العزوف الانتخابي ليس لغزا: إنه حصيلة أداء باهت*الرفيق محمد السفريوي
العزوف الانتخابي ليس لغزا: إنه حصيلة أداء باهت*الرفيق محمد السفريوي
قبل كل استحقاق انتخابي، يخرج علينا بعض المتحمسين للمشاركة بأرقام ومعطيات حول أداء البرلمانيين، و يقدموا عدد الأسئلة الكتابية والشفوية الموجهة إلى الحكومة كمعيار للاداء ، كما لو كان الكم إلى معيار وحيد للحكم على الفعالية السياسية. هكذا يصبح طرح مئات الأسئلة فضيلة ، ويصبح البرلمان جيد بمجرد ارتفاع الأرقام في الجداول والإحصائيات. غير أن نظرة سريعة إلى مضمون هذه الأسئلة تكفي لتصحيح هذه الصورة وكشف ندليس هذا المنطق المبسط.
فالقضية ليست في عدد الأسئلة، بل في طبيعتها والشرائح الاجتماعية التي تعبر عنها. هل تنطلق من معاناة الناس الحقيقية؟ هل تلامس القضايا الملحة التي تؤرق المواطن؟ أم أنها مجرد أسئلة إنشائية هدفها تسجيل الحضور الإعلامي وتغذية الأرشيف البرلماني؟ هنا تبدأ الصورة الحقيقية في الظهور.
ولنأخذ جهة الغرب والقنيطرة مثالا. فبحسب الأرقام المتداولة، يتصدر أحد برلمانيي حزب العدالة والتنمية قائمة النواب المنطقة من حيث عدد الأسئلة الموجهة للحكومة بما يقارب 360 سؤالا. لكن عند التدقيق و خصوصا في ما يتعلق بالقطاع الفلاحي، وهو القطاع الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي ويشغل عشرات الآلاف من العمال والعاملات الزراعيين، نجد أن حصيلة سنوات كاملة لا تتجاوز ثلاثة أسئلة فقط، اثنان منها سنة 2025 حول تدهور الغطاء النباتي وملوحة مياه وادي سبو، وسؤال يعود إلى سنة 2021 حول دعم الزراعات المخصصة لإنتاج الزيوت النباتية
إن ما يثير الانتباه ليس ما تم طرحه، بل ما تم تجاهله. فمنطقة الغرب تشهد بشكل شبه سنوي عشرات الإضرابات والاحتجاجات العمالية في الضيعات والوحدات الفلاحية. كما تعرف نزاعات متكررة حول أراضي الجموع والسلاليين، وحالات طرد وتشريد للعمال الزراعيين، إضافة إلى الانتهاكات المستمرة لمدونة الشغل وغياب شروط العمل اللائق. ومع ذلك، تبدو هذه الملفات، التي تمس حياة آلاف الأسر الكادحة، خارج دائرة الاهتمام البرلماني النشيط
هنا تتجلى أزمة التمثيل السياسي في أوضح صورها. فالبرلمان لا يفقد معناه لأن عدد الأسئلة قليل، بل لأنه يتحول إلى فضاء منفصل عن الواقع الاجتماعي، لا تحضى فيه قضايا الصراع الطبقي والتنمية والعدالة الاجتماعية بأسئلة حقيقية تسائل السلطة التنفيذية و اختياراتها الاقتصادية والسياسية القائمة.
طبيعي أن يصبح من الصعب إقناع المواطنين بأن العزوف الانتخابي موقف سلبي . فجزء مهم من المقاطعة يجد تفسيره في هذا الأداء الباهت الذي لا يرى فيه الناس أداة للدفاع عن مصالحهم، ولا مؤسسة قادرة على نقل معاناتهم إلى دائرة القرار العمومي. وعندما يشعر المواطن أن همومه الحقيقية غائبة عن أجندة ممثليه، يصبح الامتناع عن التصويت، في نظره، حكما سياسياً على مؤسسة لم تعد تعكس انتظاراته أكثر مما هو مجرد عزوف عن المشاركة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق