اليسار التونسي بين ذاكرة لم تنته ومستقبل لم يتشكّل بعد .الشرايطي رياض
اليسار التونسي بين ذاكرة لم تنته ومستقبل لم يتشكّل بعد .الشرايطي رياض
ليس اليسار التونسي اليوم أمام خلاف بين جيل قديم وجيل جديد، ولا أمام معركة بين من حفظوا كتب ماركس ومن اكتشفوا اليسار عبر الحركات الاجتماعية والرقمية . المسألة أعمق من ذلك بكثير . إنها مسألة يسار يحمل على كتفيه تاريخا من الدم والزنزانات والنفي والطرد والمطاردة، لكنه يحمل كذلك تعبا تنظيميا، وشيئا من الغرور العقائدي، وكثيرا من الانقسامات التي جعلت بعضه ينظر إلى رفيقه بعين الخصم، بينما يمرّ الرأسمالي من أمام الجميع دون أن يضطر حتى إلى الالتفات .
لقد كان اليسار التونسي القديم ابن زمن قاس . لم تكن السياسة يومها ندوة ولا منشورا إلكترونيا ولا جدالا على شاشة هاتف . كانت السياسة ثمنا يدفع من العمر، ومن الحرية، ومن لقمة العائلة أحيانا . كان المناضل يعرف أن ورقة يوزعها قد تفتح له باب السجن، وأن كلمة في اجتماع قد تكلفه عمله، وأن الانتماء إلى تنظيم يساري قد يعني سنوات من الملاحقة. ولذلك فإن من الظلم أن نقرأ ذلك الجيل فقط من خلال أخطائه؛ فقد ترك لنا شيئا لا تستطيع الكتب وحدها أن تمنحه : كرامة المقاومة .
لكن التاريخ، كما يقول والتر بنيامين، لا يسير كما لو أنه موكب منتصر؛ إنه يحمل في داخله ركام الذين سحقهم المنتصرون . واليسار الذي يريد أن يكون حيا لا يستطيع أن يعيش على أمجاد الذين سبقوه . فالتاريخ ليس ضريحا نزوره، بل مسؤولية نواصلها .
كان أنطونيو غرامشي قد كتب أن «الحقيقة ثورية» . وهذه العبارة لا تزال صالحة في تونس، بشرط أن نفهم الحقيقة لا باعتبارها شعارا أيديولوجيا، وإنما باعتبارها القدرة على النظر في وجه الواقع دون مساحيق . والحقيقة اليوم أن تونس ليست فقط بلدا يعاني من أزمة سياسية؛ إنها مجتمع يعيش تناقضات اقتصادية واجتماعية عميقة : ثروة موجودة وفقر موجود، عمل موجود وحقوق غائبة، شهادات جامعية كثيرة وفرص قليلة، مناطق تنتج الثروة ومناطق لا تجد حتى نصيبها العادل منها .
وهنا بالضبط ينبغي أن يتوقف اليسار عن الحديث عن الشعب بصيغة مجردة .
الشعب ليس مفهوما في كتاب . الشعب هو العامل الذي يعود إلى بيته وقد استنزف جسده مقابل أجر لا يكفي أسبوعا . هو المرأة التي تعمل في الحقول دون حماية كافية . هو الشاب الذي درس سنوات ثم وجد نفسه واقفا أمام باب مغلق . هو عامل المناولة الذي يعيش دائما تحت تهديد فقدان العمل . هو الفلاح الذي يزرع ولا يملك شروط تسويق محصوله . هو المتقاعد الذي يحسب ثمن الدواء قبل أن يحسب ثمن الخبز . وهو ذلك الإنسان الذي لا يعرف شيئا عن صراعات الأحزاب، لكنه يعرف جيدا معنى أن تنتهي النقود قبل نهاية الشهر .
إذا لم ير اليسار هؤلاء الأشخاص في تفاصيل حياتهم اليومية، فإن حديثه عن الطبقة العاملة يصبح مجرد تمرين لغوي .
وقد قال روزا لوكسمبورغ : «من لا يتحرك لا يلاحظ أغلاله» . لكن الأغلال اليوم ليست دائما حديدا ظاهرا . قد تكون قرضا، أو عقد عمل هشا، أو فاتورة، أو خوفا من البطالة، أو تبعية اقتصادية، أو شعورا دائما بأن المستقبل ليس ملك صاحبه .
من هنا تبدأ مهمة اليسار الجديد : ليس بأن يتبرأ من القديم، وإنما بأن يتجاوزه .
فاليسار الجديد الذي يكتفي بتغيير المفردات ليس جديدا . أن نستبدل «الطبقة» بـ«الفئات»، و«الصراع» بـ«الحوار»، و«الرأسمالية» بـ«الاقتصاد»، ثم نعلن أننا دخلنا عصرا جديدا، ليس تجديدا؛ إنه أحيانا مجرد تخفيف لغوي لصدام لا يزال قائما في الواقع .
وفي المقابل، فإن اليسار القديم الذي يعتقد أن استعادة قاموس الأمس تكفي لاستعادة الجماهير يخطئ كذلك . فالطبقة العاملة تغيرت، والعمل تغير، والمدينة تغيرت، والتكنولوجيا أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية، والمرأة دخلت فضاءات جديدة للنضال والعمل، والبيئة أصبحت قضية طبقية بامتياز، والشباب يعيش أشكالا من الاستغلال لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل عقود .
لقد فهم ماركس أن الرأسمالية ليست مجرد مجموعة مصانع وأثرياء؛ إنها نظام قادر على إعادة إنتاج نفسه وتغيير أشكاله . ولذلك فإن مقاومته تتطلب عقلا قادرا على التغير دون أن يفقد البوصلة .
ومن هنا تأتي أهمية إدوارد سعيد حين دعا إلى المثقف الذي لا يتحول إلى موظفٍ لدى السلطة أو إلى بوق للجماعة، وإلى أنطونيو نغري حين أعاد التفكير في أشكال العمل والقوة في عالم تغيرت فيه طبيعة الإنتاج . كما أن كتابات إريك أولين رايت حول «البدائل الواقعية» تذكّر اليسار بأن الحلم وحده لا يكفي، وأن بناء البديل يحتاج إلى مؤسسات وممارسات وقوى اجتماعية حقيقية .
لكن كل هذا لا يعني أن اليسار مطالب بأن يتحول إلى أكاديمية متنقلة .
إنسان جائع لا يحتاج أولا إلى محاضرة في الاقتصاد السياسي . يحتاج إلى أن يجد من ينحاز إليه . والعامل المهدد بالطرد لا يحتاج إلى أن يسمع درسا طويلا في تاريخ الأممية؛ يحتاج إلى نقابة تقف معه . والشاب المعطل لا يحتاج إلى أن نطلب منه انتظار الثورة؛ يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك من يقاتل معه الآن .
وهنا يصبح الإنسان هو مركز اليسار، لا الحزب، ولا التنظيم، ولا الزعيم، ولا النص المقدس.
لقد قال إرنستو تشي غيفارا : «الثوري تحركه مشاعر الحب» . ويمكن أن نختلف مع تشي في الكثير، لكن هذه العبارة تستحق أن تستعاد من بين الركام : لا يمكن بناء يسار إنساني بالكراهية وحدها . الغضب ضروري، نعم؛ لكنه إذا لم يتحول إلى حب للفقراء، وللعمال، وللضعفاء، وللحرية، وللحياة، يتحول بسهولة إلى سلطة جديدة تشبه السلطة التي ثار ضدها .
وهنا تكمن إحدى أخطر أمراض اليسار : أن يتحول المناضل، من حيث لا يشعر، إلى حارس على نقاء العقيدة، فيصبح أكثر قسوة على رفيقه المختلف من قسوته على خصمه الطبقي .
إن اليسار الذي يمزق نفسه بسبب اختلاف في قراءة لينين أو تروتسكي أو ستالين او انور خوجه، بينما يعجز عن تنظيم عامل واحد في موقع عمله، يحتاج إلى مراجعة مؤلمة ولكن ضرورية .
ليس المطلوب إلغاء الاختلاف . الاختلاف هو حياة الفكر . المطلوب أن نعيد ترتيب الأولويات .
فالصراع بين يساريين حول الماضي لا ينبغي أن يكون أهم من الصراع من أجل مستقبل العامل . والاختلاف حول التكتيك لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة شخصية . والنقد لا ينبغي أن يصبح تصفية حسابات . والتنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى قبيلة .
كان لينين يقول إن «لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية» . لكن الزمن أثبت أيضا أن النظرية التي لا تنزل إلى الواقع تتحول إلى متحف . ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس التخلي عن النظرية، وإنما إعادة وصلها بالحياة .
يسار يقرأ ماركس، لكنه يصغي إلى العامل .
يسار يعرف روزا لوكسمبورغ، لكنه يعرف أيضا المرأة العاملة في تونس .
يسار يتذكر غرامشي، لكنه لا ينسى الشاب الذي يعيش على هامش المدينة .
يسار يعرف تاريخ الاتحاد والحركة الشغيلة، لكنه يرفض أن تتحول النقابات إلى أجهزة فوق القواعد .
يسار يدافع عن الحريات، لكنه لا ينسى الخبز .
ويسار يدافع عن الخبز، لكنه لا يختزل الإنسان في معدته .
هذه هي المعادلة الصعبة .
فالإنسان ليس أجيرا فقط . هو جسد وذاكرة وحب وخوف وحلم وكرامة . والاشتراكية التي لا تمنح الإنسان الحق في أن يكون إنسانا كاملا ليست اشتراكية تستحق الدفاع عنها .
ولذلك فإن اليسار التونسي يحتاج إلى مصالحة شجاعة بين ذاكرته ومستقبله . لا مصالحة مع الرأسمال، ولا مع الاستغلال، ولا مع الفساد، ولا مع الاستبداد؛ وإنما مصالحة بين الأجيال التي حملت راية اليسار في زمن مختلف، والأجيال التي تبحث اليوم عن راية تستطيع أن تحملها دون أن تشعر بأنها تحمل معها كل أخطاء الماضي .
على القديم أن يتخلى عن غروره التاريخي، وعلى الجديد أن يتخلى عن غروره الحداثي .
القديم ليس عدوا لأنه قديم، والجديد ليس ثوريا لأنه جديد .
الثوري هو ما يفتح طريقا للإنسان نحو حياة أكثر عدلا وحرية وكرامة .
وربما تكون المهمة الحقيقية لليسار التونسي اليوم أن يتوقف عن البحث عن «الحزب المثالي» وأن يبدأ في بناء القوة و الجبهة الشعبية الفعلية : في الأحياء، ومواقع العمل، والجامعات، والقرى، والمناطق المهمشة، وفي كل مكان يشعر فيه إنسان بأنه وحيد أمام آلة اقتصادية وإدارية وسياسية أكبر منه .
هناك، وليس في المؤتمرات وحدها، يمكن أن يولد اليسار من جديد .
فالثورة لا تبدأ حين نرفع القبضة في الصورة، وإنما حين يتعلم الإنسان أنه ليس وحيدا .
واليسار لا يبدأ حين نكتب في أعلى الورقة «ماركسي»، أو «اشتراكي»، أو «راديكالي»، بل حين يجد عامل مهدد بالطرد من يقف إلى جانبه، وحين تجد امرأة مهمشة من يسمع صوتها، وحين يكتشف شاب معطل أن غضبه يمكن أن يتحول إلى تنظيم، وحين يدرك الفقير أن الفقر ليس قدرا سماويا، وإنما نتيجة علاقات بشرية يمكن تغييرها .
ذلك هو اليسار الذي يستحق أن يولد .
ليس يسار الماضي ضد يسار المستقبل .
بل يسار يحمل ذاكرة مناضليه في قلبه، ويضع عينيه على الإنسان القادم من بعيد، ويمشي معه نحو مجتمع لا يكون فيه الإنسان فائضا عن الحاجة .
فالغاية، في نهاية الأمر، ليست أن ينتصر اليسار على اليمين في مناظرة .
الغاية أن ينتصر الإنسان على كل ما يسحق إنسانيته
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق