قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الخامس والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الخامس والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
وصلنا الآن إلى عنوان يحيل على مسافة حدد منطلقها ومنتهاها: "من محاكمات النضال إلى محاكمات الارتشاء والاختلاس". وإذا اعتبرنا هذا العنوان بمثابة رأس، يحق لنا تصور فقراته الأربعة عبارة عن جسد يغطي حيزا مكانيا يقاس بما يقارب صفحة ونصف (492-493).
يمكن تقسيم هذا النص إلى مجموعة من الأقسام. القسم الأول خاص بزمن الرصاص وما تخللته من محاكمات للأفكار. في هذه المرحلة، كان الاتحاديون خاصة، واليساريون عامة، ملاحقين ومراقبين عبر فتح هواتفهم ورسائلهم رغم أن الدستور ينص على سرية المراسلات. وكانوا آنذاك ممنوعين من السفر بسبب مواقفهم. جرى تقديمهم إلى محاكمات مدنية وعسكرية بتهم التمرد، حمل السلاح، التخطيط للإطاحة بالنظام والمس بأمن الدولة؛ وذلك بهدف إضعاف الاتحاد والقضاء عليه.
القسم الثاني تمحور حول زمن لشكر المؤثث بمحاكمات الفساد. فمع سيطرة لشكر وفتح الحزب في وجه كل من هب ودب، أصبح "مناضلو" الحزب يتابعون بتهم الارتشاء، التزوير في محررات رسمية، أخذ منفعة، تسليم رخص بغير حق، استغلال النفوذ، الغدر، إحداث تجزئات بدون إذن والبناء فوق الملك العام. هذه الاتهامات يصفها الكاتب بأنها "تشرف الحزب الجديد وأعضاءه".
أما القسم الثالث فقد تناول فيه سي باحدو نماذج من المنضالين الجدد، يأتي في مقدمتهم عبد المنعم بن أيوب، الرئيس السابق لبلدية شيشاوة، والذي أنهم بتبديد واختلاس أموال عمومية وتزوير محررات رسمية. يليه عبد القادر البوصيري، البرلماني الاتحادي ونائب رئيس جماعة فاس، الذي حكم عليه بـ8 سنوات سجنا بسبب اختلالات وتلاعبات في الصفقات. ثم هناك محمد أبرشان الملقب بـ"إمبراطور الناظور" والذي حكم عليه ابتدائيا بخمس سنوات سجنا بسبب الرشوة والاستيلاء على منافع وتسليم رخص غير قانونية واستغلال النفوذ. لحسن حظه، برأته محكمة الاستئناف بفاس. وأخيرا، هناك نور الدين آيت الحاج، برلماني قلعة السراغنة الذي أدين بسنة واحدة موقوفة التنفيذ. القسم الرابع والأخير عرض منطق الاستثمار في التزكية، وبرهن على أن الاتحاديين الجدد انكشف أمرهم كتجار في سوق الانتخابات، يشترون التزكية، ويستميلون الأصوات في الحملة بواسطة المال ليس حبا في الوطن، بل للحصول على بطاقة نائب الأمة التي توفر لهم الحصانة، وفتح أبواب الولاة والعمال والوزراء، والحصول على الامتيازات الشخصية والعائلية. وهكذا يسترجعون ما أنفقوه على شراء المقعد مضاعفا.
وتبقى المفارقة هي أن لشگر يرفع عند كل استحقاق شعار "تخليق العمل السياسي مدخل أساسي إلى تنمية مجالية منصفة".
ويمكن ان نقول على سبيل الإيجاز أن الاتحاد الاشتراكي، وا أسفاه، انتقل من تعرض مناضليه للمضايقات والمتابعات بتهم سياسية في زمن الرصاص، إلى محاكمات الارتشاء بتهم جنائية في زمن لشگر أبطالها وافدون جدد. وبعبارة أكثر إيجازا، تحول الاتحاد من مستهدف بسبب مبادئه، إلى مصنع فضائح بسبب من فتح لهم الباب.
في باب التقويم، لا أرى مانعا من التساؤل: كيف لمعلم كلف بتدريس التربية الإسلامية باللغة العربية وأصبح في ما بعد محررا في جريدة "المحرر" ألا يميز في ثنايا كتابه بين كلمتين مختلفتين: "اتجاه" و"تجاه"؟ ولي اليقين أن صاحبتا يجهل الكلمة الثانية؛ وإلا لما استعمل الأولى كبديل عن الثانية.
وإذا كانت حروف الجر تنوب عن بعضها، فهذا لا يشفع له في أن يستعمل حرف الجر "لِ" مكان حرف الجر "إلى"، خاصة إذا استلزم الفعل حرف الجر الثاني، مثل: دعا إلى، انتمى إلى، قدم إلى، إلخ.. ولاعذر للكاتب إذا استعمل لام الجر. وهل تستاغ كتابة كيفما كان موضوعها وجنسها إذا لم تراع الإيقاع الذي غاب تماما عن هذه العبارة: "بسبب اختلالات والتلاعب في الصفقات..."؟ ولو أراد المؤلف الحرص على إيقاع يضفي مسحة جمالية على عبارته تلك لقال: "بسبب اختلالات وتلاعبات في الصفقات..."
انطلاقا من منتصف الصفحة (493) إلى نهاية الاسطر الأربعة التي تتصدر الصفحة التالية، يجد القارئ نفسه أمام هذا العنوان "فضيحة صفقات الدراسات". هنا عرض الكاتب تفاصيل الفضيحة التي سار بذكرها الركبان خلال ربيع ههههه 2024.
انفجرت القضية المرتبطة بصفقة اقتضت مبلغا بقيمة حوالي مليوني درهم. كان المستفيد منها مكتب دراسات في ملكية كل من المهدي مزواري، عضو المكتب السياسي،
وحسن لشكر، نائب رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، ورغد العاقد، قريبة عضو المكتب السياسي أحمد العاقد ومدير الفريق البرلماني بمجلس النواب
صدرت ردود الفعل الداخلية عن قياديين سابقين طالبوا باستقالة الكاتب الأول وإرجاع المبالغ لخزينة الدولة، وهم شقران إمام، عبد المقصود الراشيدي وصلاح المانوزي، واصفين الصفقة إياها بأنها "فضيحة أخلاقية وسياسية".
كما عبرت الشبيبة الاتحادية بفرنسا عن غضبها في بيان 9 مارس 2024، تمت الإشارة طرته إلى أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات "فجر معطيات صادمة تعري ممارسات فاسدة مبنية على المحسوبية والزبونية لجزء كبير من قيادة الحزب والفريق البرلماني". وأكد اعضاء الشبيبة أن الفساد أصبح "منهجية تمارس في غياب أي سلطة رقابية".
كما دخلت حسناء أبو زيد، عضو المكتب السياسي سابقا، على خط الفضيحة معتبرة إياها تمظهرا للانحراف الأخلاقي والمذهبي الشامل منذ "سطو التيار الانتهازي الفاسد على السلطة بدعم من قوى إجهاض المكتسبات الدستورية". وهكذا اصبح الاتحاديون الجدد يوصفون بـ"مسامر الميدة".
باختصار، هذه فضيحة مالية بـمليوني درهم تورطت فيها عائلة لشكر وقيادة المكتب السياسي مباشرة عبر مكتب دراسات خاص بهم. ولم تخرج الاتهامات عن استغلال مواقع الحزب والبرلمان للاستفادة من المال العام بطريقة "زبونية ومحسوبية" بدون رقابة. وهكذا تحول حزب عمر بنجلون من حزب النزاهة والنضال إلى حزب صفقات الأهل والأقارب.
وفي الأخير، لن أختم هذه القراءة الجزئية دون أن أسجل ملاحظة مفادها أن الأخ باحدو لم يذكر اسم حسن نجمي مع شقران إمام وعبد المقصود الراشيدي وصلاح المنوزي الذين عبروا عن موقفهم المندد بصفقة مكتب الدراسات. ولكي يبقى منسجما مع تلفيقاته، ومنها أن مؤلف "رأس الشاعر" ينتمي إلى مدرسة لشكر، أهمل عنوة ذكره مع أن هناك بيانات وقعها القياديون الأربعة، فكيف يجعلهم ثلاثة فقط؟ وهكذا يتبين بالملموس أن هذا الإهمال كان مقصودا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق