جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

تاريخ الكفاح التحريري في المغرب: ذاكرة التوثيق والهزيمة عبد القادر الشاوي عن امحمد التوزاني

 

تاريخ الكفاح التحريري في المغرب: ذاكرة التوثيق والهزيمة
عبد القادر الشاوي
تُوفي، قبل أيام، واحد من مناضلي تجربة المعارضة الكفاحية في المغرب، الفقيد امحمد التوزاني، الذي كان قد عاد إلى المغرب بعد سنوات طويلة في المنفى، وفي حياته الشخصية النضالية، كما في حياة من جايلوه وكتبوا عن تجاربهم الكفاحية (أحمد الطالبي، إبراهيم أوشلح، مبارك بودرقة، إلخ)، أزيد من ثلاثة عقود من المراحل والمهام والتجارب، الأمر الذي لا يُعرف معرفة كاملة، وهل هي ممكنة؟ ولم يَنْشُر حوله الذين خاضوا غماره وصنعوا أحداثه ومارسوا في أجوائه ممارسات "بطولية"، في أحيانٍ كثيرة، إلا النزر اليسير في مصنفات ذات طبيعة أوتوبيوغرافية، لا يمكن اعتبارها إلا روايات خاصة تستذكر فصولاً من الحياة الماضية مُؤوّلة على الطريقة الفردية والذاتية ومن منظورها المفترض، أي الملتبس بالوهم، أو بالاشتباه، فضلاً عن النسيان الذي يتسبّب في المَحْو العمد، أو التلقائي، أو هما معاً بصورة لا إرادية، لأنه آفة تَثْلِم الذاكرة. وربما كان هذا هو الجانب البارز والمهم والخاص في تلك الكتابات، أي إنها لا ترقى إلى ما يمكن نعته، في مجال البحث الاستقصائي، بالصفة التاريخية المبنية على الواقعة والوثيقة والمنظور المتكامل الذي يحيط بكل الزوايا، ويعلّل، أو يُسائل، مختلف التصورات والحكايات في سياق أقرب إلى الموضوعية ما أمكن وأبعد عن الذاتية ما أمكن.
يعنيني أن أؤكد، في هذا السياق، أن الفقيد امحمد التوزاني كان قد عاد إلى المغرب، مثلما عاد المناضل الفقيه محمد البصري الذي دوخ الحياة السياسة المغربية في عهد الحسن الثاني تدويخاً، بعد أن قرَّر النظام الحاكم سلسلة من الإجراءات السياسية الرامية إلى تنظيم قواعد انتقال المُلك، وتمهيد السبيل لتولية الملك الجديد في ظروف مريحة آمنة، وذلك بعد أزيد من 38 سنة من الحكم الاستبدادي تميزت، في مراحل كثيرة، بتطورات وصراعات على درجة عالية من الاحتداد، وضحاياها من الكثرة لا حساب ولا سبيل لِعَدِّ عددهم.
سأذكر بنوع من اليقين أن عودة امحمد التوزاني، خلافاً لما يردّده بعض النشطاء في محافلهم النضالية، كانت بمثابة عودة جيلين من المناضلين السياسيين الذين أعيتهم الهزيمة السياسية، وقوضت أحلامهم تحولات العقائد التي كانت في أساس مطامحهم: جيل تميز بالفعالية الكفاحية في الداخل وفي الخارج، واختار طريق المعارضة الراديكالية وفي أفقها موقف الكفاح المسلح وقراره، الطريق الثوري الوحيد لإسقاط سلطة الملكية المستبدة. وربما كان المهدي بن بركة (الاختيار الثوري) القائد الأبرز الذي دشن هذا الطريق، بعد أن اكتشف "أخطاءه الثلاثة القاتلة"، والأهم أنه قرّر بصورة فعلية منذ 1962، رغم مشاركته في مشاورات "إيكس ليبان" (أغسطس/ آب 1955) التي تُوِّجَت بالاستقلال في إطار التبعية، بأن "الاستقلال" هذا لم يكن إلا شكلياً فارغاً، ولم يُفِد إلا في تمكين النظام الحاكم والمتحالفين معه من الانفراد بالسلطة والسيطرة الشاملة على مقدّرات البلاد. وقد رأينا كيف تقوت المعارضة السياسية، وكيف انتقل تيارها الراديكالي إلى العمل بأسلوب التحريض وحشد القوى المستعدة بين العمّال والفلاحين في المدن وفي منطقة الأطلس المتوسّط، وكيف أخيراً أصبح على استعداد لإطلاق شرارة الكفاح المسلح للتعجيل بإسقاط السلطة من طريق الحرب الشعبية، قبل أن يكون الانقلاب، وربما في نقد داخلي لأسلوب الثورة، طريقاً ممكناً بفضل القوات العسكرية، لتحقيق الهدف نفسه بأسرع الطرق الناجعة وأيسرها.
عودة امحمد التوزاني، كانت بمثابة عودة جيلين من المناضلين السياسيين الذين أعيتهم الهزيمة السياسية
أما الجيل الثاني، فكان أغلب مناضليه من "اليسار الجديد" الذي استقر بعض أفراده في فرنسا منذ بداية السبعينيات، بعد الضربة الأولى (1973) التي تعرّضت لها الحركة الماركسية اللينينية الوليدة، وهي في بداية عملها ومعارضتها السياسية الثورية في قطاعي الشبيبة والتعليم بشكل عام. ثم إن كثيرين من مناضليه الآخرين كانوا في سجون "المملكة الشريفة" يعانون من تبعات الهزيمة السياسية التي ألحقها بهم نظام الحسن الثاني من جراء القمع الشديد والعنف المتوحش الذي كاد أن ينهي وجودهم بالمرّة.
أتكلم هنا عن الهزيمة الشاملة تقريباً لِتَوَجُّهيْن أساسييْن، ولو بدرجاتٍ مختلفةٍ وتصورات متناقضة في أحيانٍ كثيرة، رغم الهدف المشترك. ولعل القضية المثيرة للانتباه وللاهتمام معاً أن التوجُّهَيْن كِليْهِما يرتبطان بالرابط الذي له صلة، من حيث الأسباب، بحدثين تاريخيين بارزين من الأحداث التي تفجرت في المغرب بعد سنوات الاستقلال الأولى: حالة الاستثناء (1965) التي أعْدَمت مختلف مظاهر العمل السياسي الشرعي في البلاد بقرار دستوري مجحف، إلا أنها حرّضت، في المقابل، مختلف الأطراف المستعدة للنضال ضد اللامشروعية والاستبداد. الثاني، المتعلق بالانتفاضة التي أعلنتها الشبيبة التعليمية في الدار البيضاء (23 مارس/ آذار 1965)، فكان أن وُوجهت بالقمع الرهيب الذي خلَّف ضحايا كثيرين مطالبين بتعليم ديمقراطي يستفيد منه أبناء الطبقات الشعبية المكافحة في سبيل العيش الكريم. ومن هذه الزاوية، تحولت الانتفاضة، في الوعي اليساري، إلى مرجع منه تُستخلص دروس النضال، وعليها يستند الوعي الثوري المناهض إلى النظام القائم.
انهزم الجيل الأول بعد إطلاق الرصاصة الأولى في أعالي الأطلس المتوسط (منطقة مولاي بوعزة 1973)، وتحرّكت قوات القمع والمُطَارَدة فأوقعت بالمكافحين وبالهاربين، الذين حاولوا النجاة بأنفسهم وأسلحتهم، ما لا يحصى من الأضرار، القتل المباشر من أعنفها، إلى ما تبع هذا من أفعال وحشية انتهت في معظم الحالات الشخصية إلى حدوث أعْطاب مزمنة وجرائم بشعة بالغة الفتك بالذوات. أما الجيل الثاني، فلم يتمكن من تنظيم نفسه وبناء ذاته في انسجام ممكن مع النظرية التي حملها عن الثورة في المغرب، أي من طريق بناء الحزب الثوري الطليعي ونقد الكفاح "البلانكي" الذي حَرَّض عليه الجيل السابق في الوقت نفسه. ولم يتمكن، فضلاً عن ذلك، من صياغة الشعارات المناسبة للعمل السياسي المعارض الذي انْتَوَاه في ظروف من السرية أحكمت فيها المركزية الديمقراطية قبضتها على الفعل النضالي المباشر، مثلما أعاقت التفكير النقدي، وولدت على الصعيد الداخلي "أنوية" صُغرى لتدبير شؤون القيادة والصراع "الطائفي" المبني على التقارب أو التوافق الإيديولوجي. ولمّا تواجه هذا "اليسار الجديد" مع القمع، سقط سقطة شنيعة لم تبق منه على قيد الوجود إلا شرذمة من المناضلين الذين تخفوا في جحورهم، ومنهم من فرّ إلى الخارج لممارسة أشكال أخرى من النضال الممكن، عن بُعد، في أجواء تنعم بالديمقراطية التي لم تكن في مشروع نضالهم في المغرب.
مرحلة "الذاكرة الثورية" انطلقت مع بداية الخمسينيات (المقاومة) وانتهت مع نهاية الثمانينيات التي شهدت تحوّلات غير مسبوقة
للتحصيل يمكن القول: انطلاقاً من الدلالات التاريخية التي كانت للجيْليْن المترابطين في النضال والمعارضة والعمل بنظرية الثورة على الأوضاع القائمة، فإنَّ أسلوبَ صوغ المهام المُقَدَّرة، وطرائق النضال السياسي المُتْبِعة، مع اختلاف في تقدير الوسيلة الناجعة، ظرفها الزمني والوقت المناسب من الناحية الاستراتيجية لإطلاقها، أصيب في مجموعه بما يشبه القتل العمد: إرهاب الدولة، والعجز الذاتي. سقط الكفاح المسلح البؤري الباعث على استنهاض الهمم الكفاحية والمشاركة في الهجمة الشاملة، وتبخَّرت الوصفة "الكيميائية" القائمة على التحضير الطويل والمملّ، والصعب كذلك، لمسير كان من المُؤَمَّل أن يقود إلى إطلاق الحرب الشعبية طويلة الأمد على الطريقة الصينية.
يمكن القول بناءً عليه، إن الأهمية الكبرى التي يمكن الاستنجاد بها لتخليد الأدوار البارزة التي قامت بها المعارضة المغربية للنظام القائم، لا نجدها الآن ماثلة شاخصة إلا في ما كتبه ونشره، باللغة والصوت والأنا، أولئك الذين وَعَوا أن وجودهم أصبح مرتبطاً بالتاريخ المكتوب وبالماضي المستهام أكثر من ارتباطه بالأفعال النضالية التي أدّوها، أي بـ"الذاكرة الثورية" المعبأة بأوهام وأحلام كثيرة، وأساساً حين تحولت إلى هزيمة فعلية أحبطت المقاومة، وإلى نوستالجيا شخصية تستذكر الوقائع المستحيلة وتضحياتها الجسام. مع التشديد على أن مرحلة "الذاكرة الثورية" انطلقت مع بداية الخمسينيات (المقاومة)، وانتهت، في ما أرى، مع نهاية الثمانينيات التي شهدت تحوّلات غير مسبوقة على صعيد العقائد (سقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء فترة الحرب الباردة، إلخ)، وفي باطن التنظيمات السياسية الحاملة مشاريع التغيير، وكذا في مواجهة الهجمات المتواصلة من طرف قوى استبدادية وإمبريالية وشوفينية عنصرية وسواها.. سَادت وتسيَّدت حيثما اتفق لها أن تُبْطِل مفعول الثورة، أو أن تقتلها في المهد. على هذا الأساس، سقطت ثلاث نظرياتٍ لإحداث التغيير المرتجى في سبيل الجماهير الكادحة وضد النُّظم المستبدة: النظرية الانقلابية التي كان الجيش من أدوات تنفيذها بالطريقة المألوفة (الضباط الكبار، التنظيم السرّي، عواطف التحرير، مناهضة القهر والطاغية). ثم كانت النظرية القومية التي اجتهدت من زاوية البحث عن المشترك القومي (العِرق) في صياغة مفاهيم العروبة والوحدة والاشتراكية. والثالثة هي المتعلقة، أو المرتبطة، بالنظرية الثورية التي برزت على صعيد حركات مختلفة في أكثر من دولة عربية، وتميزت أدواتها بتبنّي عقائد يسارية، شرقية وغربية، وانتقاد ما عداها من أساليب العمل والتفكير، ولعل القالب التنظيمي السحري الذي احتواها هو "الحزب الثوري" القائد والمؤهل، من خلال المركزية الديمقراطية، باعتبارها آلية تنظيمية فعالة لحماية الذات الثورية والقدرة على تنفيذ المهام الثورية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *