علنية التنظيم كشأن عام في فكر لينين: في كتاب "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"محمد السفريوي مع تعليق لNajma Setati
علنية التنظيم كشأن عام في فكر لينين: في كتاب "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"محمد السفريويقدم محمد عابد الجابري لنا إحدى أهم خلاصاته في مشروعه الضخم حول العقل ،و استنتج أن العقل العربي هو عقل قياسي ، يحتاج نصوصا ليقوم باستنباطاته . و يبدو ان حتى يسارنا يشتغل بنفس الميكانيزمات. لذا سأستدعي نصا مرجعيا بالنسبة لمن اعتبر أن نقاش أوراق لم تعتمد بشكل رسمي بدعة أو هرطقة.فإذا كانت المسألة التنظيمية قد شكلت في فكر فلاديمير لينين حجر الزاوية لبناء حزب ثوري من طراز جديد. فإنه قبل صدور كتابه التاريخي "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء" في مايو 1904، كانت الحركات الثورية الروسية غارقة في عقلية "حلقات الهواة"والعمل السري المنعزل .أطروحة لينين المركزية في هذا كتاب تقوم على فكرة جوهرية: التنظيم ليس ملكية خاصة ، وليس لغزاً سرياً يعزل النخبة ، بل هو "شأن عام" محكوم بضوابط مؤسساتية واضحة يخضع لرقابة المؤتمر والعلنية السياسية.و اعتبر علنية النقاش والمحاضر مبدأ تنظيميا كما شدد على أهمية نشر محاضر المؤتمر لتكون كتابا مفتوحا أمام الجميع. يقول لينين: "إن دراسة محاضر المؤتمر لهي أمر لا غنى عنه... إن على رفيقنا أن يتغلب على النفور من تكرار جدال عقيم، وأن يقوم بجهد حقيقي لدراسة المادة الأساسية عن انشقاق حزبنا".كما ميز بين "السرية الأمنية" و"العلنية التنظيمية" و غالبا و لجهل يُساء فهم لينين بالاعتقاد أنه أراد حزبا سريا بالكامل. هنا يجب العودة إلى جذور أطروحته والتفريق الدقيق الذي وضعه بين مستويين (وهو ما فصله سابقاً في كتاب ما العمل؟ عام 1902 وجسّده عملياً في خطوة إلى الأمام. إذ اعتبر أن السرية التكتيكية وهي ضرورة أمنية بحتة لإخفاء هويات الأعضاء والمطابع عن عيون المخابرات القيصرية . و يقول لينين موضحا هذا المفهوم في أدبياته التنظيمية: "إن السرية إزاء الشرطة لا تمنع الشفافية إزاء الحزب. التنظيم هو فضاء عام ، تحكمه معايير مكتوبة وقوانين منضبطة، وليس أهواء القيادة، وبمجرد أن تنتهي معركة التصويت، يصبح القرار ملكاً عاماً للحزب يجب تنفيذه".كما اعتبر التنظيم شأنا عاما يفترض فيه أن تناقش الخلافات الفكرية في العلن وليس في الغرف المغلقة:كما اعتبر النقد العلني أداة تصحيح: في خاتمة كتابه "خطوة إلى الأمام"، يرفض لينين التستر على عيوب الحزب وانشقاقاته، ويعتبر أن إخراج الخلاف إلى العلن هو مظهر صحي للشأن العام: "إن الحزب البروليتاري لا يخاف من الاعتراف بأخطائه، ونحن نضع خلافاتنا علناً أمام الطبقة العاملة لأننا نثق في وعيها الجماعي، والتنظيم القوي هو الذي يتطهر بالنقد العلني".لذا رجاء لكل من يعتبر نقاش أوراق نظرية يخضع لأسلوب السرية عليه أن يقدم أدلته النصية من نصوص مرجعية معتبرة و يقيم حجته أو ليعترف بأنه لا يملكها و ليصمت....
قرأتُ مساهمة أحد أعضاء المرحلة باهتمام، لأنها تحاول إضفاء بعدٍ نظري على وثائق المؤتمر. غير أن القراءة المتأنية تكشف بعض المغالطات المنهجية التي تستحق النقاش.أولى هذه المغالطات هي الاحتكام إلى النص بدل الاحتكام إلى الحصيلة؛ إذ ينصرف الجهد إلى مقارنة الصياغات بين الوثيقتين، بينما يغيب السؤال الجوهري: ماذا أنجزت هذه الأطروحات في الواقع؟ فالنظرية لا تُقاس بما تضيفه من مفاهيم، بل بقدرتها على تفسير الواقع وتغييره.وثانيها حصر الأزمة في البناء النظري، وكأن تعثر المشروع مرده فقط إلى مفهوم "التشكيلة الاجتماعية". بينما التجربة خلال السنوات الماضية تفرض أسئلة أكثر إلحاحًا: أين بلترة الحزب التي كانت التزامًا معلنًا؟ أين مشروع توحيد الماركسيين؟ أين التنظيمات القطاعية التي تقلصت أو اختفت؟ وأين الامتداد الفعلي وسط العمال والكادحين؟وثالثها الفصل بين النظرية والممارسة. فالتشكيلة الاجتماعية ليست تمرينًا فكريًا مجردًا، بل أداة لتوجيه التنظيم، وبناء التحالفات، وتحديد المهام. فإذا لم ينعكس التطور النظري على الأداء السياسي والتنظيمي، بقي مجرد تطوير في اللغة لا في الواقع.سياسيًا، لا تُقاس المؤتمرات بعدد الصفحات التي تضيفها إلى الوثائق، بل بقدرتها على مراجعة المسار وتصحيح الأخطاء. فالوثائق تُكتب بالحبر، أما شرعيتها فتُكتب بالحصيلة.ولذلك، لعل ما نحتاجه اليوم ليس رسالةً إلى الماضي، بل رسالة إلى الغد؛ رسالة تقول إن الوفاء للمشروع لا يكون بتكرار النصوص، بل بامتلاك الشجاعة لمساءلة التجربة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل النقد والنقد الذاتي من مبدأ مكتوب إلى ثقافة تنظيمية وممارسة يومية.فما يُدوَّن في الوثائق قد يُنسى، أما ما يُنجز في الواقع فهو وحده ما يبقى شاهدًا... ويكتبه الزمن..
Najma Setati
ويبقى السؤال الذي لم أجد له جوابًا: إذا كانت الحياة الداخلية سليمة كما يُقال، فلماذا يتكرر منذ سنوات خروج رفاق ومناضلين ذوي تجربة، ولماذا تتكرر الانتقادات نفسها في كل محطة تنظيمية؟ هل المشكلة دائمًا في الأشخاص، أم أن هناك خللًا بنيويًا يستحق المراجعة؟إن التنظيم الذي لا يمارس النقد الذاتي بجرأة، ويكتفي بالدفاع عن نفسه في كل مرة، قد يتحول مع الزمن إلى تنظيم تديره الذهنية نفسها والوجوه نفسها، بدل أن يكون فضاءً لتجديد الفكر والقيادة. وهذه هي القضية التي ينبغي أن يناقشها المؤتمر، بعيدًا عن الشخصنة والتخوين ..
علنية التنظيم كشأن عام في فكر لينين: في كتاب "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"محمد السفريوي
قدم محمد عابد الجابري لنا إحدى أهم خلاصاته في مشروعه الضخم حول العقل ،
و استنتج أن العقل العربي هو عقل قياسي ، يحتاج نصوصا ليقوم باستنباطاته . و يبدو ان حتى يسارنا يشتغل بنفس الميكانيزمات. لذا سأستدعي نصا مرجعيا بالنسبة لمن اعتبر أن نقاش أوراق لم تعتمد بشكل رسمي بدعة أو هرطقة.
فإذا كانت المسألة التنظيمية قد شكلت في فكر فلاديمير لينين حجر الزاوية لبناء حزب ثوري من طراز جديد. فإنه قبل صدور كتابه التاريخي "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء" في مايو 1904، كانت الحركات الثورية الروسية غارقة في عقلية "حلقات الهواة"والعمل السري المنعزل .
أطروحة لينين المركزية في هذا كتاب تقوم على فكرة جوهرية: التنظيم ليس ملكية خاصة ، وليس لغزاً سرياً يعزل النخبة ، بل هو "شأن عام" محكوم بضوابط مؤسساتية واضحة يخضع لرقابة المؤتمر والعلنية السياسية.
و اعتبر علنية النقاش والمحاضر مبدأ تنظيميا كما شدد على أهمية نشر محاضر المؤتمر لتكون كتابا مفتوحا أمام الجميع. يقول لينين: "إن دراسة محاضر المؤتمر لهي أمر لا غنى عنه... إن على رفيقنا أن يتغلب على النفور من تكرار جدال عقيم، وأن يقوم بجهد حقيقي لدراسة المادة الأساسية عن انشقاق حزبنا".
كما ميز بين "السرية الأمنية" و"العلنية التنظيمية" و غالبا و لجهل يُساء فهم لينين بالاعتقاد أنه أراد حزبا سريا بالكامل. هنا يجب العودة إلى جذور أطروحته والتفريق الدقيق الذي وضعه بين مستويين (وهو ما فصله سابقاً في كتاب ما العمل؟ عام 1902 وجسّده عملياً في خطوة إلى الأمام. إذ اعتبر أن السرية التكتيكية وهي ضرورة أمنية بحتة لإخفاء هويات الأعضاء والمطابع عن عيون المخابرات القيصرية .
و يقول لينين موضحا هذا المفهوم في أدبياته التنظيمية: "إن السرية إزاء الشرطة لا تمنع الشفافية إزاء الحزب. التنظيم هو فضاء عام ، تحكمه معايير مكتوبة وقوانين منضبطة، وليس أهواء القيادة، وبمجرد أن تنتهي معركة التصويت، يصبح القرار ملكاً عاماً للحزب يجب تنفيذه".
كما اعتبر التنظيم شأنا عاما يفترض فيه أن تناقش الخلافات الفكرية في العلن وليس في الغرف المغلقة:
كما اعتبر النقد العلني أداة تصحيح: في خاتمة كتابه "خطوة إلى الأمام"، يرفض لينين التستر على عيوب الحزب وانشقاقاته، ويعتبر أن إخراج الخلاف إلى العلن هو مظهر صحي للشأن العام: "إن الحزب البروليتاري لا يخاف من الاعتراف بأخطائه، ونحن نضع خلافاتنا علناً أمام الطبقة العاملة لأننا نثق في وعيها الجماعي، والتنظيم القوي هو الذي يتطهر بالنقد العلني".
لذا رجاء لكل من يعتبر نقاش أوراق نظرية يخضع لأسلوب السرية عليه أن يقدم أدلته النصية من نصوص مرجعية معتبرة و يقيم حجته أو ليعترف بأنه لا يملكها و ليصمت....
قرأتُ مساهمة أحد أعضاء المرحلة باهتمام، لأنها تحاول إضفاء بعدٍ نظري على وثائق المؤتمر. غير أن القراءة المتأنية تكشف بعض المغالطات المنهجية التي تستحق النقاش.
أولى هذه المغالطات هي الاحتكام إلى النص بدل الاحتكام إلى الحصيلة؛ إذ ينصرف الجهد إلى مقارنة الصياغات بين الوثيقتين، بينما يغيب السؤال الجوهري: ماذا أنجزت هذه الأطروحات في الواقع؟ فالنظرية لا تُقاس بما تضيفه من مفاهيم، بل بقدرتها على تفسير الواقع وتغييره.
وثانيها حصر الأزمة في البناء النظري، وكأن تعثر المشروع مرده فقط إلى مفهوم "التشكيلة الاجتماعية". بينما التجربة خلال السنوات الماضية تفرض أسئلة أكثر إلحاحًا: أين بلترة الحزب التي كانت التزامًا معلنًا؟ أين مشروع توحيد الماركسيين؟ أين التنظيمات القطاعية التي تقلصت أو اختفت؟ وأين الامتداد الفعلي وسط العمال والكادحين؟
وثالثها الفصل بين النظرية والممارسة. فالتشكيلة الاجتماعية ليست تمرينًا فكريًا مجردًا، بل أداة لتوجيه التنظيم، وبناء التحالفات، وتحديد المهام. فإذا لم ينعكس التطور النظري على الأداء السياسي والتنظيمي، بقي مجرد تطوير في اللغة لا في الواقع.
سياسيًا، لا تُقاس المؤتمرات بعدد الصفحات التي تضيفها إلى الوثائق، بل بقدرتها على مراجعة المسار وتصحيح الأخطاء. فالوثائق تُكتب بالحبر، أما شرعيتها فتُكتب بالحصيلة.
ولذلك، لعل ما نحتاجه اليوم ليس رسالةً إلى الماضي، بل رسالة إلى الغد؛ رسالة تقول إن الوفاء للمشروع لا يكون بتكرار النصوص، بل بامتلاك الشجاعة لمساءلة التجربة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل النقد والنقد الذاتي من مبدأ مكتوب إلى ثقافة تنظيمية وممارسة يومية.
فما يُدوَّن في الوثائق قد يُنسى، أما ما يُنجز في الواقع فهو وحده ما يبقى شاهدًا... ويكتبه الزمن..
Najma Setati
ويبقى السؤال الذي لم أجد له جوابًا: إذا كانت الحياة الداخلية سليمة كما يُقال، فلماذا يتكرر منذ سنوات خروج رفاق ومناضلين ذوي تجربة، ولماذا تتكرر الانتقادات نفسها في كل محطة تنظيمية؟ هل المشكلة دائمًا في الأشخاص، أم أن هناك خللًا بنيويًا يستحق المراجعة؟
إن التنظيم الذي لا يمارس النقد الذاتي بجرأة، ويكتفي بالدفاع عن نفسه في كل مرة، قد يتحول مع الزمن إلى تنظيم تديره الذهنية نفسها والوجوه نفسها، بدل أن يكون فضاءً لتجديد الفكر والقيادة. وهذه هي القضية التي ينبغي أن يناقشها المؤتمر، بعيدًا عن الشخصنة والتخوين ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق