الحسين المنوزي * طفل تافروات الذي أحب وطنه
الحسين المنوزي
طفل تافروات الذي أحب وطنه
في عام 1943، وُلد الحسين المنوزي في تافروات، تلك المدينة الأمازيغية العريقة في قلب جبال الأطلس الصغير. لم يكن ميلاده حدثاً استثنائياً في زمن كانت فيه المغرب تئن تحت نير الحماية الفرنسية، لكن العائلة التي وُلد فيها كانت استثنائية بكل المقاييس. عائلة المنوزي لم تكن مجرد عائلة، بل كانت مدرسة في النضال والتضحية، علّمت أبناءها منذ الصغر أن الوطن ليس كلمة تُقال بل التزام يُعاش.
نشأ الحسين في كنف والده علي المنوزي، الرجل الذي غرس في أبنائه حب المقاومة وإباء الضيم. كان الوالد نفسه مناضلاً ودفع ثمن ذلك غالياً، فتشرّب الحسين منذ طفولته معنى أن يكون الإنسان صاحب موقف في زمن يُكلّف فيه الموقف الحرية بل والحياة. في تلك البيئة، كانت السياسة ليست ترفاً فكرياً بل هواءً يُتنفس، ومسؤولية تُورث جيلاً بعد جيل.
الشاب الذي أحب الطائرات والحرية معاً
نشأ الحسين شاباً نشيطاً متعدد الاهتمامات. انخرط في الكشفية ونشاطات المخيمات، وكان بارعاً في العمل الجماعي، يعرف كيف يجمع الناس حوله لا بالسلطة بل بالحماس الصادق. كان من مؤسسي شبيبة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والشبيبة الاتحادية، وانخرط بعمق في النضال النقابي مبكراً، مؤمناً بأن الحرية لا تتجزأ وأن معركة العامل في مصنعه هي نفسها معركة المواطن في وطنه.
وجد عمله المهني في قطاع الطيران، وأصبح ميكانيكي طائرات في الخطوط الملكية المغربية. لكن نشاطه النقابي الذي لم يكن يخفيه كلّفه ثمناً باهظاً، إذ فُصل من عمله في بداية الستينيات بسبب نشاطه داخل الشركة. لم يكن ذلك الفصل نهاية مساره، بل كان بداية فصل جديد أكثر جرأة وأوسع أفقاً.
غادر المغرب متجهاً نحو بلجيكا، حيث التحق بشركة الطيران البلجيكية "سابينا" وعمل فيها تقنياً. لكنه لم يترك السياسة خلفه. في بروكسيل، واصل نضاله وسط أبناء الجالية المغربية، مؤطراً ومواكباً لتطلعاتهم، ومناضلاً من أجل قضايا كانت تشغله بعمق: إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية عن المغرب، واستكمال الوحدة الترابية، وترسيخ السيادة الشعبية الحقيقية
عائلة تدفع الثمن كاملاً
لم يكن الحسين وحده من دفع ثمن انتمائه العائلي والسياسي. ففي عام 1969، ضربت موجة الاعتقالات الواسعة المعروفة بمحاكمة مراكش الشهيرة عائلة المنوزي في العمق. طالت الاعتقالات والده وإخوته وأعمامه، فيما صدر بحق الحسين نفسه حكم بالإعدام غيابياً. كان بعيداً في أوروبا، لكن الحكم كان رسالة واضحة: لا مكان لك في وطنك.
ثم جاء يوم 13 يوليوز 1971، ذلك اليوم الذي لا تنساه عائلة المنوزي. أُعدم أخوه إبراهيم المنوزي بتهمة المشاركة في محاولة الانقلاب العسكري التي استهدفت قصر الصخيرات، وذلك دون محاكمة. كان إبراهيم ضابطاً في جيش التحرير، وقد اقتيد إلى الإعدام كما تُقتاد الأشياء لا كما يُحاكم البشر. فقدت العائلة ابنها وأخاها في ذلك اليوم، وظل الحسين في المنفى يحمل الألم والغضب معاً، مواصلاً نضاله من بعيد، وعيناه دائماً على المغرب.
استدراج من تونس... فخ بُني بدقة
في أكتوبر 1972، كان الحسين المنوزي يقضي عطلة في تونس. كان يعرف أنه مطارد، لكنه اعتقد أن تونس أرض آمنة، وأن المسافة بينه وبين أجهزة المغرب تكفي لتأمين قسط من الراحة. لم يكن يعلم أن الشبكة كانت تُحاك بعناية.
اقترب منه شخص اسمه إدريس عضمون، قدّم نفسه بوجه مألوف وكلام معسول. كان عضمون في حقيقته عميلاً يشتغل لفائدة المخابرات المغربية. استدرج الحسين بطريقة لم تثر شكوكه، ونصب له الفخ في أرض غريبة ظنها ملجأً.
في 29 أكتوبر 1972، اختفى الحسين المنوزي من تونس.
التاريخ ليس صدفة. 29 أكتوبر، نفس اليوم الذي اختُطف فيه المهدي بنبركة عام 1965. وكأن التاريخ أراد أن يقول شيئاً: إن آلة القمع لها تواريخها المفضلة، وإن أبناء البيت الاتحادي دفعوا ثمناً واحداً بأشكال متعددة.
نُقل الحسين سراً إلى المغرب بواسطة الأجهزة السرية المغربية، واحتُجز في ما عُرف بـ"النقطة الثابتة الثالثة" قرب الرباط، ذلك المعتقل السري الذي ابتلع أرواحاً وأسراراً. هناك، التقى مع بعض المتورطين في محاولة انقلاب الصخيرات الفاشلة، وتشاركوا معاً ظلمة الزنازين وثقل المجهول.
الهروب المستحيل والعودة إلى الظلام
في الثالث عشر من يوليوز 1975، حدث ما لم يكن أحد يتوقعه. نفّذ الحسين مع عدد من رفاقه داخل المعتقل عملية هروب جريئة، نجحوا خلالها في السيطرة على الحراس وانتزاع أسلحتهم والخروج من جحيم المعتقل السري. كان ذلك إنجازاً بدا مستحيلاً في ظروف استحالت فيها الأشياء العادية.
علمت عائلته بالخبر وانتابها فرح مشوب بالخوف. كان الحسين حياً، وكان حراً. لكن الحرية لم تدم. أُعيد اعتقاله في تلك الليلة نفسها. وبعد إعادة الاعتقال، انقطعت أخباره تماماً، ودخل في نفق الإخفاء القسري الطويل الذي لم ينته حتى اليوم.
كان مدحت بوريكات، أحد رفاقه في المعتقل، آخر من رآه قبل أن تبتلعه المجهول مرة أخرى. ويتذكر بوريكات تلك الليلة بتفاصيلها القاسية: الهروب الذي بدا معجزة، والاعتقال الذي جاء بعده كابوساً، والوجه الأخير للحسين الذي حُفر في ذاكرته إلى الأبد.
عائلة لا تتوقف عن المطالبة
منذ تلك الليلة، لم تتوقف عائلة المنوزي عن المطالبة بالحقيقة. الأخ عبد الكريم المنوزي، الذي أصبح كاتباً عاماً للجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، رفع الصوت في مختلف المحافل الحقوقية الوطنية والدولية.
كان يقول بوضوح لا لبس فيه:
"الحق في معرفة مصير المختطفين السياسيين حق أساسي، وواجب على الدولة أن تكشف الحقيقة كاملة."
أمام هيئة الإنصاف والمصالحة، قدّمت العائلة معلومات دقيقة وشاملة: أسماء المتورطين، وعناوينهم، والظروف التفصيلية للاختطاف والنقل والاحتجاز. لكن ما تلقّته العائلة من الهيئة لم يرقَ إلى مستوى ما قدّمته. جاءت المعلومات التي أُعيدت إليها من الشهادات التي قدمتها هي نفسها، وكأنها تتحدث مع مرآة لا مع جهة تملك الإجابات.
في كل 29 أكتوبر، تجدد العائلة نداءها. وقفة هادئة وموجعة في آن واحد، يرفعون فيها صورة الحسين الشاب، ذلك الوجه الذي لم يشخ في ذاكرتهم لأنهم لم يروه يشيخ.
ويقولون بصوت واحد:
"لا تحرمونا من الحق في الحداد."
الوالد الذي انتظر حتى آخر يوم
من أكثر ما يُثقل هذه القضية إنسانياً قصة الوالد علي المنوزي. الرجل الذي ربّى أبناءه على النضال، ودفع منهم ثمناً فادحاً: ابن أُعدم دون محاكمة، وابن اختُطف ولم يعد.
ظل علي المنوزي يؤكد حتى آخر أيامه أن ابنه الحسين حي يُرزق، رافضاً أن يقبل بأي رواية تُقفل الملف وتطوي الصفحة. كان إيمانه بحياة ابنه ليس وهماً، بل موقفاً. رفض أن يكون الصمت هو الرد، ورفض أن تكون الدولة هي من تقرّر متى تنتهي قصة الحسين.
رحل علي المنوزي وهو ينتظر.
وبقي الحسين غائباً.
وبقيت العائلة تسأل.
29 أكتوبر... تاريخ يجمع الغياب
ثمة ما يجعل قضية الحسين المنوزي مختلفة عن كثير من قضايا سنوات الجمر والرصاص: إنها لم تُغلق.
لا شهادة تثبت وفاته، ولا قبر يُزار، ولا وثيقة رسمية تُعلن نهايته.
هو في منطقة بين الغياب والحضور، بين الموت والحياة، بين ما جرى وما لم يُقل بعد.
في كل 29 أكتوبر، حين تستذكر الحركة الحقوقية المغربية اختطاف المهدي بنبركة، تستذكر معه اختطاف الحسين المنوزي. رجلان من البيت الاتحادي، في التاريخ نفسه، بفارق سبع سنوات. وكأن التاريخ أبى إلا أن يربط بينهما بخيط واحد ثقيل.
وفاءً لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي نادت بصيانة الذاكرة الوطنية، يبقى اسم الحسين المنوزي علامة على ما لم يُقل بعد في تاريخ المغرب. ليس لأنه كان بطلاً خارقاً، بل لأنه كان إنساناً عادياً آمن بأن الحرية تستحق أن يُناضل من أجلها، ودفع من حياته ثمناً لهذا الإيمان، ثمناً لا تزال عائلته تنتظر أن تعرف حجمه الكامل.
لا قبر يُزار.
لا إجابة تُقنع.
فقط اسم يأبى أن يُنسى، وعائلة تأبى أن تتوقف عن السؤال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق