كيف تُصنع الشائعات وتنتشر كالنار في أوقات الأزمات؟
كيف تُصنع الشائعات وتنتشر كالنار في أوقات الأزمات؟
يخبرنا التاريخ الإنساني أن الكلمة المهموسة في الأذن قد تكون أشد فتكا من الجيوش الجرارة. استخدم الإمبراطور الروماني نيرون الشائعات لتأليب الرأي العام ضد خصومه، واعتمد جنكيز خان على بث الرعب عبر جواسيسه لنشر أساطير حول وحشية التتار، مما دفع المدن للاستسلام قبل وصول جيوشه إليها. هذه الوقائع تكشف عن بنية سيكولوجية معقدة تجعل من المجتمعات البشرية وسطا قابلا لإنتاج واستهلاك وتمرير الأخبار غير الموثقة، خاصة في اللحظات التي يهتز فيها الاستقرار الاجتماعي.
يعرّف جوردون ألبورت وليو بوستمان الشائعة بأنها قضية أو عبارة نوعية مطروحة للتصديق، تتناقلها الأفواه من شخص إلى آخر دون أن يصاحبها أي معايير أو أدلة موثوقة تؤكد صحتها. هذا التعريف يضعنا أمام مفارقة الإدراك البشري؛ فالإنسان يبحث عن المعنى واليقين، وعندما تغيب المعلومات الرسمية الدقيقة، يعمد العقل الجمعي إلى سد هذا الفراغ المعرفي بأي قصة متاحة تبدو منطقية أو متوافقة مع مخاوفه ورغباته.
صاغ ألبورت قانونا رياضيا لتفسير الديناميكية الخفية التي تحكم سرعة انتشار الشائعات، ينص على أن قوة الشائعة (ش) تساوي حاصل ضرب أهمية الموضوع (أ) في مدى الغموض الذي يكتنفه (غ). تعني هذه المعادلة (ش = أ × غ) أن الشائعة لا تنمو إلا في بيئة يتوفر فيها شرطان متلازمان: أن يكون الحدث بالغ الأهمية للأفراد، وأن تكون المعلومات المحيطة به ضبابية أو متناقضة. ففي أوقات الأزمات كالكوارث الطبيعية، ترتفع أهمية النجاة إلى الحد الأقصى، وإذا ترافقت هذه الأهمية مع تعتيم إعلامي أو غياب للمصادر الموثوقة، يصبح المجتمع بيئة مهيأة لانفجار الشائعات. أما إذا كان أحد هذين العاملين صفرا، سواء بانعدام الأهمية أو بتوفر شفافية كاملة، فإن الشائعة تموت في مهدها.
تتخذ الشائعات أنماطا حركية متباينة تعكس طبيعة القلق الاجتماعي الكامن، ويمكن توزيعها وفق تصنيف حركي إلى ثلاثة مسارات. فهناك "الشائعة الحابية" التي تتطور ببطء وتُهمس في السر، وغالبا ما تحمل مشاعر عدائية مكبوتة تتنامى تدريجيا. وهناك "الشائعة الغاطسة" التي تنتشر ثم تختفي فجأة لتعود وتطفو على السطح عندما تتكرر الظروف المشابهة، كما يحدث في الشائعات المتكررة حول تسميم الآبار أو الأغذية في أزمنة الحروب المتفرقة. وتبقى "الشائعة الاندفاعية" التي تشتعل كالنار في الهشيم، وتترافق غالبا مع الكوارث والانفعالات كالغضب العارم أو الرعب الجماعي.
قدّم روبرت كناب في عام 1944 إطارا تحليليا آخر يفكك الشائعات بناء على الدوافع السيكولوجية الكامنة وراءها، فقسّمها إلى ثلاثة أنواع رئيسية. تأتي في مقدمتها "شائعة دق الإسفين"، وهي الأكثر انتشارا بحسب هذا التصنيف، إذ تهدف إلى بث التفرقة وتفتيت التماسك الاجتماعي، وتتغذى على الكراهية والعصبيات. يليها النوع الثاني وهو "شائعات الخوف" أو البُعبع، التي تترجم حالات القلق والرهاب الجماعي وتتنبأ بكوارث وهمية تعكس هشاشة الأفراد النفسية. ويكتمل التصنيف بـ"شائعات الأماني والأحلام"، وهي آلية تعويضية يلجأ إليها الأفراد لتخيل انتصارات أو مكاسب لا رصيد لها في الواقع المادي.
لا تنتقل الشائعة من شخص إلى آخر كما هي، بل تخضع لعمليات تزييف لاشعورية مستمرة. ترصد تجارب ألبورت وبوستمان ثلاث آليات نفسية تتدخل في صياغة الشائعة أثناء انتقالها. أولاها "التسوية"، حيث تميل القصة إلى فقدان الكثير من تفاصيلها الأصلية وتصبح أقصر وأكثر إيجازا ليسهل تذكرها. وتليها "الإبراز"، وتتمثل في انتقاء عدد محدود من التفاصيل المثيرة أو الغريبة وتضخيمها والتركيز عليها على حساب السياق العام. وتبقى الآلية الثالثة، وهي "التمثيل"، الأكثر عمقا من سابقتيها، إذ تعني إعادة صياغة الشائعة وتطويعها لتتطابق مع التحيزات الثقافية والاعتقادات المسبقة والرغبات المكبوتة للشخص الذي ينقلها، بحيث تصبح الشائعة مرآة تعكس سيكولوجية ناقلها أكثر مما تعكس الحدث الأصلي.
إن انتشار الشائعة هو انعكاس لحاجة سيكولوجية لدى الجماهير لفهم بيئة مضطربة. ينخرط الأفراد في تداول الشائعات لمحاولة استعادة السيطرة الوهمية على واقع منفلت، وتبرير انفعالاتهم، وإسقاط مخاوفهم الداخلية على تهديدات خارجية متخيلة، مما يجعل الشائعة أداة تشخيصية دقيقة لقراءة أمراض المجتمع وهواجسه الدفينة.منقول

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق