THE VANGUARD IS NOT A MATTER OF OPINION/الطليعة ليست مسألة رأي ردّ على غودريك ناموايا بشأن الثورة الوطنية الديمقراطية، وحزب الطليعة، والثورة الكينية بقلم: بوكر نغيسا أومولي
THE VANGUARD IS NOT A MATTER OF OPINION
الطليعة ليست مسألة رأي
ردّ على غودريك ناموايا بشأن الثورة الوطنية الديمقراطية، وحزب الطليعة، والثورة الكينية
بقلم: بوكر نغيسا أومولي
الأمين العام
الحزب الشيوعي الماركسي – كينيا
ملاحظة المحرر
تمثل هذه المقالة ردًا على مقال بعنوان «بناء الكوادر، وادعاءات الطليعة، واليسار الكيني» للكاتب غودريك ناموايا، والذي نشره موقع Countercurrents بتاريخ 26 يوليو/تموز 2026.
يمكن للقراء الذين لم يطلعوا على المقال الأصلي الرجوع إليه عبر الرابط المنشور في الموقع.
ولا يقصد بهذا الرد أن يكون سجالًا شخصيًا، بل يتناول القضايا السياسية والأيديولوجية التي أثارها المقال، ولا سيما ما يتعلق بالمفهوم اللينيني لحزب الطليعة، والثورة الوطنية الديمقراطية، والمركزية الديمقراطية، وبناء الكوادر، والطريق الاستراتيجي نحو الاشتراكية في كينيا. وهي قضايا تتعلق بالخط السياسي، وتتجاوز أهميتها أي فرد أو منظمة بعينها.
فكل مرحلة ثورية لا تُنتج الثوريين فحسب، بل تُنتج أيضًا صراعات أيديولوجية حول اتجاه الثورة. وهذه الصراعات ليست انحرافًا عن الصراع الطبقي، بل هي أحد تجلياته. ولم تخشَ الماركسية اللينينية يومًا الصراع الفكري، بل على العكس، فإنها تتطور من خلال النقد الصارم للأفكار الخاطئة، ومن خلال الصراع بين الخطوط السياسية، والاختبار المستمر للنظرية في أتون الممارسة الثورية.
ومن هذا المنطلق أقدم ردي على مقال غودريك ناموايا الأخير: «بناء الكوادر، وادعاءات الطليعة، واليسار الكيني».
للوهلة الأولى، يبدو المقال وكأنه تقييم متوازن وموضوعي للحركة الاشتراكية في كينيا. فهو يتحدث بلغة الحياد، ويستحضر مفاهيم الديمقراطية والتعددية والشمول والانفتاح. غير أنه، خلف هذا المظهر المصاغ بعناية، يكمن مشروع سياسي مألوف. فالمقال ليس في جوهره عن الحزب الشيوعي الماركسي الكيني، بل هو هجوم على المفهوم اللينيني للحزب الثوري. فهو يرفض الثورة الوطنية الديمقراطية، ويشكك عمليًا في المركزية الديمقراطية، ويستهين بضرورة وجود طليعة شيوعية منضبطة. وباختصار، فإنه يطرح خطًا سياسيًا يتعارض جوهريًا مع الماركسية اللينينية.
وهذا لا ينبغي أن يفاجئ أحدًا.
فغودريك ناموايا لا يكتب بوصفه مراقبًا يقف خارج الصراعات الأيديولوجية داخل اليسار الكيني، بل يكتب باعتباره مشاركًا فاعلًا، تعكس مسيرته السياسية سلسلة من الابتعاد المتدرج عن الماركسية اللينينية. وبعد أن ارتبط سابقًا بمنظمات شيوعية، ثم تبنى لاحقًا توجهات سياسية تتعارض في جوهرها مع اللينينية، فإن نقده الحالي ليس بحثًا أكاديميًا مجردًا، بل هو النتيجة المنطقية لمسار أيديولوجي مختلف.
وعليه، فإن القضية المطروحة أمامنا ليست السيرة الذاتية لشخص بعينه، وإنما الخط السياسي الذي أفضت إليه تلك السيرة.
فالخطوط السياسية هي التي تصنع الفارق.
الأفكار لها طابع طبقي
لم تنظر الماركسية اللينينية إلى السياسة يومًا من خلال عدسة الأشخاص، بل من خلال الخطوط السياسية.
فالأفراد لا تكتسب أهميتهم إلا بقدر ما يصبحون ممثلين لاتجاهات أيديولوجية محددة. وهذا هو المنهج الذي اتبعه ماركس في نقده لبرودون، ولينين في مواجهته للاقتصاديين والمناشفة، وماو في صراعه ضد الانتهازية اليمينية و«اليسارية». ولم يكن الهدف أبدًا اختزال السياسة في السير الذاتية، بل كشف المحتوى الطبقي الكامن وراء الأفكار السياسية.
ومن ثم، يستحيل فهم مقال غودريك ناموايا دون إدراك أنه يجسد اتجاهًا أيديولوجيًا محددًا داخل اليسار الكيني.
فانتقاده للحزب الشيوعي الماركسي الكيني ليس مجرد اختلاف حول أساليب التنظيم، بل هو رفض للمفهوم اللينيني للحزب الثوري.
كما أن انتقاده للثورة الوطنية الديمقراطية ليس مجرد نقاش حول مراحل النضال، بل هو رفض لإحدى أهم الخلاصات الاستراتيجية التي طورتها الماركسية اللينينية للمجتمعات المستعمرة وشبه المستعمرة.
أما تصوره لبناء الكوادر، فليس مجرد تصور أوسع من تصورنا، بل إنه يتخلى عن التمييز اللينيني بين الكوادر الثورية والناشطين التقدميين.
وهذه ليست خلافات منفصلة، بل تشكل معًا خطًا سياسيًا متكاملًا.
فعلى امتداد تاريخ الحركة الشيوعية العالمية، لم تكن الانحرافات الأيديولوجية تبدأ عادة بإعلانات صاخبة، بل كانت تبدأ غالبًا بتعديلات تبدو بسيطة: يُخفَّف مفهوم، أو يُعلَن مبدأ ما متجاوزًا لزمانه، أو يُوصَف أحد المتطلبات التنظيمية بأنه طائفية. وفي نهاية المطاف، يُفرَّغ الجوهر الثوري للماركسية من مضمونه، بينما تبقى لغتها وشعاراتها قائمة.
وقد وصف لينين هذه العملية بأنها الانتهازية، ليس لأن كل اختلاف هو انتهازية، وإنما لأن التحريفية كثيرًا ما تتقدم تحت شعارات مثل المرونة والشمول والواقعية.
وينتمي مقال غودريك ناموايا إلى هذا النمط التاريخي.
فهو يؤكد للقارئ أنه يعارض الرأسمالية، ويدين الإمبريالية، ويتحدث بلغة الاشتراكية، لكنه يصل إلى استنتاجات تنظيمية تُضعف تدريجيًا الأدوات التي تحققت بها الاشتراكية تاريخيًا.
إنه يشكك في ضرورة وجود طليعة ثورية محددة المعالم.
ويختزل بناء الكوادر في مجرد عملية عامة للتثقيف الاشتراكي تقوم بها منظمات متعددة.
ويقلل من أهمية الفوارق الأيديولوجية، بالإيحاء بأن الاتجاهات الاشتراكية المختلفة ليست سوى مساهمات بديلة في النضال نفسه.
ويستبدل التمييز العلمي بالمساواة السياسية بين جميع الاتجاهات.
وهذا ليس ماركسية لينينية، بل نسبية تنظيمية.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات لم تنتصر لمجرد وجود عدد كبير من المنظمات التقدمية في الوقت نفسه.
فالثورة الروسية لم تنتصر لأن جميع التيارات الاشتراكية ساهمت على قدم المساواة.
والثورة الصينية لم تتقدم لأن كل الاتجاهات السياسية كانت تمتلك القيمة الاستراتيجية نفسها.
ولم تنتصر الثورة الكوبية لأن القيادة الثورية كانت موزعة بين مراكز أيديولوجية متنافسة.
بل في كل ثورة ناجحة، برز حزب ثوري واحد، عبر الصراع، بوصفه القيادة المنظمة للطبقة العاملة وحلفائها.
ولم تكن تلك القيادة مفروضة على الجماهير، ولا ممنوحة لها من المعلقين والمراقبين، وإنما بُنيت بوعي، عبر الصراع الأيديولوجي، والانضباط التنظيمي، والعمل وسط الجماهير، والالتزام الثابت بالأهداف الثورية.
ولهذا السبب تحديدًا لا يمكن التعامل مع قضية الطليعة على أنها مجرد مسألة غرور تنظيمي.
إنها ضرورة ثورية.
فرفض ضرورة وجود طليعة ثورية يعني، في نهاية المطاف، رفض التجربة التاريخية المتراكمة للحركة الشيوعية العالمية.
وعليه، فإن القضية الحقيقية المطروحة أمام اليسار الكيني ليست ما إذا كانت هناك منظمات اشتراكية متعددة.
فهي موجودة بالفعل.
وإنما السؤال الحاسم هو:
هل تجسد جميع هذه المنظمات النظرية نفسها للثورة؟
وهل تتبنى التصور نفسه لتنظيم الحزب؟
وهل تمتلك الفهم نفسه لطبيعة سلطة الدولة؟
وهل تسير في الطريق الاستراتيجي ذاته نحو الاشتراكية؟
الجواب الذي تقدمه الماركسية اللينينية واضح وحاسم: لا.
ولهذا السبب بالذات يصبح الصراع الأيديولوجي أمرًا لا مفر منه.
فالطبقة العاملة لا تستطيع أن تتقدم إذا تظاهرت بأن جميع الخطوط السياسية متساوية في الصحة.
إنها تتقدم فقط عبر التمييز بين الخط الصحيح والخط الخاطئ، من خلال النظرية، والممارسة، وحكم التاريخ.
الخطأ الأول لغودريك ناموايا: الخلط بين الناشطين والكوادر
يتمثل الخطأ الأول، وربما الأكثر جوهرية، في مقال غودريك ناموايا في تناوله لمسألة بناء الكوادر.
فهو يجادل بأنه، بما أن النقابات العمالية، والمنظمات الطلابية، والمنظمات النسوية، والحركات المجتمعية، والتنظيمات السرية التاريخية، وعددًا من المنظمات الاشتراكية تمارس جميعها التثقيف السياسي، فلا يحق لأي منظمة بعينها أن تدّعي أنها تبني بصورة منهجية كوادر اشتراكية.
ويبدو هذا الاستنتاج معقولًا لأول وهلة، لكنه يقوم على تعريف غير دقيق لمعنى الكادر.
فالماركسية اللينينية لم تعتبر الكادر يومًا مجرد ناشط يتمتع بوعي سياسي.
كما أنها لم تخلط أبدًا بين المشاركة في النضالات التقدمية وبين تكوين الكوادر الشيوعية.
وهذا التمييز حاسم.
فمن الممكن أن يصبح المنظم النقابي كادرًا.
ويمكن أن يصبح الناشط الطلابي كادرًا.
ويمكن أن يصبح المنظم المجتمعي كادرًا.
كما يمكن أن تصبح الناشطة النسوية كادرًا.
غير أن أحدًا منهم لا يصبح كادرًا شيوعيًا بمجرد مشاركته في النضال.
فالكوادر تُصنع عن وعي.
وتتلقى تدريبًا سياسيًا.
وتُصاغ أيديولوجيًا.
وتُربى على الانضباط التنظيمي.
وتُختبر مرارًا في خضم الممارسة العملية.
والأهم من ذلك كله، أنها تُبنى داخل الإطار التنظيمي لحزب شيوعي ثوري.
وهذا التمييز ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل هو أحد الأسس التي تقوم عليها اللينينية.
لقد حذر لينين مرارًا من أن النضالات العفوية للطبقة العاملة، مهما بلغت درجة نضاليتها، لا تُنتج تلقائيًا الوعي الاشتراكي الثوري.
فإذا تُركت الحركة العمالية لعفويتها، فإنها لا تتجاوز مستوى الوعي النقابي، ولا ترتقي إلى الوعي الثوري.
ولهذا ينبغي إدخال النظرية الثورية بصورة منهجية، واستيعابها، وتنظيمها من خلال الحزب الشيوعي.
ولهذا السبب بالذات تنشئ الأحزاب الشيوعية مدارس حزبية.
وتؤسس لجانًا أيديولوجية.
وتنظم حلقات للدراسة.
وتضع برامج داخلية للتكوين السياسي.
وتكلف الرفاق بمهام تنظيمية عملية.
وتقيّم أداءهم سياسيًا وتنظيميًا.
وتنمّي الانضباط.
وتحارب النزعة الفردية.
وتخوض الصراع الأيديولوجي داخل صفوفها.
وكل هذه العملية هي ما يسميه الماركسيون بناء الكوادر.
وهي ليست مجرد حضور حلقات نقاش سياسية.
وليست مجرد تأييد للقضايا الاشتراكية.
وليست مجرد المشاركة في المظاهرات.
غير أن غودريك ناموايا يطمس هذا التمييز تمامًا.
فحين يوسع مفهوم بناء الكوادر ليشمل تقريبًا كل نشاط سياسي تقدمي، فإنه يفرغ هذا المفهوم من أي مضمون علمي.
فإذا كانت كل منظمة تقدمية تنتج كوادر شيوعية، فإن الحزب الشيوعي يفقد وظيفته التاريخية الخاصة.
وإذا كان كل ناشط يُعدّ كادرًا بالفعل، فلن تعود هناك حاجة إلى التكوين الأيديولوجي المنهجي.
وإذا كانت كل الاتجاهات الاشتراكية تنتج قيادات ثورية متكافئة، فإن نظرية لينين حول حزب الطليعة تصبح بلا معنى.
وهذا ليس استنتاجًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لمنطق النسبية التنظيمية.
لكن التاريخ يروي قصة مختلفة.
فالحزب البلشفي لم يُنتج كوادره بالمصادفة.
ولم يُكوّن الحزب الشيوعي الصيني كوادره من خلال شبكات سياسية فضفاضة.
ولم يطوّر الحزب الشيوعي الفيتنامي كوادره بمجرد تشجيع النشاط السياسي.
كما لم يُربِّ الحزب الشيوعي الكوبي الثوريين عبر التعددية الأيديولوجية.
فكل حركة شيوعية ناجحة بنت كوادرها عن وعي، من خلال تعليم سياسي صارم، وانضباط تنظيمي، ومركزية ديمقراطية، وممارسة النقد والنقد الذاتي، والاندماج وسط الجماهير، والممارسة الثورية المتواصلة.
فالكوادر لا تُولد.
بل تُصنع.
وهذا هو التقليد الذي يعتمد عليه الحزب الشيوعي الماركسي الكيني في بناء كوادره.
فنحن لا نخلط بين التعاطف والالتزام.
ولا نخلط بين النشاط والتنظيم.
ولا نخلط بين مجرد الحضور وبين التطور الأيديولوجي.
إننا ندرك أن كل كادر شيوعي يجب أن يصبح منظمًا، ومثقفًا، وباحثًا، ومحرضًا، وقائدًا بين الجماهير.
فالغاية ليست مجرد إنتاج أشخاص يفهمون الماركسية.
بل إنتاج ثوريين قادرين على تطبيق الماركسية لتغيير المجتمع.
ولهذا يظل بناء الكوادر أحد الأسئلة الحاسمة في كل ثورة.
فالثورات لا تنتصر لأن الأفكار الثورية موجودة.
بل لأنها تُحمل إلى المصانع، والقرى، والجامعات، والنقابات، والأحياء، وكل ساحات الصراع الطبقي، بواسطة كوادر منظمة.
فالحزب الذي لا يمتلك كوادر ليس سوى جمعية.
والحركة التي لا تمتلك كوادر ليست سوى احتجاج.
أما الثورة التي لا تمتلك كوادر، فلا تظل إلا حلمًا.
إن حجة غودريك ناموايا تحجب هذه الحقيقة الأساسية في الماركسية اللينينية.
فبخلطه بين النشاط السياسي وتكوين الكوادر الشيوعية، لا يوسع مفهوم التنظيم الثوري، بل يلغيه تمامًا.
الطليعة لا تُعلَن... بل تُبنى
بعد أن اختزل غودريك ناموايا تكوين الكوادر الشيوعية في مجرد نشاط اشتراكي عام، ينتقل إلى حجته الثانية، وهي الأكثر أهمية من حيث نتائجها.
فهو يؤكد أن أي منظمة لا تصبح طليعة بمجرد إعلان نفسها كذلك، ويرى أن القيادة الثورية لا تُكتسب إلا من خلال الممارسة السياسية وثقة الجماهير.
ولو أُخذ هذا القول بمعزل عن سياقه، لبدت فيه حقيقة لا يختلف حولها أحد.
بل إن أي ماركسي لينيني لم يزعم يومًا أن الحزب الشيوعي يصبح حزب الطليعة بمجرد إصدار إعلان أو إطلاق تسمية على نفسه.
غير أن المشكلة تكمن في موضع آخر.
فغودريك يقيم تعارضًا زائفًا بين التنظيم الواعي والتحقق التاريخي، وكأن الماركسيين اللينينيين يعتقدون أن القيادة الثورية تتحقق بمجرد الوصف الذاتي.
ولا يوجد شيوعي جاد تبنى هذا الموقف في أي وقت.
إن الحزب الشيوعي الماركسي الكيني لم يدّعِ قط أن التاريخ يمكن إخضاعه بمجرد إعلان.
بل إن ما نقوله يختلف تمامًا.
فنحن نؤكد أن الحزب الشيوعي يجب أن ينظم نفسه بوعي باعتباره الطليعة الثورية للطبقة العاملة، وفي الوقت نفسه يبرهن على هذا الدور من خلال النظرية، والتنظيم، والتضحية، والممارسة.
وهذان الأمران ليسا متناقضين.
بل إن أحدهما لا ينفصل عن الآخر.
فالبلاشفة لم ينتظروا ثورة أكتوبر سنة 1917 حتى ينظموا أنفسهم باعتبارهم حزب الثورة البروليتارية.
لقد أمضوا عقودًا في بناء تنظيم تميز بوحدة أيديولوجية راسخة، ومركزية ديمقراطية، وانضباط ثوري، وعمل دؤوب وسط العمال والفلاحين والجنود.
وحين اندلعت الأزمة الثورية، كانوا يمتلكون ما لم تمتلكه أي قوة سياسية أخرى.
لقد امتلكوا حزبًا قادرًا على القيادة.
والحزب الشيوعي الصيني لم يصبح القوة القيادية لأن المعلقين أو المؤرخين اعترفوا بشرعيته.
بل لأنه بنى نفسه بوعي، خلال سنوات طويلة من النضال الزراعي، والتثقيف السياسي، والتنظيم العسكري، وتطبيق خط الجماهير.
وسلكت الثورة الفيتنامية الطريق نفسه.
وكذلك الثورة الكوبية.
إن التاريخ لا يُنتج القيادة الثورية بصورة عفوية.
بل يكافئ التنظيمات التي تستعد للقيادة قبل أن تحين اللحظة الحاسمة.
ولهذا السبب أولى لينين قضية التنظيم أهمية استثنائية.
ففي كتابه «ما العمل؟» أكد أن الطبقة العاملة تحتاج إلى تنظيم ثوري منضبط، قادر على إدخال الوعي الاشتراكي العلمي إلى الحركة العمالية.
ولم يقل إن مختلف الاتجاهات الاشتراكية ينبغي أن تتعايش إلى ما لا نهاية حتى يختار التاريخ أحدها بصورة تلقائية.
كما لم يقل إن القيادة الثورية ستنبثق من التعددية الأيديولوجية.
بل دعا إلى بناء حزب ثوري واحد قادر على قيادة البروليتاريا نحو الاستيلاء على السلطة السياسية.
وهذا هو جوهر المفهوم اللينيني للطليعة.
إنه ليس تعبيرًا عن الغرور.
بل تعبير عن تحمل المسؤولية التاريخية.
والمفارقة في مقال غودريك ناموايا أنه، بينما ينتقد أي منظمة تقول إنها تبني نواة الطليعة، فإنه في نهاية المطاف يطرح هو نفسه تصوره السياسي باعتباره أكثر إقناعًا من تصور الحزب الشيوعي الماركسي الكيني.
وهذا يكشف حقيقة لا مفر منها.
فكل اتجاه سياسي يعتقد أن خطه الاستراتيجي هو الخط الصحيح.
وكل تنظيم سياسي يسعى إلى إقناع الطبقة العاملة بأن برنامجه هو الطريق الأفضل إلى المستقبل.
إذن، ليست المسألة في أن هذا الطرف أو ذاك يطرح خطًا سياسيًا.
بل في ما إذا كان هذا الخط يتطابق مع الواقع الموضوعي.
فالماركسية اللينينية لم تجعل معيار صحة الخط السياسي هو صدق النوايا.
ولا شعبيته.
بل تحدده التحليل الملموس للواقع الملموس.
ويُختبر داخل التنظيم.
ويُصقل عبر النقد والنقد الذاتي.
ويُثبت صحته في الممارسة الثورية.
ولهذا السبب يتحدث الحزب الشيوعي الماركسي الكيني عن بناء نواة الطليعة.
ليس لأن التاريخ أصدر حكمه النهائي.
ولا لأننا نزعم العصمة من الخطأ.
بل لأن كل حزب شيوعي حقيقي، يستحق هذا الاسم، ملزم بأن يهيئ نفسه بوعي للمسؤوليات التاريخية التي تفرضها الثورة.
أما الحزب الذي يرفض أن يبني نفسه باعتباره القيادة المستقبلية للطبقة العاملة، فإنه يكون قد تخلى مسبقًا عن رسالته الثورية.
فلا يمكن الاستعداد للقيادة برفض القيادة.
ولا يمكن بناء الطليعة بإنكار ضرورة أن تصبح طليعة.
لقد أكدت تجربة الحركة الشيوعية العالمية درسًا بسيطًا.
فالطليعة لا تُخلق بمجرد إعلان.
ولكنها أيضًا لا تنشأ بالمصادفة.
إنها تُصاغ عبر الصراع الأيديولوجي.
وتتقوى بالانضباط التنظيمي.
وتُختبر في أتون الصراع الطبقي.
ولا تعترف بها الجماهير إلا لأنها اعترفت أولًا بمسؤوليتها التاريخية.
وهذا هو الفهم اللينيني للطليعة.
وهو، في نظرنا، لا يزال صالحًا للثورة الكينية اليوم، كما كان صالحًا للثورات الروسية والصينية والفيتنامية والكوبية في ظروفها التاريخية الخاصة.
الثورة الوطنية الديمقراطية ليست خيارًا... بل ضرورة علمية
بعد تشكيكه في المفهوم اللينيني للطليعة، ينتقل غودريك ناموايا إلى مهاجمة الأساس الاستراتيجي الذي يقوم عليه الحزب الشيوعي الماركسي الكيني، وهو الثورة الوطنية الديمقراطية.
ويرى أن الثورة الوطنية الديمقراطية تفصل بصورة مصطنعة بين المهام الديمقراطية والمهام الاشتراكية، فتجعلهما مرحلتين تاريخيتين متعاقبتين. كما يذهب إلى أن هذه الاستراتيجية تمنح ثقة مفرطة لقطاعات من البرجوازية الوطنية، رغم أن مصالحها متشابكة بعمق مع الإمبريالية.
وفي المقابل، يدافع عن فكرة مفادها أن المهام الديمقراطية والاشتراكية ينبغي أن تُنجز في الوقت نفسه، وتحت القيادة الحصرية للطبقة العاملة.
وهذه الحجة ليست جديدة.
كما أنها ليست خاصة بكينيا.
بل إنها تمثل النقد التقليدي الذي وجه إلى الماركسية اللينينية من قبل أولئك الذين رفضوا الاستراتيجية التي بلورها لينين، وطوّرها لاحقًا ستالين، وماو تسي تونغ، وهو تشي منه، وأميلكار كابرال، والعديد من الحركات الثورية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
إن الحزب الشيوعي الماركسي الكيني لا يدافع عن الثورة الوطنية الديمقراطية لأنها عقيدة جامدة أو مسألة إيمان.
بل لأنه يرى أنها تنبع من التحليل الملموس للواقع الملموس في كينيا.
فالماركسية تعلمنا أن كل ثورة لا تبدأ بالشعارات المجردة، وإنما بالتحقيق العلمي في الواقع.
وقبل تحديد الطريق إلى الثورة، لا بد من الإجابة عن سؤال أساسي:
أي نوع من المجتمعات هي كينيا؟
وهذا سؤال لا يمكن القفز عليه.
فكل استراتيجية ثورية تقوم على الإجابة عنه.
فكينيا ليست مجتمعًا رأسماليًا متقدمًا على غرار بريطانيا في القرن التاسع عشر أو ألمانيا في القرن العشرين.
كما أنها ليست مجتمعًا اشتراكيًا يعيش تناقضاته الداخلية.
إنها ما تزال تشكيلة اجتماعية استعمارية جديدة (نيوقولونيالية)، يخضع اقتصادها لهيمنة رأس المال المالي الدولي، والشركات متعددة الجنسيات، والسيطرة الإمبريالية.
وفي الوقت نفسه، ما تزال علاقات ما قبل الرأسمالية قائمة في الريف، من خلال التوزيع غير العادل للأرض، وهيمنة كبار الملاّك، والربا، والاضطهاد الأبوي، والتفاوت في التنمية.
وهذه الحقائق هي التي تحدد التناقضات الرئيسية التي تواجه الشعب الكيني.
أما تجاهل هذه الشروط الموضوعية، فهو يعني إحلال الرغبات الأيديولوجية محل التحليل العلمي.
ومن هنا تنبع الثورة الوطنية الديمقراطية، لأنها تستجيب لهذه التناقضات التي لم تُحل بعد.
وتتمثل مهامها التاريخية المباشرة في:
- القضاء الكامل على الهيمنة الإمبريالية.
- تصفية الحكم الاستعماري الجديد.
- حل المسألة الزراعية ومسألة الأرض.
- دمقرطة السلطة السياسية.
- بناء اقتصاد وطني مستقل.
- استكمال السيادة الوطنية الحقيقية.
- تفكيك الرأسمالية الكمبرادورية.
- القضاء على البقايا الإقطاعية.
وهذه ليست إصلاحات داخل النظام الرأسمالي.
بل هي مهام ثورية.
غير أنها في الوقت نفسه تهيئ الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الانتقال المتواصل نحو الاشتراكية ممكنًا.
ويرى غودريك أن هذه الاستراتيجية تمنح ثقتها للبرجوازية الوطنية.
لكن هذا فهم خاطئ على نحو عميق.
فالثورة الوطنية الديمقراطية لا تُخضع الطبقة العاملة للبرجوازية.
بل تؤكد أن الطبقة العاملة هي التي يجب أن تقود التحالف الثوري.
فالقيادة هي القضية الحاسمة.
والجبهة المتحدة ليست تحالفًا بين أطراف متساوية.
بل هي تحالف تقوده البروليتاريا ضد الإمبريالية وحلفائها المحليين.
ولم تقل الماركسية اللينينية يومًا إن جميع فئات البرجوازية الوطنية ثورية بطبيعتها.
بل على العكس.
فالتجربة التاريخية تثبت أن هذه الطبقة متذبذبة.
ففي بعض اللحظات قد تعارض الهيمنة الإمبريالية.
وفي لحظات أخرى قد تتصالح معها حفاظًا على مصالحها الخاصة.
ولهذا السبب تحديدًا يجب على الطبقة العاملة ألا تتخلى أبدًا عن قيادتها السياسية.
فعليها أن تتحالف عندما يكون ذلك ممكنًا.
وأن تناضل عندما يصبح ذلك ضروريًا.
وأن تحافظ في كل الأحوال على استقلالها الأيديولوجي الكامل.
وهذا كان موقف لينين.
وكان أيضًا موقف ماو.
وكان كذلك موقف أميلكار كابرال.
وهو اليوم موقف الحزب الشيوعي الماركسي الكيني.
لقد أثبت التاريخ صحة هذا النهج مرارًا.
فالثورة الصينية لم تنتصر لأن الحزب الشيوعي ذاب داخل حركة ديمقراطية واسعة.
بل لأنها انتصرت لأن الحزب حافظ على استقلاله القيادي، وهو يبني جبهة متحدة ضد الإمبريالية اليابانية والقوى الرجعية.
وسارت الثورة الفيتنامية في الاتجاه نفسه.
كما أثبتت تجارب غينيا بيساو، وموزمبيق، وأنغولا، أن التحالفات الثورية لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا إذا كانت بقيادة البروليتاريا.
والدرس واضح.
فالجبهة المتحدة ليست تنازلًا عن المبادئ.
بل هي الوسيلة التي تمكن الطبقة العاملة من عزل العدو الرئيسي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالها السياسي.
أما مأساة كثير من الانحرافات "اليسارية المتطرفة" عبر التاريخ، فقد كانت عجزها عن التمييز بين التسوية التكتيكية والاستسلام السياسي.
فبرفضها لكل تحالف، انتهى بها الأمر إلى العزلة عن الجماهير.
وبمطالبتها بالانتقال الفوري إلى الاشتراكية، بصرف النظر عن الظروف الموضوعية، خلطت بين الحماسة الثورية والعلم الثوري.
ولهذا فإن الماركسية اللينينية ترفض في آن واحد:
- الانتهازية.
- والمغامرة اليسارية.
فهي لا تدعو إلى التعاون الطبقي، ولا إلى العزلة السياسية.
بل تدعو إلى قيادة ثورية تستند إلى التحليل الملموس للواقع الملموس.
ومن ثم، فإن الثورة الوطنية الديمقراطية ليست تأجيلًا للاشتراكية.
بل هي الجسر التاريخي الذي تعبر من خلاله الطبقات المضطهدة نحو القضاء على الهيمنة الإمبريالية، واستكمال التحول الديمقراطي للمجتمع، وتهيئة الشروط الضرورية للانتقال المتواصل إلى الاشتراكية.
أما الذين يرفضون هذه الاستراتيجية، فعليهم ألا يكتفوا بإعلان وجود طريق آخر، بل أن يبرهنوا علميًا على أن ذلك الطريق ينسجم بصورة أفضل مع الواقع الملموس لكينيا.
لقد اختار الحزب الشيوعي الماركسي الكيني الطريق الذي أنارته الاشتراكية العلمية.
إنه طريق اختبرته الثورات.
وطريق صاغته تجارب الشعوب المضطهدة.
وطريق يقوم، لا على الأمنيات، بل على الشروط المادية لبلدنا.
وبالنسبة لكينيا، فإن الثورة الوطنية الديمقراطية ليست خيارًا استراتيجيًا من بين خيارات متعددة، بل هي الطريق الضروري نحو الاشتراكية.
النظرية الليبرالية لليسار: عندما تُعامل جميع الخطوط السياسية على أنها متساوية
بعد أن شكك غودريك ناموايا في المفهوم اللينيني للطليعة، ورفض الثورة الوطنية الديمقراطية، يصل إلى النتيجة المنطقية لموقفه السياسي.
فهو يرى أن مستقبل الاشتراكية في كينيا يعتمد، بدرجة أقل، على الوضوح الأيديولوجي، وبدرجة أكبر على التنظيم الديمقراطي، والتعددية، والتعايش بين مختلف التيارات الاشتراكية.
وقد يبدو هذا الطرح في ظاهره كريمًا.
وقد يبدو ديمقراطيًا.
وقد يبدو متسامحًا.
لكن حقيقته أنه يتخلى عن أحد المبادئ الأساسية للماركسية.
فالماركسية لا تنطلق من فرضية أن جميع الخطوط السياسية تمتلك القيمة التاريخية نفسها.
بل تنطلق من أن كل خط سياسي يعبر عن مصالح طبقية محددة.
فالأفكار ليست محايدة.
والسياسة ليست محايدة.
والتنظيم ليس محايدًا.
فكل برنامج سياسي يجيب عن سؤال طبقي.
وكل استراتيجية تعكس موقفًا طبقيًا.
وكل نظرية للثورة تعبر عن مصالح طبقية معينة.
ولذلك، فإن القول بأن الاتجاهات المختلفة داخل اليسار الكيني ليست سوى مقاربات متنوعة، لكنها جميعًا متساوية في مشروعها الاشتراكي، يعني استبدال الاشتراكية العلمية بـ النسبية الأيديولوجية.
إن التاريخ لا يتقدم عبر التعايش السلمي بين الخطوط السياسية.
بل يتقدم عبر الصراع.
فقد خاض ماركس وإنجلز صراعًا ضد الاشتراكية الطوباوية.
وخاض لينين صراعًا ضد الاقتصادوية، والمناشفة، والفوضوية.
وخاض ستالين صراعًا ضد الانتهازية اليمينية وضد المغامرة "اليسارية".
وخاض ماو صراعًا ضد الجمود العقائدي والتحريفية.
وخاض أميلكار كابرال صراعًا ضد القومية البرجوازية الصغيرة.
ولم يعتقد أي واحد من هؤلاء أن وحدة اليسار تقتضي الصمت تجاه الخطوط السياسية الخاطئة.
بل كانوا يدركون أن أعظم خدمة يمكن تقديمها للطبقة العاملة هي التمييز بين الأفكار الصحيحة والأفكار الخاطئة.
ولهذا تصر الماركسية على ضرورة الصراع الأيديولوجي.
ليس لأن الشيوعيين يعشقون الجدل.
بل لأن الطبقة العاملة هي التي تدفع الثمن كلما انتصرت الخطوط السياسية الخاطئة.
ويكرر المقال الحديث عن الديمقراطية، وكأنها مفهوم قائم فوق المجتمع الطبقي.
لكن الماركسية لم تنظر إلى الديمقراطية بهذه الصورة المجردة.
فكل ديمقراطية تحمل طابعًا طبقيًا.
فديمقراطية مالكي العبيد استبعدت العبيد.
وديمقراطية الإقطاعيين استبعدت الفلاحين.
وديمقراطية الجمهورية البرجوازية تحمي الملكية الخاصة، بينما تعلن المساواة الشكلية بين المواطنين.
وكذلك الأمر بالنسبة لكل تنظيم ثوري.
فلكل تنظيم طابعه الطبقي.
ولذلك، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان التنظيم يمارس الديمقراطية داخليًا.
بل هو:
أي طبقة تخدمها هذه الديمقراطية في نهاية المطاف؟
أما داخل الحركة الشيوعية، فلم تعنِ الديمقراطية أبدًا التعايش غير المحدود بين الخطوط السياسية المتناقضة.
بل عنت المركزية الديمقراطية.
أي النقاش الحر داخل الحزب.
والوحدة في العمل بعد اتخاذ القرار.
وعنت النقد والنقد الذاتي.
والتثقيف الأيديولوجي.
والانضباط الجماعي.
فمن دون هذه المبادئ، لا يعود الحزب الثوري أداة سياسية موحدة.
بل يتحول إلى اتحاد فضفاض من الآراء المتنافسة.
وقد أثبت التاريخ مرارًا إلى أين يقود هذا النوع من الليبرالية التنظيمية.
إنه يقود إلى:
- التشرذم.
- والانقسام إلى تكتلات.
- والشلل التنظيمي.
- ثم، في النهاية، إلى التصفوية.
ويحذر غودريك ناموايا من الطائفية.
ولا شك أن على الشيوعيين رفض الطائفية.
فالطائفية تعزل الثوريين عن الجماهير.
وتستبدل التحقيق بالشعارات.
وتخلط بين العزلة التنظيمية والنقاء الأيديولوجي.
لكن هناك خطرًا آخر لا يقل عنها خطورة.
إنه التصفوية.
فالتصفوية تذيب الحزب الشيوعي داخل اليسار العام.
وتمحو الفوارق الأيديولوجية.
وتقلل من شأن الانضباط التنظيمي.
وتحتفي بالتنوع، بينما تتخلى عن التماسك الثوري.
وإذا كانت الطائفية تبني جدرانًا حيث ينبغي بناء الجسور، فإن التصفوية تزيل الأساسات التي يقوم عليها الجسر نفسه.
والماركسية اللينينية ترفض كليهما.
فالحزب الشيوعي الماركسي الكيني لم يقل يومًا إن كل منظمة خارج صفوفه هي عدو.
كما لم يدّعِ احتكار التضحية أو الشجاعة أو الالتزام.
فالعديد من المنظمات قدمت إسهامات مهمة في النضال ضد الإمبريالية.
وكثير من المناضلين خارج الحزب أظهروا إخلاصًا كبيرًا لقضية العدالة الاجتماعية.
غير أن الاعتراف بهذه الإسهامات لا يعني التخلي عن التمييز العلمي بين الخطوط السياسية.
فالاعتراف بالتنوع لا يعني إنكار وجود مراتب قيادية.
والاعتراف بتعدد المنظمات لا يعني إنكار ضرورة القيادة الثورية.
والاعتراف بالنقاش الفكري لا يعني التخلي عن النضال من أجل الخط السياسي الصحيح.
وفي النهاية، فإن الاشتراكية لن تنتصر لأن جميع المنظمات شعرت بأنها تحظى بالتقدير نفسه.
بل ستنتصر فقط عندما تنجح الطبقة العاملة في بناء حزب ثوري قادر على:
- توحيد المضطهدين.
- هزيمة الإمبريالية.
- تحطيم الدولة الاستعمارية الجديدة.
- وبناء سلطة سياسية جديدة.
فالتاريخ لم يقدم طريقًا آخر.
وكذلك كينيا.
التاريخ هو المحكمة النهائية للسياسة الثورية
يعود غودريك ناموايا، على امتداد مقاله، مرارًا إلى فكرة واحدة.
فهو يقول إنه لا يحق لأي منظمة أن تدّعي أنها تمثل نواة الطليعة الثورية.
حسنًا.
فلندع التاريخ يحكم.
فالماركسية اللينينية لم تخشَ التاريخ يومًا.
ولم يطلب الشيوعيون قط أن يُحاكموا على أساس براعة مقالاتهم، أو بلاغة خطبهم، أو تعليقاتهم الأكاديمية.
بل طلبوا أن يُحاكموا على أساس الممارسة الثورية.
ومن ثم، فإن السؤال المطروح أمام الشعب الكيني ليس ما إذا كان الحزب الشيوعي الماركسي الكيني يعلن أنه تنظيم ثوري.
بل هو:
هل يتصرف باعتباره كذلك؟
هل يحقق في الظروف الملموسة للثورة الكينية؟
هل ينتج تحليلًا متماسكًا للبنية الطبقية في كينيا؟
هل يدرب الكوادر بصورة منهجية؟
هل ينشئ مؤسسات للتثقيف السياسي؟
هل ينظم العمال والفلاحين والشباب والنساء والطلاب؟
هل يطوّر أدبيات ثورية تنطلق من الواقع الكيني الملموس؟
هل يطبق المركزية الديمقراطية؟
هل يشارك في النضالات اليومية للمضطهدين؟
هل يبني تنظيمًا دائمًا، بدل الاكتفاء بالتعبئة المؤقتة؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الاهتمام.
لا الشعارات.
ولا التسميات.
ولا الإعلانات.
فالماركسية علم.
والعلم يطالب بالأدلة.
ولم يقل الحزب الشيوعي الماركسي الكيني يومًا إن القيادة الثورية تتحقق بالخطابة.
فالقيادة تُبنى بصبر.
كادرًا بعد كادر.
وفرعًا بعد فرع.
ونضالًا بعد نضال.
وجيلًا بعد جيل.
وهذا ما يدركه كل شيوعي حقيقي.
لقد أمضى البلاشفة عقودًا في الإعداد قبل ثورة أكتوبر.
وسار الشيوعيون الصينيون آلاف الكيلومترات قبل أن يحققوا النصر.
وتحمل الثوريون الفيتناميون أجيالًا من الحروب قبل أن يحققوا التحرير.
ولم يتوقع أي ثوري جاد أن يكافئ التاريخ الاستعجال.
فالتاريخ يكافئ التنظيم.
ويكافئ الانضباط.
ويكافئ الوضوح السياسي.
ويدعو غودريك ناموايا اليسار الكيني إلى تبني التعددية التنظيمية، وكأن مجرد تعدد المنظمات يشكل في حد ذاته مصدرًا للقوة الثورية.
لكن الماركسية تطرح سؤالًا مختلفًا:
هل تستطيع خطوط سياسية متنافسة أن تقود ثورة واحدة في الوقت نفسه؟
والتاريخ يجيب بالنفي.
فكل ثورة ناجحة حسمت، في نهاية المطاف، الصراع حول القيادة السياسية.
ولم يحدث ذلك بقرار إداري.
ولا بادعاء التفوق الأخلاقي.
بل بالممارسة السياسية.
وبالصراع الأيديولوجي.
وبتطوير التنظيم.
وبالثقة التي نالتها القيادة بين الجماهير.
وعليه، فإن القضية ليست ما إذا كان من حق المنظمات الاشتراكية المختلفة أن توجد.
فالتاريخ نفسه أفرز اتجاهات متعددة داخل الحركة الاشتراكية.
لكن السؤال الحاسم هو:
هل تخدم جميع الخطوط السياسية، بالقدر نفسه، المصالح الثورية للطبقة العاملة؟
إن الماركسية اللينينية تجيب بوضوح:
لا.
فهناك خطوط سياسية تعزز الحركة الثورية.
وهناك خطوط أخرى تجرها إلى الإصلاحية.
وهناك خطوط تبني الانضباط الثوري.
وأخرى تجعل من التسيب التنظيمي مبدأً.
وهناك خطوط تُعدّ الطبقة العاملة للاستيلاء على السلطة.
وأخرى تُصالحها مع البقاء الأبدي في صفوف المعارضة.
وهذه ليست فروقًا في المزاج أو الأسلوب.
بل فروق ذات نتائج تاريخية حاسمة.
ولهذا السبب، فإن الحزب الشيوعي الماركسي الكيني لا يخشى الصراع الأيديولوجي، ولا يسعى إلى تجنبه.
بل يرحب به.
فكل نقد يدفعنا إلى صقل نظريتنا.
وكل نقاش يدفعنا إلى تعميق تحقيقاتنا.
وكل تحدٍّ يدفعنا إلى اختبار خطنا السياسي في مواجهة الواقع.
وهكذا تتطور الماركسية.
لا بالصمت.
ولا بالمجاملات المتبادلة.
بل بالصراع المبدئي حول الأفكار.
فالتاريخ لن يسأل:
من كتب المقال الأكثر بلاغة؟
ولن يسأل:
من بدا أكثر اعتدالًا؟
ولن يسأل:
من حصد أكبر عدد من متابعي وسائل التواصل الاجتماعي؟
بل سيسأل سؤالًا آخر:
أي خط سياسي نجح في تنظيم الطبقة العاملة؟
وأي خط وحّد الفلاحين الفقراء؟
وأي خط هزم الإمبريالية؟
وأي خط أسقط النظام الاستعماري الجديد؟
وأي خط بنى التنظيم الثوري القادر على تغيير كينيا؟
ذلك هو الحكم الوحيد الذي يستحق الاعتبار.
ولهذا، فإن الحزب الشيوعي الماركسي الكيني لا يضع ثقته في الآراء الرائجة، ولا في رضا المثقفين، بل في القوة المنظمة للطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، وجميع الجماهير المضطهدة، بقيادة حزب ماركسي لينيني منضبط.
وسيحكم التاريخ على كل منظمة.
وسيحكم على كل خط سياسي.
وكما كان دائمًا، فإن التاريخ هو المحكمة النهائية.
وأمام هذه المحكمة، لا يحظى أحد بمعاملة خاصة.
فالممارسة وحدها هي التي تتكلم.
والصراع وحده هو الذي يحسم.
والثورة وحدها هي التي تصدر حكمها.
الخاتمة
المجد للثورة الوطنية الديمقراطية.
المجد للاشتراكية.
المجد للوحدة الثورية للطبقة العاملة الكينية.
الطليعة ليست مسألة رأي ردّ على غودريك ناموايا بشأن الثورة الوطنية الديمقراطية، وحزب الطليعة، والثورة الكينية بقلم: بوكر نغيسا أومولي
المقال هو رد من بوكر نغيسا أومولي، الأمين العام للحزب الشيوعي الماركسي الكيني، على مقال انتقد فيه الكاتب غودريك ناموايا مفهوم حزب الطليعة والثورة الوطنية الديمقراطية.
ويرى الكاتب أن:
- حزب الطليعة ليس مجرد ادعاء، بل حزب يُبنى عبر تكوين الكوادر، والانضباط، والعمل المستمر بين الجماهير، ويثبت دوره من خلال الممارسة الثورية.
- بناء الكوادر يختلف عن مجرد النشاط السياسي أو المشاركة في الاحتجاجات؛ فالكادر الشيوعي يحتاج إلى تكوين فكري وتنظيمي داخل حزب ثوري.
- الثورة الوطنية الديمقراطية هي المرحلة الضرورية في كينيا، لأنها ما تزال تعاني من التبعية للإمبريالية وبقايا العلاقات الإقطاعية، ولا يمكن الانتقال إلى الاشتراكية دون إنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطي أولًا.
- يرفض الكاتب فكرة أن جميع التنظيمات اليسارية متساوية في الدور التاريخي، ويؤكد أن بعض الخطوط السياسية تقود إلى الثورة، بينما تقود أخرى إلى الإصلاحية أو الانتهازية.
- يؤكد أن الصراع الفكري داخل اليسار ضروري للتمييز بين الخط السياسي الصحيح والخط الخاطئ، وليس سببًا للانقسام.
- ويختتم بالقول إن التاريخ والممارسة الثورية هما الحكم النهائي على أي حزب أو خط سياسي، وليس التصريحات أو المقالات أو الشعبية في وسائل الإعلام
الخلاصة: يدافع المقال عن المفاهيم اللينينية التقليدية: حزب الطليعة، وبناء الكوادر، والمركزية الديمقراطية، والثورة الوطنية الديمقراطية، ويعتبرها الطريق الصحيح لقيادة الثورة والانتقال إلى الاشتراكية في كينيا، مع رفض التعددية التنظيمية التي تساوي بين جميع الاتجاهات اليسارية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق