مدخل إلى تشخيص المرحلة: ماذا تقول لنا خريطة الاحتجاجات عن طبيعة المرحلة؟الرفيق محمد السفريوي
مدخل إلى تشخيص المرحلة: ماذا تقول لنا خريطة الاحتجاجات عن طبيعة المرحلة؟
يصر لينين، في أكثر من مقال، على أن تحديد شكل و طبيعة التنظيم لا يسبق تشخيص المرحلة، بل يؤسس عليه. فالأداة السياسية ليست وصفة جاهزة، وإنما هي استجابة واعية لطبيعة التناقضات السائدة، وللقوى الاجتماعية التي تتحرك داخلها. لذلك، فإن أي حديث عن بناء التنظيم أو تحديد مهامه، دون قراءة دقيقة للواقع الملموس، يتحول إلى إنشاء سياسي أكثر منه تحليلا ماركسيا .
ومن بين المداخل لتشخيص المرحلة، رصد طبيعة الاحتجاجات نفسها: من يحتج؟ حول ماذا يحتج؟ وما هي الفئات الاجتماعية التي تصنع الحركة في الشارع؟ لأن الحركة الاجتماعية ليست مجرد رد فعل، بل هي التعبير الأكثر وضوحا للتناقضات التي بلغت مستوى الفعل.
في حالة المغرب خلال السنوات الأخيرة، نجد أن لغة الأرقام نفسها تفرض علينا مراجعة كثير من المسلمات. فالتقارير السنوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وغيرها من هيئات الرصد تشير إلى وقوع ما بين خمسة آلاف وأحد عشر ألف شكل احتجاجي وتجمع سلمي سنويا، و هو ما يعكس حيوية اجتماعية كبيرة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحول عميق في طبيعة الفاعلين والمطالب.
فالمشهد الاحتجاجي اليوم لا تقوده الإضرابات العمالية داخل مواقع الإنتاج كما كان عليه الحال عندما تبنى لينين تنظيما سياسيا طليعيا تقوده هيئة أركان، وإنما تصنعه تنسيقيات التعليم، وطلبة الطب والصيدلة، والأطر الصحية، واحتجاجات الماء وفك العزلة، وسكان المناطق المتضررة من الجفاف أو الزلازل، والوقفات ضد غلاء المعيشة، إضافة إلى المسيرات التضامنية مع فلسطين التي استقطبت مختلف الفئات الاجتماعية. إننا أمام فسيفساء من المطالب الحقوقية والمجالية والخدماتية والمعيشية، أكثر مما نحن أمام حركة عمالية تدور حول الصراع داخل علاقات الإنتاج.
وهنا يبرز تحدي نظري في غاية الأهمية. فمن غير المنهجي أن نستمر في توصيف المرحلة بكونها مرحلة احتدام الصراع الطبقي، أو أن نتحدث بسهولة عن بناء الأداة السياسية تقودها الطبقة العاملة، بينما هاته الأخيرة، تكاد تكون غائبة عن مركز المشهد الاحتجاجي. فالماركسية لا تبني استنتاجاتها على الرغبات أو على النصوص المجردة، وإنما على التحليل الملموس للواقع الملموس. وإذا كان العمال لا يقودون اليوم الموجة الاحتجاجية، فإن هذه الحقيقة ليست حكما نهائيا عليهم، ولا نفيا لدورهم التاريخي، وإنما هي معطى موضوعي ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند تشخيص المرحلة.
إن تجاهل هذه الحقيقة يقود إلى مفارقة خطيرة: الحديث عن أداة سياسية معينة لا تجد حاملها الاجتماعي الفعلي. فالسياسة الثورية ليست فن اختراع طبقات غير مؤثرة في الميدان، بل فن التفاعل مع التكوين الاجتماعي كما هو، والعمل على تطويره. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نبني حزبا للطبقة العاملة؟ بل: ما هي البنية الاجتماعية الفعلية للحركة الاحتجاجية اليوم؟ وكيف يمكن إنتاج أداة سياسية قادرة على التفاعل مع هذه التركيبة، والمساهمة في تطوير وعيها وتنظيمها؟
إن الاحتجاجات الحالية لا تعني اختفاء التناقضات الطبقية، لكنها تعني أن هذه التناقضات تتجلى، في هذه المرحلة، عبر أشكال جديدة: أزمة الخدمات العمومية، والعدالة المجالية، والحق في الماء، والتعليم، والصحة، والسكن، والكرامة، وغلاء المعيشة. وهي قضايا تتقاطع فيها فئات اجتماعية متعددة، ولا يمكن اختزالها في الثنائية الكلاسيكية بين الرأسمالي والعامل.
لذلك، فإن أول مهمة أمام أي مشروع يسعى إلى إعادة بناء ذاته ليست البحث عن الشعارات الكبرى، بل إنجاز تشخيص دقيق للبنية الاحتجاجية والاجتماعية الراهنة. فمن دون هذا التشخيص، يصبح النقاش حول التنظيم مجرد جدل شكلي، وتتحول الأوراق السياسية إلى نصوص إنشائية تعيد إنتاج مفاهيم قد تكون صحيحة نظرياً، لكنها لا تعبر عن التناقض الرئيسي الذي يحكم الواقع. أما المنهج الماركسي، فقد كان دائماً أكثر تواضعاً وأكثر صرامة: يبدأ من الواقع، لا من التصورات المسبقة، لأن طبيعة المرحلة هي التي تحدد طبيعة الأداة، وليس العكس.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق