وثيقة الحزب الشيوعي الهندي ( الماوي ) : الصين من اشتراكية إلى امبريالية اجتماعية ▪️ سليمان أحمد ..
وثيقة الحزب الشيوعي الهندي ( الماوي ) :
الصين من اشتراكية إلى امبريالية اجتماعية
▪️ سليمان أحمد ..
خلال الأيام الماضية، دارت على موقع مشروع أورورا على شبكة النيت، وعلى صفحة المشروع على الفيسبوك نقاشات عميقة حول التجربة الصينية ومستقبلها .
ولم يقتصر الجدل على السؤال التقليدي : هل الصين اشتراكية أم رأسمالية ..؟
بل امتد ليشمل طبيعة الدولة وعلاقات الإنتاج والسوق ودور الحزب الشيوعي، وموقع الصين في النظام الرأسمالي العالمي، وموقفها من الأممية وقضايا الشعوب .
ولتسليط مزيد من الآراء على هذه التجربة، سأعرض وثيقة هامة صدارة عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الهندي ( الماوي )، تحت عنوان : الصين من الاشتراكية إلى الامبريالية الاجتماعية .
وهي من ترجمة ابراهيم يونس عام 2021 منشورة في كتاب ( صين اشتراكية أم كوكب اشتراكي ودور الثلاثي الثوري ) للدكتور عادل سمارة .
في شهر أيار مايو من عام 2017 بادرت اللجنة المركزية للحزب، إلى تكليف مجموعة من الباحثين والاقتصاديين باعداد دراسة حول موضوع محدد : هل أصبحت الصين قوة امبريالية أم لا ..؟ وبعد نقاش طويل استمر لسنوات داخل الحزب تم اقرار الوثيقة باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الهندي الماوي .
وتعد هذه الوثيقة، من أكثر الوثائق الماركسية إحاطة في نقد التجربة الصينية، فهي لا تنطلق من موقف سياسي عابر، بل تحاول بناء تحليل يستند إلى نظرية لينين في الإمبريالية وإلى نقد ماو تسي تونغ للتحريفية، لتصل إلى نتيجة واضحة مفادها أن الصين لم تعد دولة اشتراكية ولا حتى مجرد دولة رأسمالية، وإنما أصبحت قوة إمبريالية ( اجتماعية ) .
ولا تكمن أهمية الوثيقة في النتيجة التي تصل إليها فقط، بل في الطريقة التي تبني بها استدلالها، إذ تربط التحولات الاقتصادية الداخلية بالتوسع الخارجي، وتعتبر أن الإمبريالية ليست سياسة خارجية، بل نتيجة منطقية لتطور علاقات الإنتاج الرأسمالية .
الانعطاف التاريخي بعد وفاة ماو
ترى الوثيقة أن نقطة التحول الحاسمة بدأت بعد انتصار خط دنغ شياو بينغ، الذي أعاد الاعتبار لقانون السوق وألغى تدريجياً أسس الاقتصاد الاشتراكي .
وتحدد أبرز التحولات في : تفكيك الكومونات الزراعية وإعادة الزراعة الفردية، وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة، والانضمام إلى صندوق النقد والبنك الدوليين
ودمج الاقتصاد الصيني تدريجياً في السوق الرأسمالية العالمية .
وتعتبر الوثيقة أن هذه الإجراءات لم تكن مجرد إصلاحات تقنية، وإنما مثلت انتقالاً تدريجياً من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد رأسمالي .
إعادة بناء علاقات الإنتاج الرأسمالية
تركز الوثيقة على أن المعيار الأساسي ليس حجم القطاع العام، وإنما علاقات الإنتاج، وتسوق عدداً من المؤشرات : ( خصخصة واسعة للشركات، تسريح عشرات الملايين من عمال القطاع العام، إلغاء نظام العمل مدى الحياة، تعميم نظام العقود، وإعادة هيمنة قانون القيمة، تحول المؤسسات إلى شركات تبحث عن الربح )
وبذلك ترى الوثيقة أن قوة الدولة لا تنفي الطبيعة الرأسمالية إذا أصبحت الدولة نفسها أداة لإدارة عملية التراكم الرأسمالي .
صعود البرجوازية الجديدة ..
تؤكد الوثيقة أن الإصلاحات أفرزت طبقة رأسمالية جديدة داخل الصين، وتشير إلى :
تضخم القطاع الخاص، ظهور كبار المليارديرية، اتساع الفوارق الطبقية، تراجع المكاسب الاجتماعية التي حققتها الثورة، انتشار البطالة وعدم المساواة والفساد .
وترى أن هذه الظواهر ليست انحرافات عرضية، بل نتائج طبيعية لعودة الرأسمالية .
لماذا تعتبر الوثيقة الصين دولة إمبريالية ...؟
تستند الوثيقة مباشرة إلى السمات الخمس للإمبريالية التي حددها لينين :
تمركز وتركز الرأسمال وتصاعد الاحتكار
اندماج الرأسمال الصناعي والمالي وتشكيل الرأسمال المالي
أولوية تصدير رأس المال على تصدير السلع
اقتسام الأسواق
الصراع بين القوى الكبرى
وترى أن الصين تحقق هذه السمات بدرجات متفاوتة
وتستشهد بـ : الاستثمارات الضخمة في أفريقيا، شراء الموانئ، السيطرة على المناجم
التوسع في القروض الخارجية، مبادرة الحزام والطريق، تصدير الشركات الصينية لرؤوس الأموال .
ومن ثم تعتبر الوثيقة أن الصين أصبحت تمارس شكلاً جديداً من التوسع الرأسمالي العالمي .
إفريقيا كنموذج ..
تخصص الوثيقة مساحة واسعة للعلاقات الصينية الإفريقية، وترى أن الصين تبحث عن المواد الخام،
وتفتح أسواقاً جديدة لبضائعها وتمنح قروضاً مرتبطة بمصالحها وتهيمن على مشاريع البنية التحتية
وتستخدم شركاتها العملاقة لتعزيز نفوذها الاقتصادي .
وتعتبر أن الفرق بينها وبين الإمبريالية الغربية ليس في الجوهر، وإنما في الأسلوب .
الدولة أم رأس المال ..؟
ومن أكثر القضايا إثارة للاهتمام في الوثيقة أنها ترفض الحجة القائلة إن ملكية الدولة الواسعة تعني بقاء الاشتراكية .
فمن وجهة نظرها، إذا أصبحت مؤسسات الدولة تعمل بمنطق الربح والمنافسة وتراكم رأس المال، فإن طبيعة الملكية لا تغير من طبيعة النظام .
وتستعيد مقولة ماو الشهيرة :
( إن صعود التحريفية يعني صعود البرجوازية إلى السلطة )
أي أن البرجوازية قد تحكم عبر جهاز الدولة نفسه .
وترى الوثيقة أنه رغم احتفاظ الدولة بدور قوي في الاقتصاد، لم تعد تمثل ديكتاتورية البروليتاريا، بل دولة رأسمالية تستخدم أدوات الدولة لإدارة عملية التراكم الرأسمالي وهو ما تسميه الوثيقة الامبريالية الاجتماعية أي الاشتراكية في الخطاب والرأسماية في الممارسة، ومصطلح ( الامبريالية الاجتماعية ) مأخوذ من ماو تسي تونغ .
وفي الختام ..
تبقى القيمة الأساسية لهذه الوثيقة أنها تعيد طرح السؤال الجوهري الذي يجب أن يشغل كل نقاش ماركسي لينيني حول الصين :
أين تسير علاقات الانتاج، في اتجاه اشتراكي، أم أن منطق تراكم رأس المال أصبح هو القوة المحركة الأساسية للاقتصاد والمجتمع ...؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق