بيان صادر عن لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات
بيان صادر عن لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات
تواصل لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات تتبعها الدقيق والمستمر للأوضاع الصعبة التي يعيشها الإقليم، في ظل توالي الكوارث الطبيعية، واستمرار مظاهر التهميش والإقصاء، وتفاقم معاناة الساكنة جراء غياب تدخلات حكومية منصفة وفعالة.
وانطلاقاً من مسؤوليتها الأخلاقية والمدنية، وإيماناً منها بحق ساكنة الإقليم في الكرامة والإنصاف والتنمية العادلة، تعلن اللجنة للرأي العام المحلي والوطني ما يلي:
أولاً: كارثة الفيضانات واستمرار سياسة التجاهل والتهميش
تعبر اللجنة عن استنكارها الشديد لاستمرار تجاهل الحكومة لمطالبها المتكررة، وعلى رأسها الرسالة المفتوحة الموجهة إلى السيد رئيس الحكومة، التي لم تحظَ حتى اليوم بأي تفاعل جدي أو استجابة ملموسة.
وتستغرب اللجنة إصرار الحكومة على عدم تصنيف إقليم تاونات منطقة منكوبة، بدعوى مبررات تقنية وزمنية ضيقة، في تجاهل واضح لحجم الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الفيضانات منذ يناير 2026.
إن تقييم حجم الكارثة لا ينبغي أن يعتمد فقط على معايير زمنية أو تقنية ضيقة، بل يتعين أن يأخذ بعين الاعتبار الآثار الفعلية التي لحقت المواطنين، من فقدان للأرواح، وتدمير للممتلكات والمنازل، وحرمان للأسر من مصادر دخلها، واضطراب للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة.
إن تجاهل هذه النتائج الملموسة لا يعكس حقيقة المعاناة اليومية للمتضررين، ولا يساعد على بلورة استجابة حكومية فعالة ومنصفة، قادرة على جبر الضرر ورفع العزلة عن المناطق المتضررة.
ثانياً: ملف سد الرتبة واستمرار حرمان ذوي الحقوق المسجلين في الشطر الثاني من التعويض
تسجل اللجنة أن ملف سد الرتبة ما يزال يشكل أحد أبرز الملفات الاجتماعية العالقة بإقليم تاونات، بالنظر إلى ما خلفه من آثار مباشرة على عدد من الأسر التي انتزعت أراضيها وممتلكاتها لفائدة المنفعة العامة منذ أزيد من خمس سنوات.
وفي هذا الإطار، توضح اللجنة أن ذوي الحقوق المسجلين ضمن لوائح الشطر الأول سبق أن استفادوا من التعويضات المخصصة لهم، غير أن ذوي الحقوق المسجلين ضمن لوائح الشطر الثاني ما يزالون إلى اليوم محرومين من التعويضات المستحقة، رغم مرور مدة طويلة على انتزاع أراضيهم وممتلكاتهم.
إن هذه الأراضي والممتلكات لم تكن مجرد عقارات، بل كانت تمثل بالنسبة للعديد من الأسر مصدر رزقها الأساسي، وركيزة لاستقرارها الاقتصادي والاجتماعي. فقد فقدت عائلات كثيرة مداخيلها المرتبطة باستغلال الأراضي الفلاحية، خاصة الأراضي المزروعة بالزيتون والحبوب، مما عمّق هشاشتها الاجتماعية وزاد من معاناتها اليومية.
وتعتبر اللجنة أن استمرار تأخر تعويض ذوي الحقوق المسجلين في الشطر الثاني يشكل إخلالاً بمبدأ الإنصاف، ومساساً بحقوق المواطنين، خاصة أن المنفعة العامة لا ينبغي أن تتحقق على حساب كرامة المتضررين واستقرارهم. كما أن هذا التأخر غير المبرر يعمق الإحساس بالحيف والإحباط، ويدفع المتضررين إلى التساؤل المشروع حول أسباب عدم تسوية وضعيتهم إلى حدود اليوم.
وعليه، تطالب اللجنة بالتسوية الفورية والعادلة لوضعية ذوي الحقوق المسجلين ضمن لوائح الشطر الثاني، وصرف التعويضات المستحقة لهم دون مزيد من التأخير، بما يضمن جبر الضرر وإنهاء معاناة المتضررين.
ثالثاً: مشروع سد باب وندر وتهديد استقرار الجماعات المتضررة
تعبر اللجنة عن قلقها البالغ إزاء التداعيات المحتملة لمشروع سد “باب وندر”، بالنظر إلى ما يطرحه من مخاطر على أربع جماعات ترابية، وهي: جماعة بني وليد وجماعة بوهودة وجماعة بوعادل وجماعة فناسة باب الحيط، وتسجل اللجنة، بقلق شديد، عدداً من الاختلالات المرتبطة بتدبير هذا الملف، من أبرزها:
1. غياب الشفافية
لم يتم إلى حدود الساعة الإفصاح الواضح عن السيناريو المعتمد بخصوص مستوى ارتفاع المياه، ولا عن الخرائط التفصيلية للمناطق المهددة بالغمر، خصوصاً مركز بني وليد المهدد بالغمر، مع الإشارة إلى أن باقي الجماعات المعنية توجد مراكزها بعيدة عن مجال الغمر المحتمل، وهو ما يترك عشرات الآلاف من السكان في حالة قلق وترقب وغموض بشأن مصيرهم ومستقبلهم.
2. طريقة غير لائقة في إحصاء المتضررين
تستنكر اللجنة الطريقة التي تم بها استدعاء المواطنين إلى مقهى بمركز بني وليد من أجل تسجيلهم وإحصائهم، بدل انتقال الجهات المعنية إلى الدواوير والمناطق المعنية مباشرة، بما يحفظ كرامة الساكنة ويضمن دقة المعطيات.
3. تجاوز أدوار مكتب الدراسات
تسجل اللجنة باستغراب ما صدر عن بعض المتدخلين من ممارسات استفزازية في حق المواطنين، علماً أن دور مكتب الدراسات يفترض أن ينحصر في دراسة الآثار البيئية والاجتماعية للمشروع، لا في التعامل المباشر مع الساكنة بمنطق الإهانة أو الاستفزاز.
. 4 المسألة المائية ببوعادل
تسجل اللجنة الغموض الذي يلف المسألة المائية ببوعادل، وما يرافقها من قلق مشروع لدى الساكنة بشأن مستقبل مواردها المائية وحقوقها المرتبطة بها. كما تندد باستدعاء بعض الأشخاص الذين عبروا عن رفضهم لهذا الوضع من طرف درك بني وليد، وتعتبر أن التعبير السلمي عن الرأي والمطالبة بالتوضيح لا ينبغي أن يقابلا بأي شكل من أشكال التضييق أو الترهيب.
وعليه، تطالب اللجنة بما يلي:
الإفصاح الفوري عن السيناريو المعتمد لمشروع السد، ونشر الخرائط التوضيحية للمناطق المهددة بالغمر؛
مراجعة السعة التخزينية للمشروع بما يضمن عدم المساس بالمراكز السكنية والتجمعات الآهلة، ولا سيما مركز بني وليد المهدد بالغمر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مراكز باقي الجماعات المعنية بعيدة عن مجال الغمر المحتمل؛
توضيح كل المعطيات المرتبطة بالمسألة المائية ببوعادل، ووقف أي تضييق على المواطنين بسبب تعبيرهم السلمي عن مواقفهم، مع تفعيل مشروع تأهيل النطاق السياحي لبوعادل باعتباره رافعة للتنمية المحلية؛
إعداد برنامج تعويض عادل ومسبق، يتم التوافق حوله مع ممثلي الساكنة قبل انطلاق أي أشغال؛
استخلاص الدروس من الاختلالات التي رافقت ملف سد الرتبة، حتى لا تتكرر نفس المعاناة مع ساكنة باب وندر والمناطق المجاورة.
رابعاً: مزارعو القنب الهندي بين وعود التقنين وممارسات الاحتكار
تتابع اللجنة بقلق كبير الأوضاع التي يعيشها مزارعو القنب الهندي بإقليم تاونات، والذين وجدوا أنفسهم، بعد الوعود المرتبطة بالتقنين والتثمين، أمام واقع جديد مطبوع بالاحتكار، وضعف الشفافية، وتضرر مصالح الفلاحين الصغار.
وقد كشفت المستجدات الميدانية عن فسخ عقود عدد من التعاونيات، الأمر الذي خلق حالة من الغضب والاحتقان وسط المزارعين، ودفع بعضهم إلى التلويح بالعودة إلى السوق السوداء، بعد أن فقدوا الثقة في مسار التسويق القانوني والمنصف.
إن هذا الوضع يهدد بتحويل ورش التقنين من رافعة للتنمية المحلية إلى آلية جديدة لاستغلال الفلاحين وتفقيرهم، بدل إدماجهم في دورة اقتصادية عادلة ومنظمة.
وتطالب اللجنة في هذا الصدد بما يلي:
فتح تحقيق جدي وشفاف في مسار تثمين وتسويق القنب الهندي بالإقليم؛
الكشف عن كل الاختلالات والتلاعبات التي مست حقوق المزارعين؛
مساءلة كل الجهات التي يثبت تورطها في الإضرار بمصالح الفلاحين والتعاونيات؛
ضمان تسويق عادل ومنصف للإنتاج؛
حماية المزارعين الصغار من ممارسات الاحتكار والاستغلال.
خامساً: البنية التحتية والخدمات الأساسية بين الانهيار والعزلة
إلى جانب آثار الفيضانات والمشاريع المائية غير المنصفة، يعاني إقليم تاونات من أزمات هيكلية متراكمة تمس مختلف مناحي الحياة اليومية للساكنة.
وتتمثل أبرز هذه الأزمات في:
1. تدهور البنية التحتية
تعاني العديد من الدواوير من انهيار الطرق والمسالك، خاصة بعد الفيضانات الأخيرة، مما زاد من عزلة الساكنة وصعّب ولوجها إلى المرافق الأساسية والأسواق والخدمات العمومية.
2. أزمة السكن القروي
أدت الفيضانات والهشاشة البنيوية للبناء الطيني إلى انهيار مئات المنازل، في غياب برامج استعجالية وفعالة لإعادة الإيواء أو توفير سكن قروي آمن يحفظ كرامة الأسر المتضررة.
3. تردي الخدمات الصحية
يعاني الإقليم من خصاص كبير في المراكز الصحية، وضعف التجهيزات، ونقص حاد في الموارد البشرية، وهو ما يضاعف معاناة السكان، خاصة في المناطق الجبلية والنائية، ويجعل الحق في العلاج رهيناً بالمسافة والقدرة المادية.
سادساً: التهميش التاريخي والإقصاء الممنهج
تؤكد اللجنة أن ما يعيشه إقليم تاونات اليوم لا يمكن فصله عن مسار طويل من التهميش التاريخي والإقصاء التنموي الذي عانى منه الإقليم لعقود.
فقد ساهم الإقليم بثرواته الطبيعية وأراضيه ومياهه في خدمة مناطق أخرى، خاصة عبر المشاريع المائية الكبرى، في الوقت الذي بقيت فيه ساكنته تعاني العزلة والفقر وضعف البنيات والخدمات.
إن تحويل الإقليم إلى مجرد خزان انتخابي، دون تمكينه من حقه العادل في التنمية، يشكل وجهاً من أوجه الحيف المجالي الذي لم يعد مقبولاً استمراره.
المطالب الختامية للجنة:
انطلاقاً من كل ما سبق، تجدد لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات مطالبتها للسلطات الحكومية والمؤسسات المعنية بما يلي:
صرف تعويضات عادلة ومستعجلة للمتضررين من الفيضانات؛
إنصاف ذوي الحقوق المسجلين ضمن لوائح الشطر الثاني من ملف سد الرتبة، وصرف التعويضات المستحقة لهم فوراً، بعد استفادة ذوي الحقوق المسجلين في الشطر الأول، بما يضمن المساواة في المعالجة وإنهاء معاناة المتضررين؛
مراجعة شاملة لمشروع سد باب وندر، واعتماد السيناريو الأقل ضرراً، مع ضمان حقوق الساكنة قبل الشروع في أي أشغال، وحماية مركز بني وليد من خطر الغمر؛
رفع الغموض عن المسألة المائية ببوعادل، والتنديد بأي استدعاءات أو تضييقات تطال المواطنين بسبب تعبيرهم السلمي عن رفضهم، مع الإسراع بتفعيل مشروع تأهيل النطاق السياحي لبوعادل؛
إنصاف مزارعي القنب الهندي، ووضع حد لممارسات الاحتكار، وضمان تسويق عادل ومنصف لإنتاجهم.
إعداد مخطط إقليمي استعجالي لفك العزلة، يشمل تأهيل الطرق والمسالك المتضررة، وربط الدواوير بالخدمات الأساسية؛
إحداث نظام للإنذار المبكر من الفيضانات، لحماية الأرواح والممتلكات في المناطق المعرضة للخطر.
النهوض بالقطاع الصحي، عبر إحداث مراكز صحية جديدة، وتأهيل المراكز القائمة، وتعزيزها بالأطر والتجهيزات الضرورية؛
إطلاق برنامج للسكن القروي الآمن، يراعي خصوصية البناء المحلي ويحد من هشاشة المنازل الطينية؛
بلورة استراتيجية حقيقية للتنمية الاقتصادية بالإقليم، تقوم على دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتمكين النساء، وتفعيل برامج الجيل الأخضر بمقاربة تشاركية ومنصفة؛
اعتماد مقاربة تشاركية فعلية في كل المشاريع المبرمجة بالإقليم، تقوم على إشراك الساكنة وممثليها في اتخاذ القرار، بدل فرض الأمر الواقع.
وفي الأخير، لا بد من التأكيد أن الأوضاع التي يعيشها إقليم تاونات، بما تحمله من آثار كارثية للفيضانات، وتعثر ملفات التعويض، وتهديدات مشاريع مائية غير واضحة، وتدهور في البنية التحتية والخدمات الأساسية، تكشف عن حاجة ملحة إلى تدخل حكومي عاجل ومسؤول.
إن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بتجاهل معاناة المواطنين أو التعامل مع مطالبهم بمنطق التسويف والصمت، بل تبدأ أولاً بالاعتراف بحجم الضرر، واحترام كرامة الإنسان، وضمان حقه في الإنصاف، والسكن، والصحة، والعيش الكريم.
وتؤكد لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات أن استمرار هذا التجاهل يشكل تنصلاً أخلاقياً وسياسياً من واجب الدولة تجاه مواطنيها، وتجدد عزمها على مواصلة الترافع بكل الوسائل المشروعة إلى حين إنصاف المتضررين ورفع الحيف التاريخي عن الإقليم.
لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات
حرر بتاريخ: 24 يونيو 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق