" في الوضع الوطني و الاقليمي و الدولي "للرفيق عمر بوراس عضو الكتابة الوطنية
لم يطرأ على النظام الراسمالي منذ 2008 تعافيا حقيقيا نظرا لاشتداد ازمته الهيكلية واحتدام تناقضاته وانكفاء قوانين حركيته، بل ماقدم عليه هو إنقاذ للمؤسسات المالية الكبرى بتحميل الدولة تبعات أعباء الديون وإعادة توزيع الخسائر المالية ونقل تكلفتهاالى الطبقة العاملة عبر تدني الأجور وتقليص الخدمات وتعميم العمل الهش وارتفاع الاسعار،كل هذا فسح المجال أمام استراتيجية التراكم عن طريق النهب والاكراه فوق اقتصادي : يعني تعويض المنافسة والربح كمحركين للاقتصاد بالإكراه خارج السوق وهو منحى غير طبيعي بل نتج بناءا على تراجع الطبقة العاملة سياسيا واجتماعيا وتصاعد النمو الاقتصادي اللامتكافىء خلال عقود من النيوليبرالية مس بالأساس النواحي المالية والتجارية والتنافس التكنولوجي والتحكم في الممرات ومناطق النفوذ بالإضافة لعوامل اجتماعية وثقافية وقيمية مما جعله يناقض اوهام انتصار اقتصاد السوق وعولمة الرفاه الاجتماعي ومجتمع الاستهلاك حيث ساد خطاب نهاية التاريخ وحلول عصر الديمقراطية وحقوق الانسان والسوق الحرة،لكن العكس الذي حصل،ساد إشعال الحروب الناعمة والتحالف مع القاعدة وداعش والتطهير العرقي وتراجع ديمقراطي في الغرب وصعود لليمين المتطرف وحماس شديد للحروب،ناهيك عن تعميم النموذج النيوليبرالي أمام تصاعد الازمات وذلك بتمرير سياسات الخوصصة الشاملة وتحرير الأسواق وتخفيض الإنفاق الاجتماعي وفتح اقتصاديات هذه البلدان أمام تغول الشركات العابرة،ويتم تطبيق ذلك بالإكراه وليس عن طريق الاختيار الحر ولنجاح النموذج الاقتصادي المعولم،وبالتالي لا يمكن نعث هذا الشكل الراسمالي الا بنمط راسمالية الكوارث،حيث تنتهز الامبريالية عبر مفاعيلها الانهيارات ماليةللدول لتفرض عليها الشروط المجحفة للمؤسسات المالية المانحة المتمثلة في الخوصصة والتعاقدات الواسعة للبرنامج النيوليبرالي مع تشديد القمع السياسي ويطلقون على هكذا برنامج بالتصحيح الهيكلي،انها عولمةنيوليبرالية للطبقة الاوليغارشيةالمالية الاحتكارية المضارباتيةتزامنت مع التطور التكنولوجي للإعلام والتواصل والذكاء الاصطناعي راسمالية الاقتصاد الرقمي تمكنت من خلال قطبيها المالي والإداري من تفكيك الطابع المادي للإنتاج وحولته الى قطاع خدماتي،حيث فصلت القطب الراسمالي التأميني المالك لوسائل الإنتاج عن القطب الإداري والذي يوجد تحت إدارة راس المال المسيطر والمكان من تكنوقراط يحصلون على أجور عالية مقابل ما يقدمونه من خدمة لصالح راس المال الامر الذي أدى إلى تغيير في طبيعة تركيبة الطبقة العاملة وجعلها لاتتطابق ومثيلتها التنظيمية التقليدية. ان مانشاهده اليوم في اكرانيا وغزة ولبنان وفنزويلا وايران هي لحظة كبرى من الانتقال الدولي ستحدد شكله القادم ويبين لماذا لجأت الامبريالية الأمريكية الى إدارة هذه الازمات فهي تسعى من وراء ذلك الى تثبيت هيمنتها قبل السقوط وتحركها في ذلك استراتيجية واحدة ذات حسابات اقتصادية وعسكري تهدف بذلك الى إدارة هذا العالم القائم الذي تسيطر فيه على القرار الدولي اقتصاديا وعسكري وثقافيا ،اذن فازمة الامبريالية الأمريكية ليست ازمة رئيس كما يتم تغطيته اعلاميا لان ترامب ليس هو صانع القرار الامريكي وإنما هو فقط أداة طيعية في يد بنيةاوسع للدولة الاعمق ويشخصن من أجل إعادة ترتيب الهيمنة الأمريكية الأكثر عنها وعدونا اذن ليست ازمة رئيس بل هي ازمة منظومة لبنية شاملة لم تعد منزلاها أمريكا قادرة على قيادة العالم فلجأت الى استخدام القوة المفرطة لمنع ولادة عالم جديد خاصة أمام تآكل النظام الغربي الأطلسي وعودة الصين كمنافس قوي اقتصاديا وتكنولوجيا وتبوء روسيا لمكانة كقوة صلبة وظهور ايران كلاعب اقليمي، مما جعل أمريكا تلجأ الى إشعال الحروب عسى تقطع التواصل بين القوى القاعدة وذلك بحيل تدبير الازمات وتوسيع رقع التوتر، فتخوض الحروب معلنة انها دفاعا عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وتعتبر السوق الحرة قوة محايدة لنظام عالمي عقلاني بينما هي في العمق شبكة معقدة من الهيمنة تدار فيها القوة بالمال والسلاح، بمنطق يمزج بين أسواق المال والتدخل العسكري حيث أن النظام الراسمالي المعولم يكشف عن تداخل منطق الهيمنة الجيوسياسية ومنطق آلية التراكم الراسمالي وقد تكرس منذ نهاية الحرب الباردة وصعود النيوليبرالية واللجوء للتدخل العسكري من خارج المنتظر الدولي.
ويمكن ان نستكشف ذلك من خلال مايلي :
1- يعد - الشرق الأوسط شريانا استراتيجيا للطاقة العالمية ومن يسيطر عليه يهيمن على اقتصاد العالم الشيء الذي ساعد على نمو القوة الامريكيةمن خلال التوسع الجغرافي والسياسي اقليميا بالإضافة للتوسع الاقتصادي لراس المال .
2-احتاجت الراسمالية الأمريكية لدولة قوية لضمان الملكية الخاصة لتنفيذ العقود واستقرارالنظام المالي،فالراسمالية الحالية لا تنمو بالانتاج فقط وإنما تنمو عبر نزع ملكية الآخرين أيضا، بالاستيلاء على الموارد وتفكيك القطاع العام وتحويل الأصول العامة الى ملكية خاصة.
3- انتقال الهيمنة من القبول الايديولوجي الى الاكراه بالقوة .
الترامبية الحالية هي استراتيجية رجعية موالية لليمين المحافظ الشعبوي أصحاب مقولة أمريكا اولا تهدف الى إعادة صورة أمريكا المهيمنة وهي وليدة اوليغارشية مالية مضارباتية تحاول التخفيف من شدة تفاقم الازمة الأمريكية وبدأت مع بداية فقدانها للتفوق التكنولوجي لصالح الصين ،فلجأت للحمائية وفرض الرسوم الجمركية كحرب تجارية لتغطية عجزها التجاري وسد عجز ميزان المدفوعات بفعل المديونية ونفقات الحروب،وتناقض في جهودها تصور عالم متعدد الاقطاب تكون الصين ممثلة فيه كقوة عالمية بجوار دول البريكس،هذا الرهان هو ماجعل العالم يعرف صراعا متناميا بين الدول المتنافسة كما يشهد تحولا في بنية الراسمالية.
في مجمل القول الراسمالية تعيش أزمات دورية وانذاك تلجأ الى إعادة هيكلة الاستغلال والنفوذ وعندما تعجز الحلول الاقتصادية على احتواء التناقضات ويتسع الغضب الشعبي ويتقاطع العنف المؤسسي مع التدهور المعيشي يتدخل بالمناسبة الإعلام الرسمي ليلعب دور الاطفائي بتفريغ الاحتجاج من مضمونه الطبقي وينقل الصراع الى ساحات هامشية بغية فصل الصراع الطبقي عن جذوره المادية كمحاولة لتعطيل شكل الوعي وتحويره عن موقعه الأصلي.وتتحول الدولةامام احترام التناقضات من موقع الحياد والذي كانت تتدعيه الى قوة قسرية لتحميل النظام القائم.
يبدو أن هناك هرمية عالمية جديدة بدأت في الظهور وهي قيد التكون وليس نظاما عالميا جديدا وان كان قائما نسبيا لكنه لايوفر نفس شروط التكافؤ والتنمية للجميع بل يبقى نظاما عالميا للاقوى.انصعود الصين وتحديها للهيمنة الأمريكية يبشر بامكانية إعادة تنظيم العالم على قاعدة إصلاحات كبرى لتجاوز شروط الراسمالية المعولمة ،فالاوراسيون بدأوا في تشكيل عالما صاعدا اقتصاديا وسياسيا بنهج التخطيط التنموي المتكامل وإعداد مؤسسات لهذا الغرض قصد دمج مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي في إطار واحد للدفع بنظام اكثر عدالة يتخلص من الوصاية الغربية واحتكارها لقيادة العالم.
ان الحرب في اكرانيا ليست حربا حدودية وإنما هي اختبار لمستقبل روسيا على إعادة بناء كيانها من الداخل والاعتماد على الذات وذلك بتوجيه اقتصادها نحو الإنتاج الوطني كقطب حضاري مستقل يساهم في التوازن العالمي الجديد،
اما الصين فتحتل موقعا رائدا بجهدها في الجمع بين التطور التكنولوجي والهوية الوطنية وهي شريك رئيسي في العالم القادم نتيجة الاعتماد على الذات وأسلوب نمط الاسيوي وتدفق سريع بقيادة الصين والقوى الصاعدة الأخرى. لان المواجهة تجري في واقع الازمة العميقة للراسمالية والامبريالية الاطلسية الغربية بقيادة أمريكا وقدرة هذا المركب الامبريالي على المناورة وترميم اطرافه للعودة الى استراتيجية الهيمنة المعولمة بواسطة الحروب الناعمة. وامام كل ذلك يعد تحالف الصين مع روسيا سيشكل دعامة للعالم الجديد لان تقاربهما سيغير من ميزان القوى العالمي.
ننتقل الى وضعية -الشرق الاوسط- ساحة مركز الصراع الحالي،فتصعيد العدوان الصهيوامريكي هو دليل على اختبار تجريبي للهيمنة بالقوة ضد قوى اقليمية تحاول الفتاك من الهيمنةوتسعى الى خلق توازن جديد ووراها الصين وروسيا بصورة اكبر،فالعدوان الاخير ضد ايران لايستهدف ايران وحدها بل موجه ضد اي دولة تحاول التفكير في فك الارتباط بالامبريالية الأمريكية اوتحاول توسيع نطاق استقلال قرارها السيادي اوتوكاد تعبر عن مطامح شعبها في التحرروالانعتاق وحماية مقدراته ،كما تعادي آمال النخب التقدمية في تشكيل أفق تحرري تاريخي مستقل وتعطيل اي مشروع وطني تحرري ،
صمود ايران في وجه العدوان الامريكي الصهيوني بصرف النظر عن التقييم النقدي والموضوعي لطبيعة النظام الايراني ،هو بمثابة إعادة لطرح اشكالية مغزى القوة في عالم لم يعد احاديا وان ظل ابعد من ان يكون متعدد التبلور، فمواقف كلا من روسيا والصين تبين مدى هامشية التناقض مع المركز الامبريالي الغربي نظرا لمنطق المصالح التي تحكم حساباتهما الاستراتيجية ،ورغم ذلك قدما دعما ديبلوماسيا ولوجستيكيا قيد شيئا ما التغول الامريكي،لأنها ليسا في وارد تأسيس لمشروع اممي بديل والذي يبقى رهن ارادة الشعوب وقواها التقدمية المناهضة للمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تحمله الامبريالية الأمريكية بالمنطقة،
نحن أمام ازمة بنيوية للاطراف التابعة في واقعنا العربي ،إذ تبدو انظمته الطرفية الاستبدادية اكثر انكشافا، أنظمة ريعية كمبرادورية تابعة وفاشلة لاتتهاون في قمع واضطهاد شعبها وتضيق الخناق على حرياته وتنتهك كرامته تستمد هذه الانظمة امنها من واقع استبدادي مدعوما من الغرب الراسمالي لاتمانع في رفض التبعية والهيمنة لكن في المقابل تخشى شعوبها. هذه الازمة الهيكلية التي رافقت الارتباك الإقليمي هي عامل مساهم في نهضة شعوب المنطقة من أجل بلورة أشكال ضغط ملموسة ترفض الهيمنة والقواعد العسكريةوتجريم أشكال التطبيع وإلغاء اتفاقات التعاون الأمني والعسكري ومنع اقامة ملايات ضريبية ورفض توطين الشركات العابرة من شأنه ان يساهم في بناء أفق تحرري ناهض يفرض كلفة سياسية على الانظمة التبعية المرتهنة للخارج أنظمة ريعية يهيمن فيها الكومبرادورالتابع على مفاصل الدولة وتسود بنى التقليد تستثمر من قبل الامبريالية والرجعية لادامة السيطرة الخارجية التي تجلب الخذلان والمهانة والتبعية وتوظف خلالها الصراعات بالوكالة لحماية بنية التقليد وتصبح من خلالها الاصولية الإسلامية محور النشاط السياسي ،وذلك نتيجة سياسات الوفاق الوطني مع البرجوازية الطفيلي والتي ساهمت في إجهاض التغيير الاجتماعي وترك الفراغ السياسي ملأه الإسلام السياسي الامر الذي نشأ عنه تحالف غير معلن بين الامبريالية الأمريكية وتيارات الاخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الموغلة في التوحش وذات خطاب فاشيستي جديد.هذا الفراغ السياسي خلفه أيضا انهيار التجارب التطبيقية للاشتراك مما ساهم في تفاعل فساد الانظمة مع بطالة الشباب لتدفعهم نحو خيار الاصولية .
غير أن المعضلة الكبرى تتمثل في عدم بلورة بديل حقيقي إذ يعيش اليسار التقدمي تراجعافكريا وتنظيميا حيث يعاني من انفصال عن قاعدته الفكرية وحاضنته الاجتماعية،فيما يسيطر الكومبرادور على مفاصل الدولة التابعة،مع وجود نخب تهادن الانظمة الاستبدادية ،ترفع شعارات انتهازية من قبيل المساندة النقدية او تحت ذريعة الأمن والاستقرار، لكنه أمن كبديل عن السيادة واستقرار هش كبديل عن تعليم عمومي عصري ورعاية اجتماعية ،خدمات عمومية جرى تفكيكها لفائدة القطاع الخاص على حساب الكرامة والعدالة الاجتماعية.
ان الحرب الراهنة تشكل لحظة مفصليةيبرز من خلالها فرز ثنائي : الأول دولي يفصل بين هيمنة احادية وبين تعددية قطبية غير مكتملة؛ والثاني بين تبعية مأزومة فاشلة وبين أفق تحرري شعبي لم يتبلور كفاية في الوعي الشعبي كظاهرة تاريخية.امام ماتعيشه المنطقة من ارتباك وهشاشة الانظمة التابعة هل في استطاعة شعوب المنطقة من تحويل هذا الواقع الموضوعي الى شروط لبناء كتلة جديدة تعيد الاعتبار لنهج التحرر الوطني وتستعيد دوره الطلائع باعتباره مدخلا للانعتاق الاجتماعي .
نمر الى العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ببلادنا في ظل ازمة بنيوية عامة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا تعرف بعموم البلاد بفعل اختيارات سياسية واقتصادية عمقت من معانات الطبقات الشعبية ومست قوتهم اليومي، في ظل اقتصاد مرتبط بالعولمة النيوليبرالية يعاني من اعاقات هيكلة أبرزها ثقل المديونية وتناقص انتاجيتة وضآلة تنافسيته واختلال بنيوي بين العرض والطلب نتيجة تقلبات السوق الدولية يعاني من التضخم الذي يلازم هذا النمط الراسمالي التابع يعكس تناقضات عميقة في بنية الإنتاج والتوزيع ،لأنه اقتصاد غير مرن يغلب عليه الطابع الريعي لايعظم الإنتاج ويحد من الحوافز الاستثمارية يفتقر للنظمة الراسمالية الكاملة رغم ادعائه انه ذو نهج ليبرالي يهيمن عليه قطاع الخدمات بحوالي النصف تقريبا من الناتج الإجمالي يتميز بضعف الإنتاج السلعي ومحدودية التشغيل الانتاجي ولايهمك بوثيقة افضل لانه اقتصاد غير تصنيعي وغير تنافسي يؤول نحو اقتصاد السوق مع حضور السلطة في الاستثمار وتوجيه السياسات الاقتصادية يغلب عليه الاستقرار الماكرواقتصادي ،وقطاع اولي لايساهم الا في حدود 14%وتشكل المنتوجات الموجهة نحو التصدير اهم اتهامات، انه بالطبع اقتصاد سوق منفجر بالريع هو سمته الاولى تم اعداده كاقتصاد تقليدي متجدد نشأ على توزيع الامتيازات حسب القرب من السلطة يتم توزيع الموارد دون أدنى مساهمة في خلق القيمة المضافة ويتحول معه المستفيدين الى مستغلين متوحشين،يتشكلون كطبقة رثة لاعلاقة لها بالانتاج يستشري فيها الفساد تخدم الراس المال الأجنبي وتحصل على نصيبها من الريع هي فاشلة نتيجة التطور البديوي الذي نشأت عليه جراء تبعيتها.
انه نمط النمو أقرب إلى نمط الموارد محتجز لاعتماده على الريع يؤخر التصنيع التنافسي ويبقيه في حدود التصنيع الخفيف له آثار سلبية على التضخم وعلى معدل الاعالة والادخار وتراكم راس المال الانتاجي والبشري يضعف الاستهلاك ويخلق التفاوت في الدخل نتيجة فائض العمل ولايشجع على جلب الاستثمار وإنما يسعى الى الربح السريع ونشر المصالح المئوية على حساب الرفاه.اذن هو اقتصاد ضعيف المنافسة لايجلب الا المتاعب بسبب تأخيره للتصبيع حيث يفتقر للانتاجية العالية بافتقاره للراس المال البشري العالي التأهيل لا يساهم في خلق فرص الشغل مما يؤدي الى عدم تحقيق الإقلاع المطلوب.
ازمة ملموسة لم تعد تصلح لتوصيف الواقع الاقتصادي والاجتماعي المستعصي على الخروج منه من خلال تطبيق اجراءات لأسباب مالية واقتصادية عمقت من الازمة بتوجيه الاقتصاد لصالح الخواص في التدبير العمومي وإدخال آليات السوق في تسيير القطاع العام بالاعتماد منطق الاقتصاد المقاولاتي بنهج سياسات الضبط المالي والنقدي والانفتاح التجاري وتحرير السوق أمام التجارة العالمية في السلع والخدمات وحرية تنقل رؤوس الأموال انها بشكل أدق سياسة التنمية الراسمالية المتبعة لجذب الاستثمار الاجنبي،وهذه المنظومة لايمكن لها أن تعيش الا داخل الازمة ولاتدبر الا من خلالها باعتبار منظومة ازمة تؤطرها سياسة متهالكة،هذا النهج اوصل البلاد الى حالة متردية لانه غير مؤهل من إخراج البلاد من ازمتها ولا على البحث عن وسائل كفيلة بتدبير الازمة، وصلنا إلى هذه الحالة بسبب منظومة اقتصادية تعانب اختلالات بنيوية وعجز هيكلي في الموازنة العامة واللجوء لاستراتيجية الاعتماد على القروض ومعاجتها بمزيد من القروض وانخراط البلاد في إطار المزروعية الاقتصادية بسلسلة من توصيات المؤسسات المانحة ممثلةفي تخفيض الميزانيات الاجتماعية واعمال برامج تقشفية والتخلص من أشكال الدعم وزيادة الضرائب والرسوم على الخدمات وتخفيض قيمة العملة والتحكم في السوق النقدية عبر تحديد الائتمان ورفع سعر الفائدة لان ذلك يشكل خطرا التوازنات الماكرواقتصادية.
هذه المعادلة للسياسة الاقتصادية عمقت التبعية اكثر فتحولت معها الخوصصة الى أداة نهب مقدرات الشعب وفكرت القطاع العام مما زاد من تفاقم التفاوت الاجتماعي وتآكل القدرة الشرائية للغالبية العظمى وخفض قيمة الأجور مما زاد من حدة استغلال الطبقة العاملة في قطاعات الإنتاج والقطاع الخاص وفي العمل المؤقت واليومي غير المهيكل.حيث لاتواكب الأجور المتدنية الحد الأدنى المعيشي نظرا للغلاء الفاحش خاصة عندما لاتواكب قيمة الأجور ارتفاع الأسعار إضافة لانهيار منظومات التأمين الصحي والاجتماعي وسن قوانين لمحاصرة تنظيم العمال والدفاع عن حقوقهم ،
يمثل هذا تلبؤس الاقتصادي ظاهرة مركبة ومزمنة باعتبارها نتاج لتناقظات بنيوية داخل هذا النمط الراسمالي التبعي حيث يقود منطقه التراكمي الى تركيز الثروة وتراكمها في قطب ويخلق جيش احتياطي من العمل ويعمق التهميش في القطب الآخر.مما يفاقم من الاستغلال والشاشة الاقتصادية ويتجلى البؤس في البطالة البديوي وهشاشة العمل وتدني الأجور وهي آليات ملازمة لهذا النوع من الراسمالية النيوليبرالية التابعة ادت الى خلق طبقات تعاني من انعدام الأمن الاقتصادي،ولن يكون هناك حل لهذه المعضلة الا بمعالجة هيكلة تصبح الاحتكار والمضاربة عن طريق ملكية جماعية للقطاعات الاستراتيجية وتوجيه الإنتاج نحو الحاجات باعتماد التخطيط الاقتصادي يحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وفق منطق اجتماعي يراعي العدالة والتوزيع المتكافىء بدل تعميق التفاوتات .
هذا البؤس له تداعيات على المستوى الاجتماعي يتجلى في تفكك الروابط الأسرية وضعف التضامن وتراجع الثقة في المؤسسات حيث تتجاوز الازمة هذه التجليات الى بنية المعنى الاجتماعي .ورغم ان البؤس إجمالا يشكل شرطا موضوعيا الا ان تحوله الى مشروع للتغيير يتطلب توافر شروط ذاتية ووعي طبقي وتنظيم سياسي وقيادة قادرة على بلورة مشروع بديل، الا ان البؤس في حالات ما رغم تهيئته للشروط الموضوعية قد يؤدي في مناسبات أخرى الى نتائج معاكسة مثل سيادة الشعبوية او إعادة النظام لآيات جديدة تمتص الغضب الشعبي ، ومع ذلك فهي تؤجل انفجار التناقضات الى حين.
الخلاصة الفكرية العامة للمقال
يمكن تلخيص المواقف الفكرية الكبرى التي يقوم عليها المقال في النقاط التالية:
- تبني المنهج الماركسي في تفسير الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، مع اعتبار الصراع الطبقي أساس فهم الواقع.
- رفض النيوليبرالية بوصفها مرحلة متقدمة من الرأسمالية الاحتكارية وليست نموذجاً للتنمية.
- اعتبار الإمبريالية الأمريكية القوة الرئيسية المسؤولة عن الحروب وإدارة الأزمات العالمية للحفاظ على الهيمنة.
- التأكيد على انتقال العالم من الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية لم تكتمل بعد.
- الدفاع عن قوى المقاومة والتحرر الوطني في مواجهة الهيمنة الإمبريالية، مع الدعوة إلى تقييم نقدي لأنظمتها.
- تشخيص أزمة اليسار العربي والمغربي باعتبارها أزمة تنظيم وفكر وارتباط اجتماعي.
- تحليل الاقتصاد المغربي كاقتصاد ريعي تابع يعاني اختلالات بنيوية بسبب السياسات النيوليبرالية.
- طرح بديل اشتراكي يقوم على التخطيط الاقتصادي، والملكية العامة للقطاعات الاستراتيجية، والعدالة الاجتماعية، وبناء حركة شعبية منظمة قادرة على إنجاز مشروع التحرر الوطني والاجتماعي.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق