الحزب الشيوعي السوداني*الحزب الشيوعي السوداني
الذكرى ال55 لانقلاب 19 يوليو 1971
ذكرى الشهداء، وصمود الحزب، وانتصار قضية الديمقراطية
الميدان 4491،، الثلاثاء 21 يوليو 2026م.
تحلُّ علينا ذكرى التاسع عشر من يوليو، فتعود إلى الذاكرة واحدةٌ من أكثر المحطات تعقيدًا وألمًا في التاريخ السياسي السوداني الحديث. وهي ذكرى يستعيدها الشيوعيون السودانيون بوصفها مناسبةً امتزجت فيها دماء الشهداء بصفحات الصمود، وتحولت فيها المأساة إلى درسٍ سياسي عميق أسهم في إعادة صياغة رؤية الحزب لقضايا الديمقراطية والصراع السياسي، وترسيخ قناعته بأن إرادة الجماهير هي الطريق الوحيد لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية.
في هذه الذكرى، تنحني الهامات إجلالًا لشهداء الحزب الشيوعي السوداني من المدنيين: عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، الذين واجهوا الموت بثباتٍ نادر، وبذلوا أرواحهم ثمنًا لمواقفهم الفكرية والسياسية، في واحدةٍ من أبشع حملات البطش السياسي التي عرفها السودان.
والتحية للشهداء: هاشم العطا، وبابكر النور، وفاروق حمد الله، وعثمان أبو شيبة، وعبد المنعم الهاموش، ولكل رفاقهم من شهداء الحركة، من الضباط وضباط الصف والجنود، من الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين العسكريين الذين انحازوا إلى ما اعتقدوه واجبًا وطنيًا، ودفعوا أرواحهم ثمنًا لذلك. لقد كانوا أبناء هذا الشعب، وستظل ذكراهم جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية، مهما اختلفت التقييمات السياسية للأحداث التي أحاطت بها.
ونقف كذلك بإجلال أمام آلاف الشيوعيين والديمقراطيين الذين ملأت بهم المعتقلات والسجون بعد هزيمة الحركة، والذين واجهوا أبشع صنوف التعذيب والمطاردة والتشريد، والفصل من الخدمة، والتنكيل بأسرهم. لقد كانت الحملة التي أعقبت يوليو 1971 مشروعًا فاشيًا متكاملًا استهدف استئصال الحزب الشيوعي السوداني من الحياة السياسية والفكرية والتنظيمية، غير أن الحزب أثبت، بفضل تضحيات عضويته ودعم جماهير الشعب السوداني، أنه تنظيمٌ عميق الجذور، لا يمكن أن يُمحى بالمشانق، ولا بالسجون، ولا بالمراسيم الاستثنائية، فخرج من المحنة أكثر صلابةً، وأوثق ارتباطًا بقضايا الجماهير.
لقد ظلت طبيعة أحداث التاسع عشر من يوليو، وما ارتبط بها من وقائع، موضوعًا لكثيرٍ من السجال السياسي والتاريخي. غير أن ما تؤكده الوقائع الثابتة هو أن الحركة، منذ لحظة قيامها وحتى لحظة هزيمتها، لم تتخذ نهجًا قائمًا على التصفية الجسدية لخصومها السياسيين. ويكفي دليلًا على ذلك أنها نجحت في اعتقال معظم أعضاء مجلس قيادة انقلاب مايو 1969، وأبقتهم أحياءً تمهيدًا لمحاكمتهم، حتى الساعات الأخيرة من سقوطها. ومن ثم، فإن الاتهامات التي ربطت الحركة بمجزرة بيت الضيافة ظلت موضع توظيفٍ سياسي ومكايداتٍ تاريخية، ولم تُحسم بما يقطع الجدل. ولذلك، فإن الواجب الوطني والقانوني يقتضي فتح جميع الوثائق المتعلقة بتلك الأحداث، بعيدًا عن الدعاية السياسية التي صاحبت سنوات القمع، حتى تُعرف الحقيقة كاملة.
ومن هنا، يتجدد مطلبنا بالكشف الكامل عن ملفات المحاكمات العسكرية الاستثنائية التي أُجريت لشهداء الحركة، ونشر وثائقها للرأي العام، والإعلان عن أماكن دفن جميع الشهداء الذين ما زالت قبور عددٍ منهم مجهولة حتى اليوم. فليس من حق أي سلطة أن تحتكر التاريخ أو أن تُخفي الحقيقة. إن معرفة الحقيقة حقٌ للشعب، وحقٌ لأسر الشهداء، وشرطٌ لا غنى عنه لتحقيق العدالة الوطنية والمصالحة الصادقة مع التاريخ.
لقد خرج الحزب الشيوعي السوداني من تلك التجربة بدروسٍ سياسية بالغة العمق. فقد أكدت التجربة أن قضية الديمقراطية لا تُحسم بوسائل استثنائية، وأن بناء الدولة الوطنية الديمقراطية لا يتم إلا بالنضال الجماهيري الواسع، والتنظيم الجماهيري، والعمل السياسي العلني، والتحالف مع القوى الديمقراطية، والاحتكام إلى إرادة الشعب وحدها.
ومن هذا المنطلق، بلور الحزب موقفه المبدئي الراسخ الرافض لجميع أشكال الانقلابات العسكرية، كما رفض، بالقدر نفسه، الانقلابات المدنية التي تلتف على الإرادة الشعبية والقانون عبر المؤامرات، أو التسويات الفوقية، أو الاستقواء بالمؤسسة العسكرية، أو التدخلات الأجنبية، أو خرق الدستور. فالديمقراطية لا تُختزل في تغيير الحكام، وإنما تُبنى بإرادة الجماهير، وصيانة الحريات، وسيادة حكم القانون، واستقلال القرار الوطني.
واليوم، بينما يعيش السودان إحدى أخطر مراحله بفعل الحرب المدمرة، وتعدد مراكز السلاح، وانهيار مؤسسات الدولة، تبدو دروس يوليو أكثر حضورًا وإلحاحًا من أي وقت مضى. فلا سبيل إلى إنقاذ الوطن إلا بإنهاء الحرب، ورفض عسكرة السياسة، وقطع الطريق أمام جميع مشاريع الهيمنة والاستبداد، وبناء أوسع جبهة جماهيرية ديمقراطية قاعدية، قوامها طلائع القوى السياسية المنحازة لثورة ديسمبر، ولجان المقاومة، والنقابات الديمقراطية، وتنظيمات النساء والشباب، لتكون الأداة السياسية والتنظيمية لقيادة نضال الشعب السوداني من أجل السلام والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق