جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

قراءة توثيقية في اعترافات العميل السابق "أحمد البخاري"

خبايا الشرطة السرية وسنوات الرصاص في المغرب


قراءة توثيقية في اعترافات العميل السابق "أحمد البخاري"
(مستوحى من الأرشيف التاريخي لمجلة المجتمع، العدد 1677)

مقدمة: حجر في البركة الراكدة

في نوفمبر من عام 2005، شرعت مجلة "المجتمع" في نشر ترجمة حصرية على حلقات لكتاب العميل السابق في جهاز المخابرات المغربية، أحمد البخاري. وجاءت هذه الخطوة لتسليط الضوء على واحدة من أعقد المراحل السياسية في تاريخ المغرب الحديث، كاشفةً عن وثائق سرية وملفات شائكة ترتبط بانتهاكات حقوق الإنسان، وسرقة المال العام، وجرائم الاختطاف والقتل السيادي.

تعود جذور هذه الأزمة السياسية إلى يونيو من عام 2001، عندما فجّر البخاري قنبلة مدوية عبر تصريحات أدلى بها لصحيفة "لوموند" الفرنسية، اتهم فيها السلطات المغربية بالتورط المباشر في اغتيال الزعيم الاشتراكي والمعارض البارز "المهدي بن بركة" عام 1965، بالتنسيق مع أجهزة أمنية فرنسية ودولية. ولم تقتصر اعترافاته على قضية بن بركة فحسب، بل امتدت لتعرية الحقائق المرتبطة بحقبة "سنوات الرصاص" (الستينيات والسبعينيات)، مشيرًا إلى أدوار مشبوهة لعبها قادة سياسيون ونقابيون تواطؤوا مع الشرطة السرية ضد الحركات المعارضة.

انقسام الرأي العام وظهور السجون السرية

أحدثت هذه الاعترافات غير المسبوقة هزة عنيفة في الأوساط السياسية والشعبية، وانقسم الشارع المغربي بين مشكك في دوافعها ومصدق لروايتها. وحركت هذه الشهادة مياهًا ظلت راكدة لعقود، حيث تعالت أصوات المعتقلين السياسيين السابقين وعناصر الجيش الذين ذاقوا ويلات السجون السرية الرهيبة مثل "تازمامارت"، "قلعة مكونة"، و"درب مولاي الشريف".

طالب الضحايا بفتح تحقيق رسمي وتشكيل لجان لتقصي الحقائق، ومحاكمة المسؤولين عن الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، مع تقديم تعويضات عادلة للضحايا عن سنوات العمر التي هُدرت خلف القضبان. ونتيجة لهذا الحراك، بدأت الصحافة الوطنية في نبش دفاتر الماضي وتوجيه نقد لاذع للسياسات الأمنية التي طبعت فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني (1961 - 1999).

المبادرات الملكية وعقبات "هيئة الإنصاف والمصالحة"

أمام تصاعد الضغوط والمطالبات الحقوقية بضرورة إصلاح تجاوزات الماضي، بادر الملك محمد السادس إلى تأسيس "هيئة الإنصاف والمصالحة" في عام 2004، وعهد إليها بمهمة محددة زمنيًا بـستة أشهر لإحصاء ضحايا تلك الحقبة السوداء وتعويضهم ماديًا. ومع ذلك، لم تحظَ هذه الخطوة برضا كامل من القوى المعارضة والحقوقيين، إذ اعتبروا أن الهيئة تقفز على المطلب الجوهري المتمثل في المساءلة القضائية ومحاكمة المتورطين الذين لا يزال بعضهم يشغل مناصب حساسة في الدولة.

واجهت الهيئة صعوبات جمة وتحديات لوجستية وسياسية حالت دون إتمام أعمالها في الموعد المحدد، مما دفع السلطات إلى تمديد أجل عملها المفتوح دون تحديد سقف زمني نهائي، في محاولة لاستيعاب حجم الملفات الهائل وتفادي تعميق الأزمة السياسية.

ملف "بن بركة" وكتاب "مصالح الدول"

كشف البخاري لاحقاً خبايا جديدة حول قضية المهدي بن بركة، والتي ظلت بمثابة "مغارة مظلمة" يُحظر الاقتراب منها بأوامر ملكية صارمة خلال عهد الحسن الثاني، لدرجة منع عائلة بن بركة المقيمة بفرنسا من دخول البلاد. ولم يُرفع هذا الحظر إلا أواخر عام 2003 عندما سمح الملك محمد السادس لزوجة الزعيم الراحل وأبنائه بالعودة إلى أرض الوطن.

وعلى إثر هذه الاعترافات، فتح القضاء الفرنسي تحقيقاً في القضية، بيد أن السلطات المغربية منعت البخاري من السفر لباريس للإدلاء بشهادته مرتين، وحرمته من الحصول على جواز سفره، بالتزامن مع صدور حكم قضائي محلي بحقه في قضية شيكات بدون رصيد؛ وهي التهمة التي اعتبرها البخاري ومحاموه "ملفقة" وذات دوافع سياسية واضحة تهدف إلى إسكاته ومنعه من إيصال شهادته للمحافل الدولية.

وتوج البخاري هذه السلسلة بإصدار كتابه الشهير: "مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة والجرائم السياسية الأخرى في المغرب". قدّم الكتاب شهادة قاسية لم توفر أحداً، حيث سمى الأشياء بمسمياتها دون تحفظ، وسرد أسماء الشهود والمسؤولين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان والتواطؤ مع الأجهزة السرية.

خاتمة: نحو المصالحة مع الماضي

وعلى عكس كتابه الأول "السر" الذي تعرض للمنع الفوري عام 2001، سمحت سلطات الرقابة بتوزيع كتاب "مصالح الدول" بشكل محدود داخل المغرب. واعتبر المراقبون هذا التغير الطفيف مؤشراً على وعي النظام بضرورة المضي قدماً في طريق المصالحة مع الماضي وتصفية الملفات المنسية لبناء مغرب جديد يتجاوز عقود الجمر والرصاص.

تمتاز كتابات أحمد البخاري بكونها شهادة حيّة عاصر صاحبها تفاصيلها الرهيبة؛ فشخوصها ليسوا من وحي الخيال كأدبيات الجريمة الخيالية، بل هم شخصيات واقعية من لحم ودم، صاغوا بملامحهم وجهاً مظلماً من تاريخ المغرب المعاصر لا تزال تداعياته مستمرة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *