جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

وجوه من زمن الجمر والرصاص شهادات حتى لا يتكرر الألم عمر بنجلون

 وجوه من زمن الجمر والرصاص

شهادات حتى لا يتكرر الألم
عمر بنجلون
من زنزانة الحكم بالإعدام إلى ذاكرة وطن ما زالت تبحث عن الحقيقة

حين وُلد عمر بنجلون يوم 26 نونبر 1936 بقرية بركم بمنطقة عين بني مطهر في شرق المغرب، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك الطفل القادم من أسرة متواضعة إلى أحد أبرز وجوه المعارضة المغربية في القرن العشرين، وأن يصبح اسمه بعد رحيله جزءاً من ذاكرة الانتهاكات السياسية التي طبعت مرحلة كاملة من تاريخ المغرب.

كان والده عاملا في قطاع المعادن، وكانت طفولته شبيهة بطفولة آلاف أبناء المغرب العميق. غير أن مسار الدراسة سيقوده من الشرق المغربي إلى الرباط، ثم إلى باريس، حيث ستتشكل شخصيته الفكرية والسياسية.

في العاصمة الفرنسية تابع دراسته في القانون وفي المدرسة العليا للبريد والمواصلات، وانخرط في الحركة الطلابية المغربية. وهناك برز داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كما تولى رئاسة جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا بين سنتي 1959 و1960.

لم تكن باريس بالنسبة إليه مجرد محطة دراسية، بل كانت فضاءً لصياغة أسئلة جيل كامل كان يبحث عن معنى الاستقلال وعن طبيعة الدولة التي ينبغي أن تُبنى بعد نهاية الحماية.

مناضل اختار طريقا صعبا

عاد عمر بنجلون إلى المغرب سنة 1960 حاملا شهاداته وقناعاته.

اشتغل في قطاع البريد وانخرط في العمل النقابي والسياسي في مرحلة كانت تعرف توترا متزايدا بين السلطة والمعارضة.

آمن بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون عدالة اجتماعية، وأن النقابة يجب أن تكون مستقلة عن مراكز النفوذ، وأن الصحافة ليست مجرد وسيلة للإخبار بل أداة للمساءلة والنقد.

سرعان ما أصبح من الوجوه البارزة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لاحقا.

لكن سنوات الالتزام السياسي في تلك المرحلة لم تكن تمر دون ثمن.

المعتقل والمحكوم بالإعدام

في يوليوز 1963 اعتُقل عمر بنجلون ضمن ما عُرف آنذاك بقضية "المؤامرة ضد النظام".

كان في السابعة والعشرين من عمره فقط.

وفي مارس 1964 صدر في حقه حكم بالإعدام خلال واحدة من أشهر المحاكمات السياسية في المغرب المستقل.

لم يُنفذ الحكم، واستفاد من العفو الملكي سنة 1965، غير أن تجربة السجن لم تنته عند هذا الحد.

فقد عاد إلى الاعتقال بين سنتي 1966 و1967، ثم تعرض للاعتقال مجددا سنة 1973 على خلفية الأحداث السياسية التي عرفتها البلاد آنذاك.

في الذاكرة الحقوقية المغربية، لا يُستحضر عمر بنجلون فقط باعتباره معارضا سياسيا، بل باعتباره أيضا واحدا من الوجوه التي عاشت الاعتقال السياسي والمحاكمات الاستثنائية والتضييق الذي طبع مرحلة من تاريخ المغرب عُرفت لاحقاً بسنوات الجمر والرصاص.

الصحافي الذي آمن بقوة الكلمة

بعد خروجه من السجن عاد إلى العمل السياسي والفكري.

وتولى إدارة جريدة "المحرر"، التي تحولت خلال فترة إشرافه عليها إلى أحد أبرز المنابر السياسية والفكرية بالمغرب.

كان يؤمن أن المعركة من أجل الديمقراطية لا تُخاض فقط داخل الأحزاب والنقابات، بل أيضاً عبر الكلمة المكتوبة.

ولذلك لم يكن تأثيره ناتجاً عن موقع تنظيمي فقط، بل عن حضوره الفكري وقدرته على التحليل والإقناع.

وقد وصفت بعض التقارير الدبلوماسية الغربية خلال السبعينيات عمر بنجلون بأنه أحد أكثر قيادات المعارضة المغربية تأثيرا وتنظيما، وأنه يمثل عقلا سياسيا بارزاً داخل الحركة الاتحادية المغربية.

قضية الصحراء: ما لا يُقال كثيراً

من الجوانب التي كثيراً ما تُهمل عند الحديث عن عمر بنجلون موقفه من قضية الصحراء المغربية.

فالرجل عاش المرحلة التي سبقت المسيرة الخضراء واسترجاع الأقاليم الجنوبية، وكان يتابع عن قرب تطورات الملف الصحراوي في زمن كانت فيه المنطقة تعيش تحولات عميقة مع اقتراب نهاية الوجود الاستعماري الإسباني.

وتشير كتاباته ومواقفه السياسية إلى دعمه استكمال الوحدة الترابية للمغرب.

غير أن خصوصية موقفه تمثلت في اعتباره أن تقوية الجبهة الوطنية تمر أيضاً عبر توسيع المشاركة السياسية والديمقراطية داخل البلاد.

كما أن السياق التاريخي الذي عاشه كان مختلفا عن التصورات اللاحقة؛ ففي بدايات الحركة التي أسسها الوالي مصطفى السيد سنة 1973 كان الخطاب المعلن موجها أساسا ضد الاستعمار الإسباني، قبل أن تتطور الأوضاع الإقليمية والسياسية نحو مسارات أخرى معروفة.

الطرد المفخخ

في يناير 1973 استُهدف عمر بنجلون ومحمد اليازغي بطردين مفخخين.

نجا عمر من المحاولة.

أما محمد اليازغي فقد أصيب بجروح خطيرة.

شكلت تلك الحادثة إنذاراً مبكراً بحجم التوتر السياسي الذي كانت تعيشه البلاد، كما كشفت أن العنف أصبح يقترب أكثر فأكثر من المجال السياسي.

في عيون رفاقه

بعد عقود من رحيله، لا يزال رفاقه يستحضرون الجانب الإنساني في شخصيته أكثر مما يستحضرون المناصب التي تقلدها.

يروي محمد المريني أن عمر بنجلون كان يخاف على رفاقه أكثر مما يخاف على نفسه، وكان معروفاً بوفائه لأصدقائه والمناضلين الذين عرفهم.

كما استعاد محمد الأشعري في أكثر من مناسبة كلمات قالها عمر بنجلون قبل اغتياله بأيام، تحدث فيها عن سنوات السجن والمنفى والقمع التي عاشتها المعارضة المغربية.

أما محمد اليازغي، الذي نجا من محاولة اغتيال مماثلة، فقد ظل يؤكد أن أسئلة كثيرة ما زالت معلقة حول ظروف الجريمة والجهات التي تقف وراءها.

صباح لم يكتمل

في صباح 18 دجنبر 1975 غادر عمر بنجلون منزله بالدار البيضاء متوجهاً إلى عمله.

كان يبلغ من العمر تسعة وثلاثين عاما.

لم يكن يعلم أن ذلك الصباح سيكون الأخير.

تعرض لاعتداء قاتل أمام منزله وفارق الحياة متأثراً بجراحه.

أحدث اغتياله صدمة عميقة داخل المغرب وخارجه.

ولم يكن الحزن مقتصراً على عائلته أو رفاقه السياسيين، بل امتد إلى أوساط واسعة رأت في اغتياله منعطفاً خطيراً في الحياة السياسية المغربية.

ضحية من ضحايا سنوات الجمر والرصاص

حين يُستحضر اسم عمر بنجلون اليوم، فإنه لا يُستحضر فقط كقيادي سياسي أو صحافي أو نقابي.

بل يُستحضر أيضاً كأحد ضحايا مرحلة اتسمت بالاعتقالات السياسية والمحاكمات الاستثنائية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

لقد عاش السجن، وصدر في حقه حكم بالإعدام، وتعرض لمحاولة اغتيال، ثم انتهى به المطاف ضحية اغتيال سياسي هز المغرب في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

ولهذا أصبح اسمه جزءا من الذاكرة الحقوقية الوطنية التي تسعى إلى فهم الماضي لا من أجل الانتقام منه، بل من أجل منع تكراره.

الحقيقة التي ما زالت تنتظر

بعد نصف قرن تقريباً من رحيله، ما تزال أسئلة كثيرة مطروحة.

هل كُشفت جميع ملابسات الجريمة؟

هل عُرفت كل الجهات التي خططت أو سهلت أو استفادت؟

وهل أُغلقت الصفحة نهائياً في ذاكرة المغاربة؟

لا تزال عائلته ورفاقه وعدد من الفاعلين الحقوقيين يعتبرون أن البحث عن الحقيقة الكاملة جزء من واجب الذاكرة.

فالتاريخ لا يكرم ضحاياه بالنسيان، بل بالسعي إلى الفهم والكشف والتوثيق.

وربما لهذا السبب ما زال عمر بنجلون حاضرا في الذاكرة المغربية، لا باعتباره مجرد اسم في كتاب التاريخ، بل باعتباره شاهدا على زمن كان الاختلاف السياسي فيه قادرا على أن يكلف الإنسان حريته، وأحياناً حياته.

وجوه من زمن الجمر والرصاص.. شهادات حتى لا يتكرر الألم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *