هل ما زلنا أسرى نوستالجيا الجريدة المركزية؟الرفيق محمد السفريوي
هل ما زلنا أسرى نوستالجيا الجريدة المركزية؟الرفيق محمد السفريوي
من أكثر المفارقات داخل جزء من اليسار الحالي أننا نعيش وسط ثورة إعلامية غير مسبوقة، بينما لا نزال نفكر في أدوات التنظيم والدعاية بمفاهيم صيغت قبل أكثر من قرن. نستعيد لينين و جريدته المركزية كما لو أن الزمن توقف عند مطابع " الإيسكرا " ، وكأن شبكات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء ثانوي للتسلية، وليس أحد أهم ميادين الصراع السياسي والاجتماعي اليوم.
لقد كان الربيع العربي لحظة كاشفة في هذا المجال. فبعيدا عن كل التقييمات السياسية اللاحقة لمسارات تلك السيرورات، أظهرت التجربة أن شبكات التواصل تستطيع أن تؤدي وظائف كانت التنظيمات التقليدية تحتكرها: نشر المعلومة، بناء النقاش، التنسيق، التحفيز، التعبئة، والدعوة إلى الفعل الجماعي. لم تكن صفحة " كلنا خالد سعيد " في مصر مجرد وسيلة اتصال؛ لقد تحولت، في لحظة معينة، إلى أداة للتأطير السياسي والحشد الجماهيري.
ولو كان لينين يعيش زمننا، فهل كان سيصر على الورق باعتباره الشكل الوحيد الممكن لـلإعلام الحزبي؟ الأرجح أن السؤال الحقيقي ليس هل نعوض الجريدة بفيسبوك أو بمنصة أخرى؟ بل: كيف نفهم الوظيفة التنظيمية التي كانت تؤديها الجريدة، ثم نبحث عن الأدوات الأكثر قدرة على إنجاز تلك الوظيفة في عصرنا؟
إن ما يسمى بـ " العالم الافتراضي " ليس عالما نقيضا للواقع؛ إنه جزء من الواقع الاجتماعي نفسه، تحكمه شركات عملاقة وخوارزميات ومصالح اقتصادية وعلاقات سلطة.
لذلك يحتاج الحزب اليساري الحديث إلى تصور إعلامي جديد، إعلام لا يكون مجرد جهاز للدعاية يصدر البلاغات، بل فضاء للحوار والتفاعل وجمع المعطيات وبناء المعرفة السياسية. فكما كانت الجريدة عند لينين أداة لبناء الحزب، يمكن لشبكات اليوم أن تصبح جزءا من عملية بناء أداة سياسية جديدة، شرط ألا نتعامل معها بعقلية القرن التاسع عشر ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين.
المطلوب إذن ليس تقديس التكنولوجيا، ولا اجترار الأدبيات القديمة، بل امتلاك الجرأة على إعادة التفكير في العلاقة بين الإعلام والتنظيم والسياسة. فالحزب الذي يريد أن يغير المجتمع، عليه أولا أن يفهم المجتمع الذي يعيش فيه.
Abdelillah Rhoumari
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق