جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

سلسلة: وجوه من زمن الجمر والرصاص… شهادات حتى لا يتكرر الألم عبد الله زريقة… حين أصبحت القصيدة موضع ريبة بقلم: محمد طالبي

 سلسلة: وجوه من زمن الجمر والرصاص… شهادات حتى لا يتكرر الألم

عبد الله زريقة… حين أصبحت القصيدة موضع ريبة
بقلم: محمد طالبي
"ولدت في غرفة بها صراخ… كيف لا أصرخ؟" — عبد الله زريقة
لم يكن ذلك دفاعا عن النفس، ولا تبريرا لخيار شعري. كان إعلانا بسيطا وعميقا في آنٍ واحد: الكتابة ليست قرارا يتخذه الشاعر، بل هي استجابة حتمية لما تختزنه الروح من صراخ لم يجد طريقه إلى الهواء بعد. وعبد الله زريقة، ابن أحياء القصدير البيضاوية، لم يكتب لأنه أراد — كتب لأنه لم يستطع ألا يكتب.
الدار البيضاء: مدرسة الهامش الأولى
ولد عبد الله زريقة في السادس عشر من ديسمبر 1953 في الدار البيضاء — تلك المدينة التي تنمو فيها العمارات عمودياً بينما ينمو البؤس أفقياً في غرف البيوت المشتركة وأحياء الصفيح. في تلك الغرف الضيقة حيث تتكدس العائلات وتتشابك الأصوات، تشرّب زريقة ما لا تعلمه الكتب: الجسد المتعب، والحلم المؤجل، والكرامة التي تقاوم البهتان بصمت يومي لا يعرفه إلا من عاشه.
الجامعة والحركة الطلابية: حين اختار الانخراط
في جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث درس السوسيولوجيا، انخرط عضويا في نضالات الحركة الطلابية في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب — تلك النقابة التي كانت في سبعينيات القرن الماضي فضاءً حقيقيا للنقاش والتنظيم والمواجهة. لم يكن انخراطه انتهازية سياسية، بل استمراراً طبيعياً لذلك الطفل الذي نشأ في الهامش وفهم مبكراً أن الصمت تواطؤ.
1977: حين قالت القصيدة ما لا تقوله الخطب
في سنة 1977، أصدر عبد الله زريقة ديوانه الأول "رقصة الرأس والوردة". لم يكن بياناً سياسياً مباشراً — كان أخطر من ذلك. حمل لغة شعرية متمردة وصوراً صادمة، وراح يتداول في الأوساط الطلابية والنقابية بوصفه تعبيراً عن روح جيل كامل يشعر بالاختناق ويبحث عن لغة تليق بما يعيشه.
السلطة لا تخاف دائماً من الخطاب السياسي المباشر — أحياناً تخاف أكثر من القصيدة، لأنها تصل إلى مكان لا تصله النشرة الحزبية، وتبقى في الذاكرة أطول مما يبقى البيان.
1978: حين صار التخرج والاعتقال في السنة ذاتها
في سنة 1978، حصل عبد الله زريقة على إجازته في علم الاجتماع. وفي السنة ذاتها، اعتُقل وحُكم عليه بسنتين سجناً. تاريخان في سنة واحدة — شهادة الجامعة وشهادة الزنزانة.
المفارقة وحدها تقول ما لا تقوله الكثير من التحليلات: في مغرب تلك المرحلة، كان التحصيل الأكاديمي والانخراط في الحياة الفكرية والطلابية كافيَين أحياناً لجعل الإنسان موضع ريبة. الأسباب الدقيقة للاعتقال لا تزال بحاجة إلى وثائق قضائية لم تُنشر للعموم. لكن المؤكد أن وجوده في الأوساط الطلابية وديوانه الأول ولغته الشعرية المزعجة — كل ذلك رسم حوله دائرة المراقبة التي طالت كثيراً من أبناء جيله.
السجن: حين تتحول التجربة إلى مادة للتفكير
خرج عبد الله زريقة من السجن ليصدر سنة 1982 ديوانه الثاني "ضحكات شجرة الكلام" — الأكثر اتشاحاً بجرح الاعتقال. لكن المفاجأة أنه لم يحوّل تجربة السجن إلى مادة للشكوى أو الاستعطاف، بل دخل المعتقل شاعراً مشغولاً بالهم السياسي المباشر، وخرج منه أكثر انشغالاً بأسئلة الوجود والحرية والعزلة والمصير الإنساني. كأن الزنزانة لم تتحول لديه إلى موضوع للبكاء، بل إلى مختبر قسري لفهم الإنسان في أقصى حالات عريه وهشاشته.
مسار متواصل: الكتابة كحفر لا ينتهي
واصل زريقة بناء مشروعه الشعري بصمت وعناد: "زهور حجرية" 1983، "فراشات سوداء" 1988، "فراغات مرقعة بخيط الشمس" 1995، "سلالم الميتافيزيقيا" 2000، "إبرة الوجود" 2008. وفي السرد أصدر روايتي "مقبرة السعادة" 1988 و"المرأة ذات الحصانين" 1991. عناوين وحدها تكفي لرسم ملامح شاعر لا يبحث عن الجمال السهل ولا عن الشعار المريح.
وقد لفت هذا المشروع انتباه الأديب الفرنسي الكبير برنار نويل الذي ترجم أعماله إلى الفرنسية — اعتراف دولي نادر بشاعر مغربي اختار العزلة على الأضواء.
الغياب الاختياري: حين يكون الصمت موقفاً
منذ تسعينيات القرن الماضي، اختار عبد الله زريقة التواري عن الأنظار. لا مقابلات كثيرة، ولا حضور في المهرجانات، ولا تصريحات في وسائل الإعلام. يرى بعض النقاد أن هذا الاختيار ليس انسحاباً بل موقفاً — رفض لتحويل الشاعر إلى شخصية عمومية تستهلكها المنصات. وكأنه قرر أن يترك قصائده تتحدث عنه بدل أن يتحدث عن نفسه.
ورغم هذا الغياب، ظل حاضراً في ذاكرة من أحبوه شاعراً وصديقاً ومناضلاً — لا يغير قناعه ولا مواقفه من أجل المواقع والوظائف، مدافعاً عن قيم الإنسان والتحرر والحداثة.
شعره: الكتابة ضد الكتابة
ما يميز زريقة أنه لم يقنع بأن يكون شاهداً على زمنه — أراد أن يفكك اللغة التي يكتب بها أصلاً. يمارس ما يمكن تسميته "الكتابة ضد الكتابة" — كتابة تشك في نفسها وتساءل أدواتها وتحطم البنيات اللغوية التقليدية لتخترع بنية أخرى من رحم الوحشية والصدق.
"حفروا يديَّ بين القصيدة والقصيدة"
جملة تقول في سبع كلمات ما تعجز عنه صفحات من التحليل. هذا الشعر لا يُقرأ بسهولة — يحتاج إلى قارئ مستعد للمشي حافياً فوق أشواك كثيرة، يطلب منه أن يكون شريكاً لا مستهلكاً.
خاتمة: الصراخ الذي لا يهدأ
عبد الله زريقة لم يكن مجرد معتقل سياسي سابق كتب الشعر. كان شاعراً حمل في روحه صراخ أحياء القصدير، وأسئلة جيل كامل، وجرح الزنزانة — ثم حوّل كل ذلك إلى لغة لا تشبه أي لغة أخرى. لم يسمح للسجن بأن يصبح تعريفه الوحيد. ولم يسمح للنضال بأن يختزل شعره في الشعار. واختار حين أراد أن يغيب — لكن قصائده لم تغب.
وربما في هذا وحده ما يكفي لفهم لماذا ترجمه برنار نويل، ولماذا يبقى اسمه حياً في ذاكرة كل من قرأه مرة واحدة: لأن من يكتب بهذا الصدق لا يموت حين يصمت — بل يعيش في الكلمات التي أسقطها خلفه.
ملاحظة: هذا البورتريه محاولة للاقتراب من تجربة عبد الله زريقة الشعرية والإنسانية بأمانة وتوازن، اعتماداً على المصادر المتاحة من دراسات نقدية وشهادات ثقافية. وهو أرضية مفتوحة للإغناء والتصحيح.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *