جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

خطيئة اليسار تجاه فلسطين: في زمن الإفراج عن جورج عبد الله*الرفيق محمد السفريوي

 خطيئة اليسار تجاه فلسطين: في زمن الإفراج عن جورج عبد الله*الرفيق محمد السفريوي

الإفراج عن المناضل الأممي جورج إبراهيم عبد الله، بعد أكثر من أربعة عقود من السجن في الزنازين الفرنسية، لا لشيء إلا لأنه اختار أن يكون مع فلسطين، مع عدالة قضيتها، ومع حق شعبها في التحرر الكامل من الاستيطان الصهيوني.
ما يجب على اليسار أن يتوقف عليه مليا ليس رمزية الإفراج فحسب، بل عن نموذج المقاومة الذي يمثّله جورج عبد الله: صلابة فكرية، وضوح في الموقف، ثبات لا يلين أمام الضغوط والمساومات، وإيمان بأن تحرير فلسطين ليس شعارًا نرفعه، بل موقعا نحتله في قلب معركة تحرر شاملة، لا تنفصل عن مواجهة الإمبريالية والرأسمالية والأنظمة التابعة.
في هذا السياق، نعيد طرح سؤال موجِع: ماذا تبقى من خطاب اليسار العربي تجاه فلسطين و يليق برمز كجورج؟
ولنكن واضحين منذ البداية: لسنا هنا بصدد مناقشة التصور الإيديولوجي لليسار أو تحليله النظري لطبيعة الصراع، فذلك مقام آخر. إن ما يعنينا هو خطابه الإعلامي وسلوكه الميداني، أي صورته في المجال العمومي، وهي الصورة التي تشكّل الرأي العام وتؤسس لتمثلات الجماهير حول القضايا العادلة، وعلى رأسها فلسطين.
لقد كانت فلسطين، لعقود، رافعة أساسية للوعي السياسي العربي. ورغم غياب وعي شعبي عريض قادر على إدراك العلاقة الجدلية بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، تشبت اليسار بخطاب واضح و هو أن معركة فلسطين لا تُخاض ضد الاحتلال فقط، بل ضد منظومة أوسع من الرجعية والتخلف والتبعية.
هذا الوعي أنتج، في فترات سابقة، خطابا نسقيا واضحا، يربط الصهيونية بالإمبريالية، ويطرح تحرير فلسطين ضمن مشروع تحرر الإنسان العربي من كل أشكال القهر. لكن هذا الخطاب انكسر أو تراجع أو صمت في مرحلة لاحقة، فصار إعلام اليسار اليوم – في أغلبه – صوتًا باهتا، مترددا، يساير المزاج العام ويجاري خطابات لا تنتمي لمرجعيته، بل أحيانا تُعاديه.
اختار كثير من اليساريين التواري خلف الشعارات الفضفاضة أو المجاملة السياسية، تجنبا للصدام مع الخطابات الدينية أو الشعبوية، وخوفًا من فقدان الشعبية أو الاتهام بـ"الخيانة" أو "العلمنة". وبذلك تخلوا عن أدواتهم النظرية والرمزية، وتركوا الساحة لمن يحتكر القضية باسم الطائفة أو المذهب ....
في المقابل، كان جورج عبد الله، من زنزانته، أكثر وضوحا من كثير من مثقفي الصالونات:
لم يبدّل، لم يساوم، لم ينافق. لم يحدث التباسات خطابية.
ظلَّ ثابتا على مبدأ أن القضية الفلسطينية ليست شأنا قوميّا أو دينيًّا، بل قضية تحرر من أعتى أنظمة القهر والإبادة.
واليوم، في ظلّ المجازر اليومية في غزة، ووسط مشاهد التجويع والإبادة، وانهيار بنية الصمود الجماهيري، لم يعد مقبولًا أن يواصل اليسار العربي مراوغاته، أو يختبئ خلف البيانات العامة أو يكتفي بالفرجة العاجزة.
فلسطين في هذه اللحظة، لا تحتاج إلى شهود عزاء، بل إلى من يعيد بعث خطاب مقاوم، عقلاني، جذري، شجاع.
خطاب لا يساوم على المعاني، ولا يبرر التجاوزات، ولا يتهرب من معركة الصدام مع الأنظمة التابعة، والخطابات الرجعية، والتحالفات الملتبسة.
خطاب يربط بين النضال ضد الصهيونية والنضال ضد الاستبداد، ويعيد لفلسطين موقعها في صلب المعركة ضد الإمبريالية والهيمنة.
جورج عبد الله يخرج اليوم حرًّا، مرفوع الرأس، لأنه جسّد المعنى الحقيقي للنضال التقدمي، بكل وضوحه وجرأته وتكلفته. وعلى هذا اليسار الذي يتلعثم اليوم في مواقفه، أن يستلهم من هذا الرجل الثبات والصراحة، لا فقط تمجيده بعد خروجه.
اليسار الحقيقي يقاس بقدرته على الانحياز الصريح في لحظة الحسم، وعلى شجاعة التعبير عن قناعاته، دون مواربة، في وجه كل خطاب يستبدل جوهر المقاومة بسطحيتها، ويحوّل فلسطين إلى معركة لاهوتية.
فإما أن يستعيد اليسار صوته، أو ليصمت إلى الأبد.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *