قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السابع والعشرون) أحمد رباص
قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السابع والعشرون)
أحمد رباصكاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-
على مدى صفحتين وخمسة أسطر (الصفحات: 385، 386، 387)، قدم الكاتب شهادة حية عن تجربته كصحفي في قلب الصراع السياسي المغربي الجزائري حول الصحراء، وكشف عن تعقيدات العلاقات بين الصحافة، المخابرات، والسلطة العسكرية. كما أنه تقوق في عرض أجواء الشك والاتهامات المتبادلة في الأوساط السياسية، وأبرز دور شخصيات عسكرية مثيرة للجدل مثل الجنرال الدليمي.
علاوة على ذلك، سلط الضوء على أهمية الإعلام في نقل الأخبار الحصرية وتأثيرها على الرأي العام والسياسة. ووفقا للسياق العام، تناول الكاتب تجربته كصحفي مكلف بمتابعة قضية الصحراء في منظمة الوحدة الإفريقية، حيث كان يتابع الصراع السياسي والدبلوماسي بين المغرب والجزائر وحلفائهما حول قضية الصحراء، مسلطا الضوء على علاقاته بشخصيات عسكرية وسياسية مغربية، خاصة العقيد محمد الصباني والجنرال أحمد الدليمي.
ومن خلال النص الذي جاء تحت عنوان "في رحاب المخابرات"، يدرك القارئ أن العقيد محمد الصباني مستشار إعلامي للجنرال أحمد الدليمي. حاصل على دكتوراه في علم الاجتماع من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وصفه الكاتب كشخصية ودودة، يحسن التواصل مع الصحفيين الأجانب، ويعمل على إقناعهم بمواقف المغرب من قضية الصحراء.
حافظ على علاقة خاصة مع الكاتب، وقدم له معاملة استثنائية في المؤتمرات. كان يتحدث معه بصراحة عن السياسة الداخلية المغربية، وخصوصاً عن الجنرال الدليمي.
بعيدا عن الصورة البراقة التي كان الصباني يسوقها عن الدليمي، كان سي باحدو يعرف أنه
شخصية عسكرية بوليسية قاسية، متهمة بالتورط في تعذيب مناضلين سياسيين، وباغتيال المهدي بنبركة. كانت تربطه علاقات بإسرائيل، وتستبد به شهوة جمع المال، بينما ظل الملك الحسن الثاني يتغاضى عن جشعه و"لهطته". وكان الدليمي صاحب فكرة إقامة الجدار الرملي في الصحراء، الذي عزز مكانته في الوسط العسكري.
خلال هذه السطور، يعيد الكاتب تذكيرنا بأن علاقة متوترة ربطته باليازغي، مدير جريدة "المحرر"، الذي كان يدافع عن أوفقير، ويرى أن السياسة لا تعرف أصدقاء دائمين بل هي عبارة عن تبادل مصالح. وطلب بالتالي من الكاتب الاستمرار في التواصل مع الصباني.
قام الكاتب برحلة إلى الداخلة على متن طائرة شحن عسكرية، حيث تبادل أطراف الحديث مع الصباني عن الأوضاع السياسية والاقتصادية، وأبدى رأيه في حزب الاتحاد الاشتراكي والجنرال الدليمي. ونتيجه لهذه العلاقة، نشرت جريدة "المحرر" أخباراً ذات مصداقية عن إقامة الجدار الرملي في الصحراء، وهو مشروع عسكري أمني مهم.
إلا أن مريدي اليازغي اتهموا الكاتب بأنه عميل للمخابرات، مما دفعه لقطع علاقته بالجريدة.
هكذا قدم سي باحدو استقالته من الجريدة بعد انقطاع الأخبار الحصرية عن ملف الصحراء. انتابه آنذاك شعور بأنه أخطأ بعد قطع العلاقة، واعترافه بأنه كان يجب أن يتواصل مع عبد الرحيم بوعبيد.
أظهر الكتاب معالم الصراع السياسي والدبلوماسي الحاد في مؤتمرات منظمة الوحدة الإفريقية، وكيف كان الإعلام والديبلوماسية جزءاً من هذا الصراع. كما كشف عن دور الجنرال الدليمي والمخابرات في توجيه السياسة الداخلية والخارجية، خصوصاً في ملف الصحراء.
وعلى الرغم من أن جريدة "المحرر" كانت لسان حال حزب معارض، إلا أنها كانت تحصل على معلومات حصرية من داخل دوائر السلطة، مما يثير تساؤلات عن العلاقة بين المعارضة والمخابرات.
وقد بين سي باحدو كيف أن الولاءات السياسية ليست ثابتة، وأن هناك مصالح تتغير، كما عبر اليازغي عن ذلك. بيد أن الكاتب تعرض لاتهامات بالعمالة للمخابرات، وهو ما يعكس أجواء الشك وعدم الثقة في الأوساط السياسية والإعلامية.
في الصفحتين المواليتين، حكى لنا سي باحدو عن تجربته الشخصية مع معلم يدعى بوغالب العطار، الذي انضم إلى جريدة "الاتحاد الاشتراكي" بعد سماح السلطة للحزب بإصدارها في ماي 1983. وصف الكاتب العطار كشخص ضعيف فكرياً ولغوياً، لا يملك ثقافة أو مستوى تعليما كافٍيا، لكنه حاول التسلل إلى الجريدة والتقرب منها، معبراً عن استعداده للمساعدة رغم ضعف كتاباته.
وبما أن علاقة الكاتب بمناضلين من الشمال كانت متينة، وكان هؤلاء قد أوصوه خيرا بالعطار عند انتقاله إلى الدار البيضاء. ورغم محاولاته، كان الكاتب يرفض مقالاته بسبب ضعفها، لكنه كان يعيد كتابتها ويقرأها عليه لتشجيعه.
وذكر سي باحدو حادثة سقوط العطار وإصابته بكسور على مستوى إحدى قدميه، مما أثار تعاطف أعضاء هيئة التحرير، مع تعليق ساخر عن مدى قدرة العطار على الكتابة بعد إصابته.
لاحقاً، كلف اليازغي بوغالب بالاتصال بالكاتب لمعرفة رغبته في العودة إلى الجريدة بتسميتها الجديدة، مع تقديم استمارة تحقيق بوليسي. الكاتب عبّر عن رفضه لهذا الأسلوب ورفض العمل في جريدة تخضع لتوجيهات الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى وجود مخبرين بين أعضاء التحرير.
كان الكاتب متيقناً من أن بوغالب سيبلغ الأجهزة الأمنية بكل ما قاله، واصفاً إياه بالجاسوس بالفطرة، مع ذكر أن بوغالب لم يكن محبوباً حتى من أقرب الناس إليه، وكان يتملق المسؤولين ليرتقي سلم المناصب، حتى أصبح برلمانياً ثم سفيراً في كوبا، لكن تم إعفاؤه بعد وفاة من رب نعمته.
ويختتم الكاتب تقريره مشيرا إلى أن بوغالب ليس الوحيد الذي جحد الكاتب فضله، وأن هناك آخرين ممن ساعدهم مادياً وأدبياً لكنهم خانوه، مع إشارة إلى "الخسة الإنسانية" كما يقول الشاعر أمل دنقل.
في نهاية المطاف، رفض الكاتب العمل في جريدة تخضع للأجهزة الأمنية، مؤكدا أن علاقته بالحزب وصحافته انتهت بسبب هذه الظروف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق