عندما تتصدع الإمبراطورية على تخوم طهران! د. طنوس شلهوب
عندما تتصدع الإمبراطورية على تخوم طهران!
د. طنوس شلهوب
ليست كل الحروب مجرد مواجهات عسكرية، وليست كل الهزائم أو الإخفاقات بنتائجها المباشرة. فثمة لحظات تاريخية تتجاوز حدود الميدان الذي تقع فيه لتكشف تحولات أعمق في بنية النظام العالمي نفسه. ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى فشل العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران بوصفه حدثاً إقليمياً معزولاً، بل باعتباره مؤشراً على أزمة متفاقمة في قدرة الإمبراطورية الأميركية على فرض إرادتها على العالم كما فعلت خلال العقود التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي.
فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، تصرفت الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي لا ينازعها أحد. من بغداد إلى بلغراد، ومن كابول إلى طرابلس، كانت القوة العسكرية الأميركية تبدو قادرة على إعادة تشكيل الدول والأنظمة والخرائط السياسية وفقاً لمقتضيات الهيمنة الإمبريالية. غير أن التاريخ لا يعرف موازين قوى ثابتة، كما أن الرأسمالية العالمية التي أنتجت هذه الهيمنة حملت في داخلها، في الوقت نفسه، عناصر تآكلها التدريجي.
لقد أظهر صعود الصين الاقتصادي والتكنولوجي، واستعادة روسيا جانباً مهماً من قدرتها الاستراتيجية، وتنامي دور قوى إقليمية رافضة للخضوع الكامل للهيمنة الغربية، أن العالم بدأ يغادر ببطء مرحلة الأحادية القطبية. وفي هذا السياق بالذات تكتسب المواجهة مع إيران معناها الحقيقي.
فالمسألة لا تتعلق فقط بدولة تعرضت للعدوان وتمكنت من الصمود. الأهم أن هذا الصمود جاء في مواجهة تحالف يضم أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، مدعومة بأدوات مالية وإعلامية واستخباراتية غير مسبوقة. ولذلك فإن عجز هذا التحالف عن فرض شروطه أو تحقيق أهدافه الاستراتيجية يطرح سؤالاً يتجاوز إيران نفسها: ماذا يحدث عندما تفقد الإمبراطورية قدرتها على إخضاع خصومها؟
من منظور بنيوي، لا يعود الجواب إلى أخطاء تكتيكية أو حسابات سياسية خاطئة فحسب، بل إلى تناقضات أعمق تتعلق بأزمة الهيمنة الإمبريالية ذاتها. فالإمبريالية ليست مجرد نزعة عدوانية، بل هي مرحلة تاريخية من تطور الرأسمالية تقوم على تركّز رأس المال وهيمنة المراكز الكبرى على الأطراف. لكن التطور غير المتكافئ للرأسمالية يؤدي بصورة مستمرة إلى ظهور منافسين جدد وإلى تآكل الأسس التي قامت عليها الهيمنة السابقة. وهكذا يصبح الصراع على النفوذ العالمي انعكاساً لأزمة داخل النظام الرأسمالي نفسه.
من هنا تكتسب أهمية فشل العدوان على إيران. فهو لا يمثل انتصاراً عسكرياً أو سياسياً لطرف بعينه فحسب، بل يشكل حلقة جديدة في عملية التراجع النسبي للقدرة الأميركية على فرض إرادتها منفردة. إن ما يتعرض للاهتزاز ليس ميزان القوى في الشرق الأوسط فقط، بل الفكرة التي حكمت العالم منذ التسعينيات: فكرة أن الولايات المتحدة تستطيع دائماً أن تنتصر وأن تفرض النتائج التي تريدها.
ولا يعني ذلك أن العالم الجديد الذي يتشكل هو عالم خالٍ من التناقضات أو الصراعات. فالقوى الصاعدة نفسها تعمل ضمن نظام رأسمالي عالمي وتخضع لحسابات مصالحها الخاصة. لكن الانتقال من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب يحدّ من قدرة أي مركز واحد على احتكار القرار الدولي، ويفتح هوامش أوسع أمام الشعوب والدول الساعية إلى الدفاع عن استقلالها وسيادتها.
لهذا السبب، فإن أهمية ما جرى على تخوم طهران لا تكمن فقط في ما كشفه عن قدرة إيران على الصمود، بل في ما كشفه عن حدود الإمبراطورية نفسها. فالإمبراطوريات لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ بالتصدع عندما تعجز عن تحويل تفوقها الهائل إلى خضوع فعلي لخصومها. وما نشهده اليوم قد لا يكون نهاية الهيمنة الأميركية، لكنه بلا شك أحد المشاهد الدالة على بداية أفول العصر الذي استطاعت فيه قوة واحدة أن تتصرف بوصفها سيد العالم بلا منازع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق