قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
"من وهج الحلم النضالي إلى الانتحار السياسي والتنظيمي للاتحاد"، هذا هو العنوان الذي اختاره عبد الرحمن الغندور لشهادته حول هذا الكتاب الذي قمت بقراءته. ولعلم القارئ الكريم، غطت هذه الشهادة، المؤرخة في 2025/13/31، اربع صفحات انحصرت بين الصفحة (575) والصفحة (578).
قدم الكاتب لشهادة الغندور واصفا إياه بـ"الاتحادي الأصيل" الذي انخرط في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ شبابه. تعرض للملاحقة والاعتقال في زمن الرصاص وظل ماسكا بالجمر ولم يساوم. عندما كان أستاذا مدرسا نشر التنوير والفكر النقدي. وصفه أحد النشطاء المغاربة بالمناضل الذي لم ينحن.
وجد الغندور في الكتاب تشريحا لأزمة استفحلت بدواليب الحزب، وكبرت مثل كرة ثلج، ورأى فيه شهادة نقدية ذاتية تكسر "الصمت التنظيمي" و"ثقافة النسيان".
في تشخيصه للمرض الذي أوهن الحزب إياه، أشار الغندور إلى تآكل الديمقراطية الداخلية، ما حوله من حزب القواعد إلى "أوليغارشية حزبية" تهمش الكفاءات والشباب لصالح الولاءات. في هذا الإطار، ألمح صاحب الشهادة إلى أن الصراعات بين المناضلين لم تعد ذات طابع إيديولوجي، بل انصبت على المواقع والكراسي مما أدى إلى انشقاقات أضعفت البيت الاتحادي.
من أعراض المرض الذي تم تشخيصه والذي ألم بالحزب هناك القطيعة مع التاريخ وما رافقها من تحول من التغيير إلى التدبير، خاصة مع حكومة التناوب التي فرضت عليه الدخول في تحالفات هجينة مع خصوم الأمس.
وفي هذه الأجواء العليلة، انتقلت الأولوية من نشر الوعي إلى الحفاظ على المقاعد. وكانت النتيجة اغترابا وانتحارا، خاصة بعدما تغولت إكراهات السياسة وحققت الغلبة على أخلاقيات النضال، وتحول الحزب من أداة للتغيير إلى أداة لإعادة إنتاج الوضع القائم.
استتبع ذلك صعود منطق الغنيمة والمنصب على حساب المبدإ والخدمة العمومية. فوجد المناضلون أنفسهم أمام خيارين: إما الذوبان في البراغماتية وفقدان الهوية، أو الانسحاب والتحصن بالذاكرة.
وفي تقييمه لأهمية الشهادة التي ضمنها باحدو كتابه، قال الغندور إن الأخير لم يقدم رثاء بل مارس فعل ممانعة ضد الألزهايمر السياسي، رافضا تحويل تاريخ الاتحاد إلى فولكلور سياسي؛ خاصة عندما أكد أن السياسة بلا أخلاق مرادفة لتدبير المصالح، وأن النضال بلا واقعية يساوي انتحارا سياسيا.
في إطار نظرته التقييمية لكتاب "كنت اتحاديا"، أوضح الغندور أنه ليس قطيعة وجدانية، بل محاولة لإعادة كتابة التاريخ بإنصاف الفاعلين واستخلاص الدروس، بناء على أن من لا يملك ذاكرة نقدية، لا يملك مفاتيح مستقبله.
والخلاصة التي انتهى إليها الغندور هي أن الكتاب المقروء يرسم قوسا كاملا يمتد من وهج الحلم النضالي بما يعنيه من تضحية ومبادئ وحزب جماهيري يقوم على المؤسسات، وصولا إلى الانتحار السياسي والتنظيمي المرتبط بتبديد الرأسمال الرمزي للحزب، ومرورا بصقيع الإكراهات المجسدة في الترهل، الانتهازية، بيع التزكيات وتوريث المناصب. ويبقى مغزى الرسالة التي بعث بها باحدو إلى الذين يهمهم أمر الاتحاد هو أن التفريط في البوصلة الأخلاقية مقابل مكاسب عابرة هو ما قتل الحزب من الداخل قبل الضربات الخارجية.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق