جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أين حسين ... هرب من المعتقل واختفى في التاريخ.

 ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني

حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-24-
أين حسين ... هرب من المعتقل واختفى في التاريخ.
بعض الليالي لا تنتهي عند طلوع الفجر. وبعض الرجال يهربون من المعتقلات، دون أن يصلوا إلى الحياة.
في ليلة من ليالي يوليوز من ذلك العام، وبعد ثلاث سنوات من الاختطاف والاعتقال السري، كان حسين يركض نحو الحرية. حسين الشاب، الذي حمل مبكراً قناعاته السياسية وانخرط في العمل المعارض، قبل أن تقوده سنوات الصراع إلى دروب الاعتقال والاختفاء.
ثلاثة أعوام مضت منذ ذلك اليوم الذي استُدرج فيه من أيالة أفريقية واختفى في متاهة المعتقلات السرية. سنوات ثقيلة من العزلة والتعذيب والانتظار والأسئلة التي لا تجد جواباً. وكان ذلك الزمن كافياً لتحطيم كثير من البشر، لكنه لم يستطع أن يكسر إيمانه بأن الحرية تستحق المحاولة الأخيرة. فقد كان يحب الضحك رغم قسوة الظروف. وكان أصدقاؤه يقولون إن أكثر ما يميزه عناده الهادئ. ذلك النوع من الرجال الذين لا يرفعون أصواتهم، لكنهم لا يتراجعون.
في ذلك الليل، ومعه الإخوة الثلاث وعدد من المعتقلين، حدث ما بدا مستحيلاً. تمكنوا من السيطرة على الحراس وانتزاع أسلحتهم والخروج من المعتقل السري الذي ابتلع أحلام كثيرين قبله.
لأول مرة منذ سنوات، كان الهواء حراً. كانت السماء بلا قضبان. وكانت الأرض أوسع من الزنزانة.
في تلك اللحظات القصيرة، استحضر حسين وجوه أحبائه في منطقته. لا بد أنه رأى وجه أمه التي كانت تنتظر خبراً عنه منذ اختفائه، ووجه والده الذي علّمه أن الإنسان قد يخسر كل شيء إلا كرامته. لكن الحرية كانت أقصر من الحلم. أعيد اعتقاله بعد أيام قليلة. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت أخباره إلى الأبد.
لم يعد أحد يعرف أين اقتيد. ولا أين احتُجز.
ولا أين انتهت رحلته.
اختفى الرجل مرة ثانية، لكن هذه المرة في قلب المجهول.
مرت السنوات. وشاخت الوجوه. وتغيرت الحكومات. وسقطت جدران كثيرة من الصمت. إلا أن السؤال ظل معلقاً في مكانه:
أين حسين ؟
كان والده أكثر الناس تشبثاً بالأمل. رفض أن يصدق روايات الوفاة التي كانت تُقدَّم له بين الفينة والأخرى. كان يقول إن ابنه حي. وإن الحقيقة لم تُكشف كلها بعد.
لم يكن ذلك مجرد تعلق عاطفي من أب بابنه، بل كان رفضاً لأن يتحول الغياب إلى خبر إداري يُطوى في ملف.
ظل ينتظر.
ينتظر لسنوات طويلة.
ينتظر طرقاً على الباب.
أو رسالة.
أو شاهداً.
أو حقيقة.
لكن الموت سبقه إلى الرحيل.
غادر الدنيا وهو يحمل السؤال نفسه الذي حمله لعقود:
أين الحسين؟
اما والدته فكانت تحتفظ بصورته دائما امامها. وكلما قيل لها إن الملف أُغلق، أعادت الصورة إلى صدرها وكأنها تخشى أن يُغلق معها باب الأمل.
ولم تقبل بقية العائلة بدورها أن يُغلق الملف بكلمة "توفي" من دون دليل يقيني أو قبر معلوم أو رواية كاملة. كانت هناك معطيات وشهادات وقرائن غذّت الاعتقاد بأن الحقيقة لم تُكشف كلها بعد، وأن ما قيل لا يجيب عن كل الأسئلة.
وأتذكر جيداً وقع ذلك الخبر علينا. كنا يومها في بدايات تشكل وعينا السياسي، نكتشف معنى الالتزام الحزبي ونتلمس طريقنا وسط أسئلة الوطن الكبرى. وحين تناهى إلينا نبأ هروب حسين ورفاقه من المعتقل السري، بدا الأمر أشبه بمعجزة تتحدى المستحيل. تناقلنا الخبر بفرح ودهشة وأمل، واعتبرناه انتصاراً صغيراً للحياة على آلة القمع.
لكن ذلك الأمل لم يدم طويلاً. ومع عودة الغموض حول مصيره، بدأنا نتابع باهتمام وإعجاب نضال أسرته وإصرارها على معرفة الحقيقة. كنا نرى في والده صورة الأب الذي يرفض الاستسلام، ويحمل قضية ابنه في قلبه أينما حل وارتحل. وقد تأثرنا جميعاً يوم رحل الرجل عن الدنيا وهو ما يزال يحمل في صدره غصة الفقد، وعيناه معلقتان بسؤال لم يجد جواباً: أين حسين؟
كان رحيله مؤلماً لأنه لم يكن فقدان أب لابنه فحسب، بل كان أيضاً صورة لجيل كامل أنهكته الأسئلة المؤجلة وانتظار الحقيقة
ولهذا ظل حسين حالة فريدة بين كثير من ضحايا سنوات الاختفاء القسري.
فالموت، مهما كان مؤلماً، يمنح أهله حق الحداد.
أما الغياب، فيسلبهم حتى هذه الرحمة.
لا قبر يزورونه.
ولا شاهد يطمئنهم.
ولا يقين يضع حداً للانتظار.
فقط صورة شاب توقفت ملامحه عند عمر معين، بينما واصل الزمن سيره في وجوه من أحبوه.
مرت عقود منذ تلك الليلة. كبر الأطفال الذين كانوا ينتظرون عودته. ورحل بعض الذين عرفوه. وتبدلت وجوه كثيرة في هذا الوطن.
وحده السؤال بقي شاباً كما كان:
أين حسين؟
وربما لهذا لا يزال اسمه حاضراً في ذاكرة من أحبوه؛ ليس لأنه اختفى، بل لأن الحقيقة التي اختفت معه لم تعد بعد.
وفي مكان ما من الذاكرة المغربية، ما زال ذلك الشاب يركض في عتمة الليل، متجهاً نحو الحرية، قبل أن يبتلعه المجهول مرة أخرى.
م.إسماعيلي
2026\06\29



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *