عبثاً الغاء المفاهيم الأساسية للاقتصاد السياسي الماركسي تحديداً...! فالقيمة، وفائض القيمة، والملكية، والعمل، والسوق، والربح، والاحتكار، تبقى محددات مركزية لفهم النظام الرأسمالي مهما تغيرت أدوات اشتغاله بناءً على المنهج المادي التاريخي في استيعاب التطور التقني داخل شبكة علاقات الإنتاج و الملكية و الصراع الاجتماعي لا بمعزل عنها...!
* ومن هذه الزاوية، فإن ما تسمى ب الثورة الرقمية لا تعني نهاية مهام النضال الطبقي والتحرر الوطني، بل تضيف إليها أبعاداً جديدة يمكن اختزالها في مقاومة الاحتكار التكنولوجي، الدفاع عن السيادة الرقمية، التحكم في المعرفة والبيانات، ومواجهة أشكال التبعية التكنولوجية و الرقمية الجديدة التي تفرضها المراكز الرأسمالية المتقدمة على البلدان التبعية....!
فكما كانت السيطرة على الصناعة ورأس المال المالي ركناً من أركان الإمبريالية ، يمكن إضافة، السيطرة على التكنولوجيا والمنصات والبيانات كاءحدى ميادين الصراع العالمي المعاصر...!
* وخلاصة القول إن "الرأسمالية الخوارزمية" أو "الرقمية" ليست نظاماً "بديلاً عن الرأسمالية" ولا دليلاً على "تجاوز الإمبريالية" كما يتوهم البعض ، بل هي تعبير عن مرحلة تتداخل فيها "الثورة التقنية" مع منطق التراكم الرأسمالي... !
* فالخوارزميات أدخلت تغييرات على أدوات السيطرة والإنتاج، لكنها لم تُلغِ التناقض الأساسي بين العمل ورأس المال، ولا ألغت الصراع حول الملكية والسلطة والثروة... بل ربما كشفت، في شكل جديد، عن استمرار الأسئلة الحارقة الكبرى حول من يملك وسائل الإنتاج، ومن يحدد اتجاه التطور التاريخي، ومن يستفيد من ثمار التقدم الاجتماعي ، في سياقات معركة التحرر الإنساني القيمي، المستمرة كفعل قصدي عقلاني تاريخي ...!
عمران حاضري
2

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق