عن كلمة “العمال” كوصف عام لكل من يتقاضى أجرا. الرفيق محمد السفريوي
أصاب بعض الاوساط المنتسبة للماركسية ، ميلا كسولا و تبسيطا نظريا مخلا ، و ذلك باستعمالها كلمة “العمال” كوصف عام لكل من يتقاضى أجرا. فاصبح الموظف الإداري، والمدرس ، والحرفي المأجور وأستاذ الجامعة، والعامل الصناعي، كتلة اجتماعية واحدة لها الموقع التاريخي نفسه والمصالح نفسها والوعي نفسه. بينما هذا التعميم ليس فقط خطأً سوسيولوجيا، بل هو خفة نظرية و تبسيطا مخلا في فهم الماركسية ذاتها.
لقد كان كارل ماركس دقيقا في استعمال مفهوم البروليتاريا. ففي بؤس الفلسفة، وهو يرد على بيير جوزيف برودون، لم يكن النقاش مجرد خلاف اقتصادي حول القيمة أو التبادل، بل كان أيضاً صراعا بين أفقين طبقيين مختلفين: أفق البروليتاريا الصناعية الحديثة، وأفق البرجوازية الصغيرة والحرفيين.
ماركس لم يعتبر كل مأجور بروليتاريا بالمعنى التاريخي والسياسي. البروليتاريا عنده ليست مجرد وضعية مرتبطة بالأجر و بامتلاك وسائل الانتاج ، بل موقع تاريخي داخل نمط الإنتاج الرأسمالي الكبير. ولهذا أعطى للطبقة العاملة الصناعية مكانة مركزية، لأنها الطبقة التي تتشكل داخل الإنتاج الجماعي الحديث، حيث يصبح التناقض مع الرأسمال مباشرا و واضحا، وحيث يخلق هذا النمط شروط التنظيم السياسي و والوعي الجماعي.
أما الحرفي، أو الموظف، أو الفئات الوسطى المأجورة، فغالبا ما تحمل وعيا مختلفا ، لأنها تعيش تناقضا مختلفا. فهي تخشى الرأسمال الكبير، لكنها تخشى أيضا فقدان الامتيازات الفردية الصغيرة . ولذلك رأى ماركس في برودون تعبيرا عن هذا الأفق الاصلاحي الذي يحلم بإصلاح الرأسمالية لا تجاوزها.
حين نختزل الماركسية في معادلة ساذجة تقول إن “كل أجير عامل”، فإننا لا نكون قد وسعنا مفهوم الطبقة العاملة، بل نكون قد فرغناه من مضمونه التاريخي. لأن الطبقات لا تعرّف فقط بالدخل أو بالأجر، بل بعلاقتها بوسائل الإنتاج، وبموقعها داخل عملية الإنتاج، وبالأفق السياسي الذي تنتجه شروط وجودها.
إن تحويل “العمال” إلى توصيف فضفاض لكل المأجورين يشبه تحويل كلمة “الشعب” إلى كتلة أسطورية بلا تناقضات. وفي الحالتين نغادر التحليل المادي الملموس نحو خطاب عاطفي مريح لكنه عقيم .
الخلط هذا : “كل الأجراء عمال” لا يعكس راديكالية ثورية، بل يكشف عجزا نظريا عن فهم التحولات الطبقية وتعقيد البنية الاجتماعية الحديثة. فليس كل من يبيع قوة عمله يمتلك الموقع التاريخي نفسه، ولا المصالح نفسها، ولا الأفق السياسي نفسه.
و اخيرا أرجو من أي صياغة جدية لادبياتنا ان تتصف بالتدقيق لا تكتفي بالتعميم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق