حتى لا ننسى: اعتقالات " البركويين" بصفرو صيف 72..
حتى لا ننسى: اعتقالات " البركويين" بصفرو صيف 72..
كان الجو خانقا تلك الليلة والهواء ثقيلا.. وصمت رهيب يلف المدينة كالحزن، لا يمزق صمت الليل سوى صرير الصراصير والجداجد..أو نباح كلاب كأنه النحيب، لا أحد يجرؤ على الخروج من بيته أو يخرج رأسه من النافذة خشية أن يلمحه غرباء حلوا بالمدينة بسحناتهم الصارمة ونظراتهم المتفحصة... خاصة وقد استفاق سكان مدينة صفرو الوديعة صباح 12 غشت 1972 على خبر اختطاف السي أحمد معزوز بعد 6 أشهر من دخوله من منفاه، وهو الخبر الذي انتشر في المدينة كما ينتشر النار في الهشيم. والسي أحمد معزوز الذي كان قد عاد من منفاه بعد تسع سنوات هو من الوجوه الوطنية واليسارية بالمنطقة، سبق له أن اعتقل عقب أحداث 20 غشت 1953، كما اختطف بعد الإستقلال بأمر من وزير الداخلية آنذاك في معتقل غير قانوني بدوار زگان بما يعرف حاليا بالجماعة الترابية آل سيدي لحسن، ولعب دورا كبيرا في بناء الجماعات المتحدة لحزب الإستقلال ومن بعدها الإتحاد الوطني للقوات الشعبية.
كان خبر اعتقال " زعيم البركويين" الحدث البارز في نهار يوم 13 غشت، وهو الخبر الذي خلق جوا من التوتر خاصة في أوساط رفاقه في المقاومة الذين لم ينصفوا ورفاقه في الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، خاصة مع وفود عناصر تبدو وكأنها من الشرطة السرية مشطت المدينة رفقة عناصر من الشرطة المحلية، كما وفد على المدينة استخابراتيون ينحدرون من المدينة نفسها، ثم بدأت الإعتقالات والتي طالت 19 رجلا وطفلا هو إدريس معزوز الذي اعتقل في ذات المحنة هو وأبوه السي أحمد معزوز وعمه عمر معزوز، وبذلك تكون حصيلة اعتقالات يومي 12 و13 غشت 1972 هي 21 مواطنا جلهم من"قدماء الحركة الوطنية والمقاومة ضد الوجود الأجنبي ببلادنا، وبعض منهم بسبب الرابط العائلي، " حسب شهادة لإدريس معزوز.
تعرض المعتقلون 21 لصنوف من التعذيب والممارسات الحاطة بكرامة الإنسان وآدميته على أيدي " الحجاج" بكل من دار المقري لمدة شهر ونصف، ودرب مولاي الشريف لمدة ستة أشهر، ليتم في شهر مارس 1973 نقلهم بعد ذلك للكوربيس( مطار أنفا).
بعد أقل من ثلاثة أشهر على إيداع معتقلي مجموعة صفرو بالكوربيس، سيتم فصل أربعة منهم وهم: أحمد معزوز، بوشامة محمد بن الهادي، الگيري محمد بن إدريس و محمد مروش( من البواديس بضاحية صفرو) ليمثلوا أمام المحكمة العسكرية بالقنيطرة في القضية الجنائية 8754/1748 يوم الخامس والعشرين من يونيو 1973 التي قضت بإدانة أحمد معزوز بعقوبة سالبة للحرية( أفرج عنه بتاريخ 20 يوليوز 1980) ، فيما برأت محمد مروش، محمد الگيري ومحمد بوشامة، غير أنه لم يتم إطلاق سراحهم بالرغم من تبرئتهم ابتدائيا واستئنافيا إلا سنتي 1975 و1976.
فراق ثاني كان قاسيا على المجموعة هو استشهاد عبد الهادي بن المدني في شهر دجنبر 1973 بالكوربيس الذي فقد فيه المهدي ارطل بن العربي الشادكي بصره.
ابتداء من بداية سنة 1974، عمد الحكم لإطلاق عدد من المعتقلين السياسيين " لخلق جو من الثقة" تمهيدا لإجراء اصلاحات سياسية مدخلها انتخابات.. لم تكن مجموعة صفرو بمنأى عن هاته المقاربة، فتم اطلاح سراح عمر معزوز يوم 12 فبراير 1974، وادريس معزوز يوم 19 أبريل والهادي بكار يوم 26 من نفس الشهر، في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير اعتقل يوم 14 غشت 72، وهو اليوم الذي تم فيها إعتقال غير المقيمين بصفرو، وهم: حمو الخليفي و محمد أبعزيز من سكورة، محمد مروش من البواديس، سعيد بن حدو من تازوضة، حدو لصفر وحدو حراج من الواتة. بالنسبة للمعتقلين القاطنين بصفرو وهم: إدريس السيوطي، محمد يخلف، محمد العلمي العدلوني، لحسن شريفي البركة، أحمد شريفي البركة، محمد بلعباس الغرباوي، محمد بن إدريس مرقي، المهدي ارطل بن العربي الشادكي، عبد الهادي بن المدني، عمر معزوز و إدريس معزوز فقد اعتقلوا يوم 13 غشت.
أواخر شهر أبريل 1974 سيتم نقل من بقي بمجموعة صفرو بالكوربيس إلى مقر قيادة گرامة بإقليم الرشيدية حيث " حشروا في مرأب شبيه بإصطبل وعلقوا بحبال مثل البغال من دون أغطية ولا أفرشة بتعبير إدريس معزوز، ومع بداية شهر أكتوبر من نفس السنة تم إيداعهم بمقر الجمعية الخيرية الإسلامية لصفرو حيث سينفرج عليهم يوم 10 أكتوبر 1974.
تم عرض ملفات مجموعة صفرو على هيأة الإنصاف والمصالحة، والهيأة المستقلة لتعويض ضحايا الإعتقال التعسفي والإختفاء القسري وتم جبر الضرر الفردي للضحايا أو ذوي حقوقهم، وإدراجهم ضمن نظام التغطية الصحية، لكن ...
إن إثارتنا للذكرى الرابعة والخمسين لإعتقالات واختطافات غشت 1972 التي شملت مناضلين من مدينة صفرو ومنطقتها يهدف إلى توثيق الذاكرة الجماعية وحفظها من النسيان، وتعريف الأجيال بالتضحيات الجسام التي بذلتها الأجيال السابقة من أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، و الوعي بها ضمانا لعدم تكرار ما مضى، وهو ما لن يتأتى إلا بوعي المواطنين بحقوقهم ودفاعهم عنها، واحترام الحاكمين لحقوق الإنسان والقانون، وهي مناسبة لدعوة مكونات الصف الحقوقي المنبعث من معاناة المواطنين لتوحيد الجهود والعمل على تثمين وتنمية المشترك، ودعوة أولى الأمر منا لإحترام القانون وضمنه ضمان حرية الفعل الحقوقي والنشطاء الحقوقيين، و تفعيل آليات الحوار الإجتماعي وانفتاح المؤسسات على محيطاتها.منقول




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق