هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ مراجعة في أزمة النموذج.. لماذا اختارت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية؟ » محمد علوش*وقراءة نقدية للموضوع
هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ مراجعة في أزمة النموذج..
لماذا اختارت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية؟
» محمد علوش*
منذ بدايات القرن العشرين، شكَّل اليسار العربي أحد أبرز روافد حركة التحرر الوطني، وأسهم في مقاومة الاستعمار، والدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدم تضحيات كبيرة في سبيل بناء مجتمعات أكثر حرية وإنصافاً، غير أن هذا التاريخ، بكل ما يحمله من نضال وعطاء، لا يعفيه من مساءلة تجربته الفكرية والسياسية، ولا يحجب حقيقة أن إحدى أعمق أزماته تمثلت في عجزه عن إنتاج مشروع نظري عربي مستقل، يستمد شرعيته من واقع مجتمعاتنا، ويجيب عن أسئلتها الخاصة، بدل الاكتفاء باستعارة الإجابات التي صاغتها تجارب أخرى في سياقات تاريخية مختلفة.
فاليسار، في جوهره، ليس ذاكرة نضالية، ولا مجموعة من الشعارات، بل مشروع تاريخي مفتوح لإعادة تنظيم المجتمع على أسس الحرية والعدالة والمشاركة، وعندما يتوقف هذا المشروع عن إنتاج المعرفة، ويتحول إلى مجرد حارس للنصوص أو مفسر لها، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير في الواقع، مهما كان تاريخه مشرفاً.
لقد عرف اليسار العربي مدارس فكرية متعددة، وتأثر بالتجربة السوفيتية، ثم الصينية، ولاحقاً بالاشتراكية الديمقراطية الأوربية، كما تابع تجارب أمريكا اللاتينية، ولم يكن هذا التفاعل خطأ في ذاته؛ فالفكر الإنساني يتطور بالحوار والتبادل، لكن المشكلة بدأت عندما تحولت الاستفادة إلى تبعية، والاجتهاد إلى اقتباس، والمرجعيات إلى نصوص مغلقة، بينما غاب السؤال الأهم: ماذا يحتاج المجتمع العربي فعلاً؟
ومن هنا بقي السؤال المؤجل يلاحق اليسار العربي: لماذا لم ينتج نموذجاً اشتراكياً عربياً، كما أنتجت الصين اشتراكيتها ذات الخصائص الصينية، وطورت فيتنام تجربتها الوطنية، وبلورت أوربا صيغها الديمقراطية الاجتماعية؟
لقد أثبت التاريخ أن الأفكار الكبرى لا تعيش بالنسخ، بل بالتجدد، وما من تجربة ناجحة إلا وكانت ابنة واقعها، لا نسخة من واقع غيرها.
لقد ظل العالم العربي، في معظم مراحله، مستهلكاً للنظريات أكثر منه منتجاً لها، وكان التغيير أن بقيت الأحزاب اليسارية تتحرك داخل خرائط فكرية رسمها آخرون، بينما كانت مجتمعاتها تواجه تحديات مختلفة جذرياً: الاحتلال، والاقتصاد الريعي، وضعف التصنيع، والبطالة، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وأزمات الدولة الوطنية، والتحولات الديموغرافية، والثورة الرقمية، وتغير بنية الطبقات الاجتماعية.
إن هذه التحولات لا يمكن مقاربتها بـ "وصفات جاهزة"، فالنظرية التي لا تولد من الواقع تتحول، مع الزمن، إلى عبء عليه.
ولعل أخطر ما واجهه اليسار العربي أنه انشغل طويلاً بحراسة المرجعيات أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة، فتحول النقاش في كثير من الأحيان إلى دفاع عن النصوص، بينما كان الواقع يطرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة قبل نصف قرن.
فلم يعد العامل هو الصورة الكلاسيكية نفسها، ولم تعد الدولة هي الدولة ذاتها، ولم يعد الاقتصاد يقوم على المصنع وحده، بل دخل عصر المعرفة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإنتاج العالمية، ومع ذلك، بقي جزء من الخطاب اليساري العربي أسير أدوات تحليل تنتمي إلى زمن آخر.
ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية ليست أزمة تنظيمات، ولا أزمة انتخابات، بل أزمة نموذج.
والنموذج لا يعني تغيير المصطلحات، بل إنتاج رؤية متكاملة للدولة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والبيئة، والابتكار، والعدالة الضريبية، والتحول الرقمي، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية.
وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا السؤال بعداً أكثر تعقيداً، فالاحتلال لم يصادر الأرض فقط، بل أعاد تشكيل الاقتصاد، وأضعف التنمية، وعمَّق التبعية، وفرض أولويات وطنية ضاغطة جعلت سؤال التحرر يتقدم على كثير من الأسئلة الاجتماعية، من دون أن يلغيها.
وهنا برزت معضلة اليسار الفلسطيني، فقد نجح في أن يكون جزءاً أصيلاً من حركة التحرر الوطني، لكنه وجد نفسه، شأنه شأن اليسار العربي، أمام ضرورت مراجعة أدواته الفكرية، حتى لا يتحول إلى شاهد على التحولات بدل أن يكون شريكاً في صناعتها.
ومن بين التجارب التي استحقت التوقف عندها، تبرز تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ليس لأنها تدعي امتلاك الحقيقة، وإنما لأنها خاضت مراجعة فكرية هادئة، انطلقت من سؤال بالغ الأهمية: هل يكفي أن نحافظ على الشعارات القديمة، أم أن الوفاء الحقيقي للفكر الاشتراكي يقتضي إعادة إنتاجه في ضوء الواقع الفلسطيني والعربي الجديد؟
لقد جاءت مراجعات الجبهة نتيجة مسار طويل من الحوار الداخلي والقراءة النقدية، ولم تكن استجابة ظرفية لتحولات دولية أو إقليمية، فقد أدركت أن قوة الحزب لا تقاس بمدى تمسكه بالمفاهيم القديمة، وإنما بقدرته على تطويرها، وإعادة تعريفها، وتحويلها إلى سياسات قابلة للحياة.
ومن هنا، لم يكن اختيار الاشتراكية الديمقراطية انتقالاً من ضفة أيديولوجية إلى أخرى، ولا تراجعاً عن المبادئ المؤسسة، بل كان تعبيراً عن قناعة فكرية بأن الاشتراكية ليست عقيدة مغلقة، وإنما مشروع إنساني متجدد، يتغير بتغير المجتمع، ويعيد صياغة أدواته كلما تغيرت شروط التاريخ.
لقد انطلقت الجبهة من فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق من دون ديمقراطية، وأن الديمقراطية تفقد معناها إذا لم تقترن بالعدالة الاجتماعية، فلا حرية حقيقية مع الفقر والإقصاء، ولا مساواة فعلية في ظل الاحتكار والتمييز، ولا تنمية مستدامة من دون مشاركة سياسية ومؤسسات قوية.
لكن القيمة الفكرية لتجربة الجبهة لا تكمن فقط في تبني مفهوم الاشتراكية الديمقراطية، بل في المنهج الذي قاد إلى هذا الخيار، فقد رفضت أن تكون أسيرة ثنائية جامدة بين اقتصاد السوق المنفلت والدولة الشمولية، وسعت إلى بلورة تصور يقوم على دولة اجتماعية ديمقراطية، واقتصاد منتج، وعدالة ضريبية، وحماية للعمال والفئات الهشة، وتشجيع المبادرة والابتكار، وربط التنمية والمعرفة.
وفي هذا الإطار، أعادت الجبهة النظر في مفهوم اليسار نفسه، فلم تعد ترى اليسار تعبيراً عن طبقة واحدة بالمعنى التقليدي، وإنما مشروعاً اجتماعياً واسعاً يضم العمال، والموظفين، والمعلمين، والمهنيين، والمزارعين، والمرأة، والشباب، ورواد الأعمال المنتجين، والمثقفين، وكل الفئات التي تتقاطع مصالحها مع بناء مجتمع ديمقراطي عادل ومنتج.
إن هذا التحول لا يعني التخلي عن جوهر الفكر الاشتراكي، بل تحريره من الجمود، وإعادته إلى مهمته الأصلية: الدفاع عن الإنسان، وصون كرامته، وتوسيع فرصه في التعليم والعمل والصحة والمشاركة.
كما أدركت الجبهة أن القضية الفلسطينية نفسها لا يمكن اختزالها في بعدها الوطني وحده، فالإشراك الوطني يحتاج إلى مشروع اجتماعي يحيي المجتمع من التفكك، ويعزز صموده، ويبني اقتصاداً قادراً على مقاومة التبعية، ويؤسس لدولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة والعدالة.
ومن هنا، فإن تجربة الجبهة تمثل محاولة فلسطينية لإنتاج قراءة جديدة للاشتراكية، تستفيد من التجارب العالمية، لكنها لا تستنسخها، وتستوعب التراث ماركسي، لكنها لا تتعامل معه بوصفه نصاً مغلقاً، بل باعتباره تراثاً نقدياً قابلاً للتطوير.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن يستفيد منه اليسار العربي، فالقضية ليست اختيار مرجعية جديدة، وإنما امتلاك القدرة على إنتاج المرجعية انطلاقاً من الواقع العربي نفسه.
إن العالم يشهد اليوم تحولات غير مسبوقة؛ فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وأزمات المناخ، والتحولات الديموغرافية، وإعادة تشكيل سوق العمل، كلها تفرض على اليسار أن يعيد تعريف مفاهيم العمل والإنتاج والملكية والعدالة والدولة، ولا يمكن لأي يسار أن يستعيد حضوره إذا ظل يقرأ هذه التحولات بأدوات القرن الماضي.
إن المهمة المطروحة أمام اليسار العربي اليوم ليست الدفاع عن الماضي، بل إنتاج المستقبل؛ مستقبل يقوم على الاستقلال الفكري، ويحرر العقل العربي من التبعية النظرية، ويؤسس لاشتراكية ديمقراطية عربية تستلهم القيم الإنسانية الكبرى، لكنها تنطلق من واقعها الوطني والاجتماعي.
إن تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني لا تقدَّم هنا باعتبارها نموذجاً مكتتملاً أو نهاية للنقاش، بل باعتبارها محاولة جادة لفتح باب الاجتهاد، وكسر منطق النقل، وإعادة الاعتبار للفكر بوصفه عملية إنتاج لا استهلاك، وللنقد بوصفه شرطاً للتجديد لا خروجاً على المبادئ، ولذلك، فإن أهمية هذه التجربة لا تكمن في أنها أجابت عن جميع الأسئلة، بل في أنها تجرأت على طرح الأسئلة الصحيحة: وهي أسئلة تتجاوز فلسطين إلى مجمل اليسار العربي: كيف نبني حزباً ينتج المعرفة؟ وكيف نصوغ مشروعاً وطنياً واجتماعياً في آن واحد؟ وكيف نوفق بين الحرية والعدالة، وبين الاقتصاد المنتج والحماية الاجتماعية، وبين الهوية الوطنية والانفتاح على التجربة الإنسانية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل اليسار العربي، فالأحزاب لا تقاس بما ورثته من أفكار، بل بما تضيفه إليها، والمشروعات الكبرى لا تولد من تكرار الماضي، بل من القدرة على إعادة قراءته ونقده وتجاوزه.
إن اليسار العربي لن يستعيد مكانته التاريخية بمجرد استحضار أمجاد القرن العشرين، وإنما عندما يمتلك الشجاعة الفكرية لإنتاج مشروع عربي مستقل، يجعل من الاشتراكية مشروعاً للتحرر الوطني، والديمقراطية السياسية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.
ولعل تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، بما حملته من مراجعات واجتهادات، تمثل إحدى المحاولات العربية الجادة في هذا الاتجاه؛ فهي لا تدّعي الكمال، لكنها تؤكد أن المستقبل لا يصنعه من يكرر الأفكار، بل من يمتلك الجرأة على إنتاجها.
عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني*
من مراجعة الأزمة إلى بناء المشروع: حوار مع محمد علوش حول مستقبل اليسار العربي
تشكّل الورقة الفكرية التي كتبها الأستاذ محمد علوش بعنوان «هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ مراجعة في أزمة النموذج… لماذا اختارت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية؟»، والمنشورة في جريدة «النور» السورية، الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري الموحّد، في العدد 1208، يوم الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026، مساهمة جدية تستحق القراءة والنقاش والبناء عليها.
لا تنبع أهمية الورقة من كونها تقدم إجابات نهائية عن أزمة اليسار العربي، بل من جرأتها في إعادة طرح أسئلة ظل كثير من الأحزاب والتيارات اليسارية يتجنبها أو يؤجلها: هل يمتلك اليسار العربي فعلاً مشروعاً مستقلاً؟ هل أنتج رؤيته الخاصة انطلاقاً من واقع مجتمعاته، أم بقي أسير نماذج وتجارب نشأت في ظروف تاريخية مختلفة؟ وهل تكفي المراجعة الفكرية وحدها، أم يجب أن تترافق مع مراجعة سياسية وتنظيمية واقتصادية واجتماعية شاملة؟
لقد سبق أن تناولت في مقالات سابقة ضرورة تجديد الفكر اليساري العربي، وتحريره من الموروثات الجامدة ومن النقل الحرفي للتجارب الخارجية، والانتقال من الدفاع الدائم عن الماضي إلى إنتاج مشروع يستجيب لتحولات الحاضر والمستقبل. ومن هنا، أجد أن ورقة محمد علوش تلتقي مع عدد من الأفكار التي دعوت إليها، ولا سيما ضرورة المراجعة، ورفض تحويل المرجعيات إلى نصوص مغلقة، والربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإعادة تعريف القاعدة الاجتماعية لليسار.
لكن الاتفاق مع الاتجاه العام للورقة لا يلغي الحاجة إلى الحوار حول ما بقي فيها غير محدد أو غير مكتمل. فالأفكار المهمة لا تُحترم بالتصفيق لها فقط، بل بمناقشتها وتطويرها وتحويلها إلى برنامج فكري وسياسي قابل للاختبار في الواقع.
شجاعة الاعتراف بالأزمة
من أبرز نقاط القوة في ورقة محمد علوش أنها لا تنكر وجود أزمة عميقة يعانيها اليسار العربي، ولا تكتفي بإرجاع تراجعه إلى المؤامرات الخارجية أو اختلال موازين القوى الدولية. فالورقة تضع جانباً أساسياً من المسؤولية داخل التجربة اليسارية نفسها، وفي طريقة تعاملها مع الفكر والواقع والتنظيم.
ويكتب علوش أن «الأفكار الكبرى لا تعيش بالنسخ، بل بالتجدد». وهذه العبارة تختصر معضلة فكرية وتاريخية كبرى. فقد تعاملت قطاعات واسعة من اليسار العربي، خلال مراحل طويلة، مع تجارب الاتحاد السوفييتي والصين وأوروبا الشرقية وغيرها بوصفها نماذج جاهزة ينبغي تطبيقها، لا تجارب تاريخية يمكن الاستفادة منها ونقدها في الوقت نفسه.
لم تكن المشكلة في الاطلاع على التجارب العالمية أو الاستفادة منها، بل في تحوّل الاستفادة أحياناً إلى تبعية، وتحول الاجتهاد إلى اقتباس، وتحول المرجعيات إلى نصوص مغلقة. فعندما يفقد الفكر قدرته على مراجعة نفسه، يتحول الحزب من أداة لتغيير المجتمع إلى جهاز لحراسة المقولات القديمة وتفسيرها وتبريرها.
إن الفكر الماركسي، في جوهره، لم ينشأ بوصفه منظومة جامدة، بل منهجاً لتحليل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في حركتها التاريخية. ولذلك فإن إنتاج مشروع يساري عربي مستقل لا يعني القطيعة مع التراث الاشتراكي العالمي، بل يعني التعامل معه نقدياً، واستيعاب منجزاته وإخفاقاته، ثم الانطلاق من البنية الفعلية للمجتمعات العربية.
فالواقع العربي ليس نسخة عن أوروبا الصناعية في القرن التاسع عشر، ولا عن روسيا مطلع القرن العشرين، ولا عن الصين قبل انتصار ثورتها. وهو واقع تتداخل فيه أنماط الإنتاج الحديثة مع البنى الريعية والعائلية والطائفية والعشائرية، وتتشابك فيه الدولة مع شبكات المصالح والفساد، وتتداخل فيه قضايا التحرر الوطني مع مطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
من هنا، فإن تأكيد علوش أن الأفكار لا تعيش بالنسخ يمثل نقطة انطلاق ضرورية، لكنه يحتاج إلى أن يتحول من موقف فكري عام إلى منهج بحث وبرنامج عمل.
الديمقراطية والعدالة الاجتماعية
من أقوى ما تطرحه الورقة الربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتأكيد أن العدالة لا يمكن أن تتحقق من دون ديمقراطية، وأن الديمقراطية تفقد مضمونها عندما تنفصل عن العدالة الاجتماعية.
هذه الفكرة تستحق التأييد الكامل، لأنها تتجاوز أحد الانقسامات التي أضعفت الفكر السياسي العربي طويلاً. فقد شهدت المنطقة أنظمة رفعت شعارات الاشتراكية والتحرر والعدالة، لكنها صادرت الحريات العامة، ومنعت التعددية، وقمعت النقابات، وحولت الدولة إلى جهاز أمني وبيروقراطي مغلق. وفي المقابل، ظهرت مشاريع ليبرالية تحدثت عن الديمقراطية السياسية، لكنها اختزلتها في الانتخابات وحرية السوق، متجاهلة الفقر والتفاوت الاجتماعي واحتكار الثروة والفرص.
لا يمكن أن تكون الديمقراطية مجرد حق المواطن في وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع، بينما يُحرم من التعليم الجيد والرعاية الصحية والعمل والسكن والضمان الاجتماعي. كما لا يمكن إقامة عدالة اجتماعية حقيقية في ظل سلطة تمنع حرية التعبير والتنظيم والمحاسبة وتداول السلطة.
إن الاشتراكية الديمقراطية، حين تُفهم باعتبارها التقاءً بين الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية، يمكن أن تقدم أساساً مهماً لمشروع يساري معاصر. لكن نجاحها عربياً مشروط بألا تتحول إلى مجرد استعارة جديدة من التجارب الأوروبية. فالمطلوب ليس نقل برامج الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الغربية، بل دراسة كيفية بناء نموذج يناسب اقتصاديات عربية تعاني الريعية، وضعف الإنتاج، والبطالة، واتساع القطاع غير المنظم، وهجرة الكفاءات، وارتباط قطاعات واسعة من الاقتصاد بمراكز القوى السياسية والطائفية والعسكرية.
الديمقراطية الاجتماعية المطلوبة عربياً يجب أن تنطلق من الحق في المواطنة المتساوية، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم النقابي والسياسي، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، بالتوازي مع سياسات اقتصادية تعيد توزيع الثروة والفرص، وتحمي الفئات الأضعف، وتعيد الاعتبار إلى العمل والإنتاج.
رفض احتكار الحقيقة
من الجوانب الإيجابية في الورقة أيضاً رفضها تحويل المرجعيات الفكرية إلى نصوص نهائية مغلقة. فالأحزاب التي تعتقد أنها تمتلك الحقيقة الكاملة لا تستطيع الدخول في حوار حقيقي مع المجتمع أو مع القوى الأخرى، لأنها تتعامل مع النقاش بوصفه امتحاناً لمدى اقتراب الآخرين من مواقفها، لا وسيلة مشتركة لاكتشاف الحقيقة.
لقد عانى اليسار العربي من ثقافة سياسية رأت في الاختلاف الفكري انحرافاً، وفي النقد الداخلي تهديداً، وفي المراجعة تراجعاً عن المبادئ. وأدى ذلك إلى انقسامات متكررة، وولادة تنظيمات صغيرة مغلقة، وتراجع المبادرة الفكرية داخل الأحزاب، وسيطرة اللغة الخشبية على أدبياتها.
المراجعة لا تعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة تحديدها وتحريرها من التفسيرات الجامدة. ولا تعني نسيان تاريخ التضحيات، بل احترام تلك التضحيات من خلال ضمان ألا تتحول إلى مبرر لاستمرار الأخطاء.
إن الحزب اليساري المعاصر يجب ألا يكون مالكاً للحقيقة، بل مساحة لإنتاجها جماعياً؛ وألا يتعامل مع المثقف بوصفه شارحاً للقرارات الحزبية، بل شريكاً في نقدها وتطويرها. كما يجب ألا يكون الحوار مع القوى الديمقراطية والقومية والليبرالية والمدنية مجرد تحالف ظرفي، بل جزءاً من ثقافة سياسية جديدة تعترف بالتعددية وتقبل اختلاف المصالح والرؤى داخل المجتمع.
من هي القاعدة الاجتماعية لليسار؟
تلفت الورقة إلى أن اليسار لم يعد قادراً على اختزال نفسه في التعبير عن طبقة واحدة، وأن عليه أن ينظر إلى نفسه بوصفه مشروعاً اجتماعياً واسعاً. وهذه فكرة مهمة، شرط ألا تؤدي إلى التخلي عن التحليل الطبقي أو تذويب الانحياز الاجتماعي لليسار داخل خطاب إنساني عام لا يحدد موقعه من علاقات القوة والثروة.
لقد تغيرت بنية العمل بصورة جذرية. لم يعد العامل الصناعي في المصنع الكبير الشكل الوحيد أو الرئيسي للطبقة العاملة. فهناك العاملون في قطاعات الخدمات، والتعليم، والصحة، والنقل، والتكنولوجيا، والإعلام، والمنصات الرقمية، والاقتصاد المعرفي. وهناك العاملون بعقود مؤقتة، والعاملون لحسابهم ظاهرياً بينما يخضعون فعلياً لسيطرة الشركات والمنصات، إضافة إلى ملايين العاطلين عن العمل والنازحين واللاجئين والمهاجرين.
كما أن الحروب والانهيارات الاقتصادية في بلدان مثل سورية ولبنان وفلسطين والعراق واليمن أعادت تشكيل البنية الطبقية والاجتماعية. تضررت قطاعات الإنتاج، وتراجعت النقابات، واتسع الاقتصاد غير الرسمي، واضطر ملايين الناس إلى الهجرة أو الاعتماد على المساعدات والتحويلات الخارجية.
لذلك فإن إعادة تعريف القاعدة الاجتماعية لليسار ضرورة لا يمكن تأجيلها. لكن هذه القاعدة يجب ألا تُبنى على جمع فئات مختلفة في قائمة فضفاضة، بل على تحليل المصالح المشتركة التي تجمع العمال والموظفين والفلاحين وصغار المنتجين والمثقفين والنساء والشباب والعاطلين عن العمل، في مواجهة الاحتكار والفساد والاستغلال وسوء توزيع الثروة.
ينبغي أن يحتفظ اليسار بانحيازه إلى العمل في مواجهة الريع، وإلى الإنتاج في مواجهة الاحتكار، وإلى الحقوق الاجتماعية في مواجهة التهميش، مع توسيع مفهوم الطبقة العاملة ليتناسب مع أنماط العمل الجديدة.
ما المقصود بالمشروع المستقل؟
يطرح عنوان ورقة محمد علوش سؤالاً مركزياً: هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ لكن هذا السؤال يحتاج إلى تحديد معنى الاستقلال ومعنى المشروع.
هل الاستقلال المقصود هو الاستقلال عن المراكز الفكرية والسياسية الخارجية؟ أم الاستقلال عن الدولة والسلطة؟ أم الاستقلال عن القوى القومية والدينية والليبرالية؟ أم القدرة على إنتاج برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي خاص؟
المشروع المستقل لا يعني الانعزال عن التجارب العالمية، ولا رفض التضامن الأممي، ولا ادعاء إمكانية إنتاج فكر منقطع عن التراث الإنساني. بل يعني امتلاك القدرة على قراءة الواقع المحلي والإقليمي بصورة نقدية، واتخاذ المواقف وفق مصالح الشعوب وحقوقها، لا وفق اصطفافات دولية ثابتة أو ولاءات تاريخية.
لا يكفي، مثلاً، أن يكون اليسار ضد الإمبريالية إذا سكت عن استبداد داخلي أو إقليمي. ولا يكفي أن يرفع شعار السيادة الوطنية إذا تجاهل حقوق المواطنين وحرياتهم. كما لا يكفي أن يتحدث عن العدالة الاجتماعية إذا لم يقدم سياسة اقتصادية قابلة للتطبيق.
المشروع المستقل يجب أن يجمع بين التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن يرفض استخدام أي واحدة منها ذريعة لإلغاء الأخرى. وهو يحتاج إلى رؤية واضحة للدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والهوية، والعلاقة بالدين، وقضايا القوميات والأقليات، وحقوق المرأة، والبيئة، والتكنولوجيا، والسياسة الخارجية.
أسباب تراجع اليسار العربي
تشير الورقة إلى الجمود والنقل والاعتماد على النماذج الجاهزة بوصفها عوامل أساسية في أزمة اليسار، وهي قراءة صحيحة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير حجم التراجع الذي أصابه.
لقد تعرضت الأحزاب الشيوعية واليسارية في بلدان عربية كثيرة للقمع والسجون والإعدامات والحظر. لكن بعضها دخل أيضاً في تحالفات طويلة مع أنظمة استبدادية، أو التزم الصمت تجاه انتهاكاتها، بحجة مواجهة الإمبريالية أو حماية الدولة الوطنية. وقد أدى ذلك إلى خسارة جزء كبير من صدقيته لدى أجيال رأت أن بعض قوى اليسار تنتقد القمع عندما يصدر عن خصومها، وتتسامح معه عندما يصدر عن حلفائها.
كما أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أزمة فكرية ومادية وتنظيمية عميقة. فقد فقدت أحزاب كثيرة مرجعيتها الدولية ومصادر دعمها، لكنها لم تستطع بناء رؤية جديدة أو مراجعة علاقتها السابقة بالتجربة السوفييتية بصورة شاملة.
إلى جانب ذلك، ساهم صعود الإسلام السياسي في ملء الفراغ الذي تركته الدولة واليسار في مجالات العمل الاجتماعي والخيري والنقابي. وتمكنت قوى دينية من مخاطبة قطاعات شعبية بلغة قريبة من ثقافتها اليومية، بينما بقي خطاب اليسار في أحيان كثيرة نخبوياً ومغلقاً.
وأدت التحولات النيوليبرالية إلى إضعاف القطاع العام والنقابات وإعادة تشكيل سوق العمل، فيما لم تنجح غالبية الأحزاب اليسارية في تطوير أدوات تنظيم تتناسب مع العمالة المرنة والاقتصاد غير الرسمي والمنصات الرقمية.
ولا يمكن تجاهل أسباب داخلية مثل شيخوخة القيادات، وضعف تداول المسؤوليات، وتهميش الشباب والنساء، وسيطرة المركزية البيروقراطية، وتحول بعض الأحزاب إلى مجموعات تدير تراثاً تاريخياً أكثر مما تبني حركة اجتماعية جديدة.
إن أي مراجعة جادة يجب أن تدرس هذه الأسباب مجتمعة، وأن تبتعد عن التفسيرات السهلة التي تحمل الخارج كل المسؤولية أو تحصر الأزمة في خطأ نظري واحد.
الحاجة إلى برنامج اقتصادي واضح
من أبرز المساحات التي تحتاج إلى مزيد من البلورة في الورقة الجانب الاقتصادي. فالحديث عن الاشتراكية الديمقراطية لا يكتمل من دون توضيح طبيعة النظام الاقتصادي المطلوب.
ما الدور الذي يجب أن تؤديه الدولة؟ وما موقع القطاع الخاص؟ وما القطاعات التي ينبغي أن تبقى أو تعود إلى الملكية العامة؟ وكيف يمكن إصلاح القطاع العام من دون خصخصته أو إبقائه رهينة البيروقراطية والفساد؟ وكيف تُبنى منظومة ضريبية عادلة تفرض أعباء أكبر على أصحاب الثروات والأرباح الاحتكارية؟
يحتاج اليسار العربي إلى برنامج يربط العدالة بالإنتاج، لا بتوزيع الفقر. فالتوزيع العادل ضروري، لكنه لا يكفي إذا لم يترافق مع بناء اقتصاد منتج في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات الحديثة.
كما يجب أن يقدم اليسار رؤية لمواجهة البطالة، وحماية الأجور، وضمان حقوق العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، ووضع تشريعات للعاملين عبر المنصات الرقمية، وتوفير التعليم والرعاية الصحية والسكن والنقل العام بوصفها حقوقاً اجتماعية لا سلعاً خاضعة لمنطق الربح وحده.
ويتعين أن تشمل الرؤية الاقتصادية الانتقال البيئي العادل، بحيث لا تتحمل الفئات الفقيرة تكلفة مواجهة التغير المناخي، وأن تربط الاستثمار في الطاقة المتجددة بخلق فرص عمل وتحقيق استقلال اقتصادي نسبي.
أما الذكاء الاصطناعي، فلا يجوز التعامل معه بوصفه قضية تقنية فقط. فهو يعيد تشكيل سوق العمل وملكية المعرفة وتوزيع الأرباح. ومن واجب اليسار أن يطرح أسئلة حول ملكية البيانات، وحقوق العاملين، والاحتكارات الرقمية، والضمان الاجتماعي في عالم قد يقل فيه الطلب على بعض أنواع العمل.
الدين والدولة والهوية
لا يمكن إنتاج مشروع يساري عربي جديد من دون معالجة مسؤولة للعلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. فقد تراوحت مواقف بعض قوى اليسار بين تجاهل الدين، والتعامل معه كظاهرة ستختفي تلقائياً، أو الدخول في مساومات سياسية مع حركات دينية من دون بناء تصور فكري واضح.
المطلوب ليس معاداة الدين ولا إخضاع الدولة له، بل الدفاع عن دولة مدنية ديمقراطية تقف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات، وتحمي حرية الإيمان وعدم الإيمان، وتمنع استخدام المقدس لتبرير الاستبداد أو التمييز.
كما يجب على اليسار أن يفهم أن الدين ليس مجرد عقيدة فردية، بل جزء من الذاكرة والثقافة والعلاقات الاجتماعية في المجتمعات العربية. والتعامل معه يحتاج إلى معرفة وحوار، لا إلى تبسيط أو إنكار.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن التنازل عن المساواة الكاملة بين المواطنين، وحقوق النساء، وحرية الضمير، وحق الجماعات الدينية والقومية والثقافية في الحفاظ على هويتها ضمن دولة المواطنة والقانون.
التجربة الفلسطينية وأسئلة المراجعة
اختيار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية يمثل، بحسب الورقة، محاولة لتطوير المرجعية الفكرية والسياسية بما يتلاءم مع التحولات المعاصرة. وتستحق هذه الخطوة النقاش والتقدير، ولا سيما إذا كانت تعني ربط التحرر الوطني بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
لكن المراجعة الفكرية للتجربة الفلسطينية يجب أن تشمل أيضاً الأسئلة المتعلقة بتراجع حضور اليسار الفلسطيني، وضعف قدرته على بناء قطب مستقل بين حركتي فتح وحماس، وتأثير اتفاق أوسلو وبنية السلطة الفلسطينية، والانقسام السياسي والجغرافي، وتراجع دور النقابات والمؤسسات الجماهيرية.
كما يجب إعادة النظر في العلاقة بين التحرر الوطني والبناء الديمقراطي. فالقضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في إدارة الصراع مع الاحتلال، على أهمية ذلك، بل تحتاج أيضاً إلى مشروع اجتماعي وسياسي يحدد طبيعة الدولة والمجتمع والاقتصاد والحريات التي يناضل الفلسطينيون من أجلها.
إن نقد تجربة اليسار الفلسطيني لا ينتقص من تضحياته، بل يساعده على استعادة دوره. والمراجعة الجادة لا تعني إعلان القطيعة مع الماضي، وإنما تحليل ما نجح وما أخفق، وما يمكن البناء عليه، وما يجب تجاوزه.
من الورقة إلى برنامج حوار عربي
القيمة الحقيقية لورقة محمد علوش ستزداد إذا تحولت من نص يثير الأسئلة إلى مسار حواري منظم يعمل على الإجابة عنها. فالقضايا التي طرحتها لا تخص جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أو الحزب الشيوعي السوري الموحّد وحدهما، بل تتعلق بمستقبل اليسار العربي كله.
ومن هنا، أقترح أن يتعاون الحزب الشيوعي السوري الموحّد وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ومركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية في التحضير لبرنامج حواري متكامل، يضم سلسلة من الندوات وورشات العمل الفكرية، بمشاركة مفكرين وأكاديميين واقتصاديين ونقابيين وناشطين وقيادات سياسية وشبابية من البلدان العربية، إضافة إلى باحثين من تجارب دولية مختلفة.
يمكن لمركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية أن يسهم في توفير الإطار البحثي والتنظيمي للحوار، وإعداد أوراق الخلفية، وتوثيق المداخلات والنتائج، وربط النقاش العربي بالتحولات العالمية في قضايا التنمية والحوكمة والعدالة الاجتماعية والتكنولوجيا والحوار بين الحضارات.
كما يستطيع الحزب الشيوعي السوري الموحّد، بما يمتلكه من تجربة سياسية وفكرية ومنبراً إعلامياً ممثلاً بجريدة «النور»، أن يفتح مساحة للنقاش والنقد المتعدد، وأن يسهم في جمع التجارب السورية والعربية وتقديمها للحوار.
أما جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، التي شكلت تجربتها في تبني الاشتراكية الديمقراطية منطلقاً لورقة محمد علوش، فيمكنها عرض مراحل مراجعتها الفكرية والسياسية، ومناقشة الدوافع التي أدت إلى هذا الخيار، والنتائج التنظيمية والبرنامجية المترتبة عليه، إضافة إلى تقديم قراءة نقدية لتجربة اليسار الفلسطيني.
ويُفضّل ألا تقتصر المشاركة على الأحزاب اليسارية التقليدية، بل أن تشمل الحركات النقابية والنسوية والشبابية والبيئية، والباحثين في الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية، وممثلين عن العاملين في القطاعات الجديدة، لأن تجديد المشروع لا يمكن أن يتم داخل دائرة حزبية ضيقة.
برنامج مقترح للورشات الفكرية
الورشة الأولى: أزمة اليسار العربي وأسباب التراجع
تتناول هذه الورشة تاريخ الأحزاب اليسارية العربية، وعلاقتها بالتجارب الاشتراكية العالمية، وأثر القمع والاستبداد، وتحالفات بعض قوى اليسار مع الأنظمة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وصعود الإسلام السياسي، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أضعفت قواعدها التقليدية.
ولا ينبغي أن تنتهي الورشة إلى تفسير واحد، بل إلى خريطة شاملة للأسباب الخارجية والداخلية، مع تحديد مسؤولية القوى اليسارية نفسها عن أزمتها.
الورشة الثانية: ما المقصود بالمشروع اليساري المستقل؟
تبحث الورشة في معنى الاستقلال الفكري والسياسي، والعلاقة بين المرجعية العالمية والخصوصية الوطنية، وحدود التضامن الأممي، وكيفية حماية القرار السياسي من التبعية للدول والمحاور.
كما تناقش العناصر التي تجعل من مجموعة الأفكار مشروعاً متكاملاً: الرؤية للدولة والاقتصاد والمجتمع والديمقراطية والسياسة الخارجية.
الورشة الثالثة: أي اشتراكية للعالم العربي؟
تُناقش فيها الماركسية، والاشتراكية الديمقراطية، والديمقراطية الاجتماعية، وتجارب الصين وفيتنام وأمريكا اللاتينية وأوروبا، من دون تحويل أي منها إلى نموذج جاهز.
والهدف هو تحديد ما يمكن الاستفادة منه، وما لا يتناسب مع الواقع العربي، وما العناصر التي يحتاج إليها نموذج عربي مستقل.
الورشة الرابعة: الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية
تتناول العلاقة بين الديمقراطية السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واستقلال القضاء، وتداول السلطة، وحرية التنظيم، ودور النقابات، والحق في التعليم والصحة والسكن والعمل.
كما تبحث في كيفية منع استخدام العدالة الاجتماعية ذريعة للاستبداد، أو استخدام الحرية السياسية غطاءً للهيمنة الاقتصادية.
الورشة الخامسة: الاقتصاد المنتج والدولة الاجتماعية
تبحث في دور الدولة والقطاع الخاص والتعاونيات، وإصلاح القطاع العام، والضرائب التصاعدية، ومكافحة الاحتكار والفساد، وسياسات الأجور والعمل، والاقتصاد غير الرسمي، والزراعة والأمن الغذائي، والتصنيع والتنمية المتوازنة.
وينبغي أن تنتهي إلى خطوط أولية لبرنامج اقتصادي يساري قابل للتطبيق في الدول العربية وفق اختلاف ظروفها.
الورشة السادسة: الذكاء الاصطناعي والعمل والاقتصاد الرقمي
تتناول تأثير التكنولوجيا في الوظائف والتعليم والإنتاج، وحقوق العاملين عبر المنصات، وملكية البيانات، والاحتكارات الرقمية، والحماية الاجتماعية في مواجهة فقدان بعض الوظائف.
وتبحث أيضاً في كيفية استخدام التكنولوجيا لتحسين الخدمات العامة، من دون تحويل المواطنين إلى موضوع للمراقبة والسيطرة.
الورشة السابعة: الدين والدولة والمجتمع
تبحث في الدولة المدنية وحرية المعتقد والمواطنة المتساوية، والعلاقة مع المؤسسات الدينية، ومواجهة التطرف، ورفض التمييز، وكيفية بناء خطاب يساري يحترم ثقافة المجتمع من دون التراجع عن قيم الحرية والمساواة.
الورشة الثامنة: القضايا القومية والمواطنة والتنوع
تناقش حقوق الكرد والأمازيغ وغيرهم من القوميات والمكونات، وحقوق الأقليات الدينية والثقافية، والعلاقة بين وحدة الدولة والاعتراف بالتنوع، ومفهوم المواطنة الذي لا يقوم على الإنكار أو الإكراه.
الورشة التاسعة: القضية الفلسطينية ومستقبل اليسار
تبحث في تجربة اليسار الفلسطيني، وعلاقته بمنظمة التحرير والسلطة والمقاومة، وأسباب تراجع حضوره، وكيفية الربط بين التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
كما تناقش دور اليسار العربي في دعم القضية الفلسطينية بعيداً عن الشعارات أو التوظيف الإقليمي.
الورشة العاشرة: الشباب والنساء والنقابات والحركات الاجتماعية
تبحث في أسباب ابتعاد الأجيال الجديدة عن الأحزاب التقليدية، وسبل بناء تنظيمات أكثر ديمقراطية ومرونة، وتمثيل النساء والشباب في القيادة وصنع القرار، وإعادة بناء العمل النقابي في ظل الاقتصاد الجديد.
الورشة الحادية عشرة: البيئة والحضارة والتنمية المستدامة
يمكن لمركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية أن يؤدي دوراً أساسياً في تنظيم هذه الورشة التي تربط العدالة الاجتماعية بالعدالة البيئية، وتناقش الحضارة الإيكولوجية، وإدارة الموارد، والمياه والطاقة، ومواجهة آثار التغير المناخي والحروب على المجتمعات.
الورشة الثانية عشرة: نحو وثيقة عربية لتجديد الفكر اليساري
تُخصص الورشة الختامية لمناقشة نتائج الورشات السابقة وصياغة وثيقة فكرية مفتوحة، لا تُقدَّم بوصفها نصاً مقدساً أو برنامجاً ملزماً للجميع، بل إطاراً للحوار والعمل المشترك.
ويجب أن تحدد الوثيقة المبادئ العامة للمشروع الجديد، ومن بينها الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والمواطنة، والتنوع، والمساواة، وحقوق الإنسان، والاقتصاد المنتج، والاستدامة البيئية، والانفتاح على العلم والتكنولوجيا.
آلية عملية للتحضير والمتابعة
من أجل ألا يبقى البرنامج مجرد اقتراح نظري، يمكن تشكيل لجنة تحضيرية مشتركة تضم ممثلين عن الحزب الشيوعي السوري الموحّد وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ومركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية، إلى جانب شخصيات أكاديمية ونقابية مستقلة.
تتولى اللجنة تحديد محاور الورشات، واختيار المشاركين، وإعداد أوراق تمهيدية قصيرة تُرسل قبل كل جلسة، بما يسمح بأن ينطلق النقاش من أسئلة واضحة لا من مداخلات عامة.
كما يمكن تخصيص ملف دائم في جريدة «النور» لنشر الأوراق والمداخلات والردود، بما يحول الصحيفة إلى منبر لحوار يساري عربي مفتوح. ويمكن لمركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية جمع المواد وتحريرها وإصدارها في كتاب أو تقرير بحثي بعد انتهاء المرحلة الأولى من البرنامج.
ومن المهم إشراك الشباب في إدارة الجلسات وإعداد الأوراق، لا دعوتهم بوصفهم جمهوراً فقط. كما ينبغي تمثيل النساء والنقابيين والباحثين الاقتصاديين والتقنيين تمثيلاً فعلياً، لأن الحوار الذي يقتصر على القيادات الحزبية القديمة سيعيد إنتاج الأزمة التي يحاول تجاوزها.
ويمكن تنظيم الورشات حضورياً وعبر الاتصال المرئي، بما يتيح مشاركة باحثين وناشطين من الدول العربية ومن بلدان الاغتراب. ويُستحسن أن تمتد على عدة أشهر، وأن تصدر بعد كل ورشة ورقة خلاصات تحدد نقاط الاتفاق والخلاف والأسئلة التي تحتاج إلى متابعة.
كلمة إلى محمد علوش
نجحت ورقة الأستاذ محمد علوش في إعادة طرح سؤال الاستقلال الفكري لليسار العربي، وفي فتح باب لا ينبغي إغلاقه بعد نشر المقال. وهذه قيمة فكرية وسياسية تستحق التقدير، لأن بداية التجديد هي الاعتراف بأن النموذج القديم لم يعد كافياً، وأن امتلاك التاريخ النضالي لا يعفي أي حزب من مراجعة أفكاره وأدواته.
لكن السؤال الذي طرحه علوش يحتاج إلى الانتقال من مستوى التشخيص العام إلى مستوى التعريف الدقيق للمشروع، ومن إعلان اختيار الاشتراكية الديمقراطية إلى شرح مضمونها الاقتصادي والسياسي والتنظيمي في الواقع الفلسطيني والعربي.
كما يحتاج الحوار إلى أن يكون متبادلاً. فلا يكفي أن ينقد اليسار العربي نماذجه السابقة؛ بل يجب على كل حزب وتنظيم أن يعرض تجربته الخاصة للنقد، وأن يفسح المجال لمناقشة أخطائه وتحالفاته وبنيته التنظيمية وعلاقته بالمجتمع.
لا يمكن لأي قوة أن تطالب اليسار العربي بالمراجعة ثم تستثني نفسها منها. والمراجعة التي تبدأ من الذات هي الأكثر صدقية وقدرة على إقناع الآخرين.
من الدفاع عن الماضي إلى صناعة المستقبل
لا يُقاس اليسار بما قدمه في القرن الماضي فقط، ولا بعدد الشهداء والمناضلين الذين أنجبتهم حركته، على عظمة تضحياتهم. إنه يُقاس أيضاً بقدرته على الإجابة عن أسئلة الأجيال الجديدة: كيف نحصل على عمل كريم؟ كيف نحمي الحريات؟ كيف نبني اقتصاداً منتجاً؟ كيف نواجه الفساد والاستبداد والطائفية؟ كيف نتعامل مع الدين والتنوع؟ وكيف نضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة جديدة للاستغلال والمراقبة؟
إن ورقة محمد علوش المنشورة في جريدة «النور» يمكن أن تكون بداية لمسار فكري مهم، إذا تعاملنا معها بوصفها دعوة إلى العمل لا مجرد مادة للنقاش الصحفي.
والخطوة العملية الممكنة هي أن يبادر الحزب الشيوعي السوري الموحّد وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ومركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية إلى تشكيل إطار تحضيري مشترك، يطلق برنامج الحوار والورشات، ويدعو مختلف قوى اليسار العربي والمفكرين والنقابيين والشباب إلى المشاركة فيه.
فالأفكار الحية لا تخشى النقد، والحزب الحي لا يخشى المراجعة، والمشروع الذي يريد أن يكون جزءاً من المستقبل لا يستطيع الاكتفاء بحراسة ذاكرة الماضي.
إن تجديد اليسار العربي لن يصنعه حزب واحد أو مفكر واحد أو ورقة واحدة، لكنه قد يبدأ بسؤال جاد، وحوار شجاع، وإرادة جماعية لتحويل المراجعة إلى برنامج. وهذا ما يجعل ورقة محمد علوش خطوة تستحق التقدير والبناء عليها، وصولاً إلى مشروع عربي معاصر يجمع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والتنمية الإنسانية في رؤية واحدة متماسكة.
تقوم المدرسة الماركسية-اللينينية على التحليل المادي التاريخي والطبقي، وتعتبر أن أي مشروع للتحرر الوطني والاجتماعي يجب أن يستند إلى قواعد فكرية وتنظيمية صلبة لضمان عدم الوقوع في الفكر البرجوازي الصغير أو السقوط في أحضان المفهوم الليبرالي للدولة.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة مقال الأستاذ محمد علوش قراءة نقدية عبر المحاور التالية:
1. طمس "المفهوم الطبقي" وصهر الصراع الطبقي
نقد الطرح: يتحدث المقال عن "إعادة تعريف اليسار" ليكون مشروعاً يضم العمال والموظفين والمعلمين والمزارعين ورواد الأعمال المنتجين والمثقفين.
الرؤية الماركسية-اللينينية: الماركسية اللينينية تُفرّق بوضوح بين الطبقات ذات المصلحة الحقيقية في الثورة (البروليتاريا والفلاحون الفقراء) وبين أصحاب رؤوس الأموال حتى لو سُموا "رواد أعمال منتجين" (البرجوازية الوطنية أو الصغرى). صهر هذه الفئات في قالب واحد تحت مسمى "مشروع اجتماعي واسع" يلغي مفهوم الصراع الطبقي الذي هو محرك التاريخ، ويؤدي إلى إخضاع مصالح الطبقة العاملة لمصالح الفئات الميسورة داخل هذا التحالف.
2. الانزلاق نحو "الإصلاحية الاجتماعي-الديمقراطية" (الاشتراكية الديمقراطية)
نقد الطرح: يُقدّم المقال "الاشتراكية الديمقراطية" كبديل عن "العقيدة المغلقة" أو "الجمود الأيديولوجي".
الرؤية الماركسية-اللينينية: ترى اللينينية أن "الاشتراكية الديمقراطية" بالتجربة الأوروبية ليست سوى تجديد للنفعية (Opportunism) والتحريفية (Revisionism). هي محاولة لتجميل الرأسمالية وإدارتها بدلاً من تفكيكها. الانتقال إلى الاشتراكية الديمقراطية يعني التخلي عن هدف إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والاستعاضة عنه بتحسينات شكلية داخل النظام الرأسمالي (عدالة ضريبية، حماية اجتماعية) دون المساس بجوهر الاستغلال.
3. وهم "الدولة الاجتماعية" وحياد المؤسسات
نقد الطرح: يدعو المقال لإنشاء "دولة اجتماعية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والمواطنة".
الرؤية الماركسية-اللينينية: وفقاً لكتاب لينين (الدولة والثورة)، فإن الدولة ليست هيئة محايدة تقف بين الطبقات لتعزز المواطنة والعدالة، بل هي أداة لسيطرة طبقة على طبقة أخرى. الترويج لإمكانية بناء "دولة ديمقراطية اجتماعية" تحت ظل هيمنة العلاقات الرأسمالية هو وهم لبرالي بامتياز، يغفل ضرورة تحطيم جهاز الدولة البرجوازي وتحقيق سلطة الكادحين.
4. الفصل بين التحرر الوطني والتحرر الطبقي
نقد الطرح: يرى المقال أن أزمات الاحتلال والتبعيات تتطلب الاستجابة لمتطلبات "الواقع" قبل الانشغال بالثوابت النظرية الكلاسيكية.
الرؤية الماركسية-اللينينية: الماركسية تؤكد أن قضية التحرر الوطني في عصر الإمبريالية هي جزء لا يتجزأ من الثورة الاشتراكية. لا يمكن فصل التحرر الوطني عن ضرب مصالح الإمبريالية وحلفائها المحليين (البرجوازية الكومبرادورية/الطفيلية). ومحاولة تقديم "واقعية جديدة" تتجاوز الأدوات الماركسية التحليلية غالباً ما تنتهي إلى المساومة مع النظام الإمبريالي العالمي تحت شعار "الواقعية والتحول الرقمي".
5. التعاطي المادي والشكلي مع التكنولوجيا والتطور
نقد الطرح: يرابط المقال بين الحاجة لتغيير الفكر وبين دخول عصر "الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإنتاج العالمية".
الرؤية الماركسية-اللينينية: التطور الفني والتقني (كالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي) لا يغير من الجوهر الاستغلالي للنظام الرأسمالي، بل يعمق التناقضات الماركسية؛ حيث تزداد وسائل الإنتاج تطوراً وتتركز الثروة في أيدي قلة، بينما تزداد حدة استغلال قوة العمل وتهميش العمالة. الذكاء الاصطناعي يتطلب التحليل المادي لمتابعة كيفية استغلال رأس المال للتكنولوجيا، لا استخدام التكنولوجيا كمبرر للتخلي عن أصول التحليل الماركسي.
💡 خلاصة
من منظور ماركسي-لينيني، يُعتبر النص وثيقة تعكس أزمة الفكر البرجوازي الصغير داخل بعض أطراف اليسار الفلسطيني والعربي. فهو يخلط بين التجديد المطلوب للأدوات النضالية وبين التخلي عن الجوهر الثوري للنظرية الماركسية (الصراع الطبقي، ديكتاتورية البروليتاريا، وتفكيك أجهزة الدولة الطبقية)، مقدماً بدلاً منها صيغة "إصلاحية نفعية" تقرب الحزب من برامج الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الغربية التي أثبت التاريخ عجزها عن تصفية الاستعمار أو إنهاء استغلال الإنسان للإنسان.


.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق