أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الخامس) *أحمد رباص
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الخامس) *أحمد رباص
تتوافق تلك التعريفات لليسار مع تلك الموجودة في البحوث الأكاديمية، وكذلك في برامج بعض الأحزاب السياسية اليسارية في المغرب والعالم العربي. ويبدو أن النضال من أجل العدالة الاجتماعية يحتل مكانة بارزة، ويظل السبب الرئيسي لوجود اليسار. ولذلك، يمكن القول إن "مفهوم العدالة الاجتماعية أصبح السمة المميزة الأكثر انتشارًا لليسار في العالم العربي".
ووفقًا لنايف حواتمة، يجب على اليسار، بالإضافة إلى خوض نضاله من أجل "العدالة الاجتماعية وتوزيع دخل الدولة والمجتمع على أكبر عدد ممكن من الناس"، أن يسعى إلى تحقيق الأهداف التالية: "السيادة العربية الجامعة، والتحرر من التبعية، والتنمية البشرية المستدامة بجميع أبعادها".
باختصار، بالنسبة لحواتمة، "اليسار هو الفاعل القادر على الجمع بين المسألة الوطنية وقضيتي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية". ولذلك، يجب أن يدفع النضال من أجل العدالة الاجتماعية اليسار إلى إيلاء اهتمام خاص للقطاعات التي يدعي عادةً حمايتها، وهي: العمال، والنساء، والفقراء، والمجتمعات المهمشة. لهذا السبب، جادلت معظم الأبحاث والمقالات المتعلقة بأدبيات اليسار بأن معناه الأساسي "يشير إلى المسألة الاجتماعية".
إجمالا، نلاحظ أن معنى اليسار في السياق العربي والمغربي يتمحور عموما حول قيم محددة كالمساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والاستقلال.
بعد عرض أهم تعريفات اليسار، بادر الباحث عبد الله إلى مراجعة الأدبيات اليسارية، فرأى أنه من الضروري التذكير بأن العديد من الأعمال والرسائل والأطروحات قد تناولت أحزاب اليسار في المغرب، والصعوبات والعقبات التي حالت دون تحول هذه الجماعات إلى بديل حقيقي. وقد أسهمت هذه الدراسات، من خلال مناهج متنوعة، لا سيما التاريخية والاجتماعية، في فهم الاستراتيجيات التي تبنتها الحكومة للتعامل مع حركات اليسار الحداثية والتقدمية. وهكذا انتقل إلى عرض هنا بعض الدراسات ذات الصلة بهذا الموضوع.
بالنسبة للمؤرخ المغربي المعطي منجب، يُعد العقد 1955-1965 ذا أهمية بالغة، إذ شُنّت خلاله جميع الإجراءات ضد اليسار المغربي. بحسب رأيه، فإنّ أهم حدث تاريخي في هذا العقد هو فشل الحركة الوطنية، ذات الطابع الحضري والمناهض للاستبداد، في فرض تحديث حقيقي للحكومة والمجتمع المغربي. ويعزو هذا الفشل إلى استجابة القصر لمطالب اليسار، ثم يركز على الانقسامات والخلافات التي اندلعت داخل صفوفه. وهكذا، في مواجهة مطالب اليسار بانتخاب جمعية تأسيسية، قرر النظام اللجوء إلى القمع والترهيب. ثم جرى تكييف القمع وفقًا لموقف الفاعلين. لم يتردد النظام في اغتيال من اعتبرهم ميؤوسًا من استسلامهم، واعتقال وتعذيب النشطاء، وممارسة الضغط على من تراجعوا عن موقفهم.
ووفقًا للمؤرخ المغربي، كان الهدف هو "تسريع انقسام معسكر المعارضة وخلق مناخ من الشك والخوف، وسياسة التنافس الفردي". ثم ركز دراسته على الانقسامات داخل اليسار، مفسَّرا هذه الانقسامات على وجه الخصوص باختلاف مواقف اليسار بشأن الاستفتاء الدستوري. أتاحت هذه الانقسامات للقصر تنفيذ خطته لإضفاء الطابع الدستوري على النظام بالطريقة التي يراها مناسبة.
أخيرًا، يحلل المؤلف الاختلافات بين الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
تمثل أول اختلاف في تصور طبيعة الصراع مع النظام. في هذا الصدد، يوضح الدكتور المعطي أن التيار النقابي لم يؤيد المواجهة أو القطيعة مع النظام، بينما مال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى نضال مباشر يضع الجماهير الشعبية في مواجهة جهاز قمعي.
أما ثاني اختلاف فيتعلق بوسائل النضال السياسي. هنا أعطى التيار النقابي الأولوية للوضع التنظيمي الراهن ولم يضع استراتيجية فعالة في مجال تعبئة الجماهير المنظمة. في المقابل، اعتقد المهدي بن بركة أنه من الضروري إعادة هيكلة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ليصبح "حزبًا ثوريًا حقيقيًا"، لا سيما في ما يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين النقابة والحزب.
وهكذا، أدى الانقسام بين النقابيين والجناح الثوري في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والانشقاقات والخلافات والصراعات الداخلية العنيفة، إلى تفاقم الانقسامات والعزلة التي عانى منها اليسار المغربي. وقد مكّن ذلك القصر من استغلال الوضع وتهميش المعارضة، مع استهداف العناصر المتشددة والمتمردة في اليسار بطريقة قاسية وانتقائية.
لا شك أن العقد الممتد من عام 1955 إلى عام 1965 حاسم لفهم أسباب فشل الحركات اليسارية المغربية. ومع ذلك، فإن العقدين التاليين، في رأي صاحب الأطروحة، لا يقلان أهمية في تفسير أسباب هذا الفشل. ففي الواقع، أدى اغتيال المهدي بن بركة إلى تطرف بعض أعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وظهور جيل من المناضلين المتأثرين بالأيديولوجيات الثورية والمطالبين بإلغاء الملكية. وقد دفع هذا المعطى النظام إلى اللجوء إلى عدد من الإجراءات لكبح جماح هذه الحركات.
إلى جانب القمع، اضطر النظام إلى الاستثمار في الممارسات التقليدية والدينية لاستعادة الحيز الاجتماعي الذي استولت عليه الأيديولوجيات والخطابات الحداثية. وخلال سبعينيات القرن الماضي، شجع النظام بشكل غير مباشر بعض الجماعات ذات التوجه الديني على مواجهة الحركات الماركسية اللينينية، لا سيما في الجامعات. وفي العقد نفسه، حظي اليسار المغربي بتعاطف شريحة من الجيش المغربي، وتفاوض على خطة لإسقاط النظام الملكي.
ولعل أبرز مثال على ذلك هو التحالف بين قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والجنرال أوفقير عام 1972 للإطاحة بالنظام. وبعد فشل هذه المحاولة، حاول جناح مسلح من الاتحاد، مستلهماً نموذج حرب العصابات الغيفارية، إشعال فتيل التمرد في بعض مناطق البلاد. وقد حظيت هذه الحركة، التي عُرفت باسم التنظيم، بدعم شبكة سرية واسعة، خاصة في المغرب والجزائر وسوريا.
كان لظهور نزاع الصحراء الغربية أثرٌ بالغ. فقد دفعت الوحدة التي تشكّلت حول هذا النزاع المعارضة إلى إعادة النظر في بعض مواقفها وتخفيف حدة خطابها العدائي ضد النظام. لاحقًا، أظهرت الاستراتيجيات المختلفة التي تبناها النظام تأثرًا واضحًا بهذا التيار اليساري. وتجلى ذلك في انتشار ما يُسمى بالأحزاب الإدارية، والتدخلات المتكررة من جانب الإدارة للتلاعب بنتائج الانتخابات على حساب الأحزاب اليسارية.
في أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه حول نشأة وتطور اليسار المغربي المنبثق من التيار الوطني، ركز عبد القادر البنا بشكل خاص على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وبحسب تحليله، فشل الحزب في ترسيخ نفسه كبديل للنظام لأنه كان، بشكل عام، حزبًا إصلاحيًا، "غالبًا ما كان يصوغ مطالب بدلًا من شعارات، ويميل
قبل كل شيء إلى تشكيل النظام من الداخل، بدلًا من الإطاحة به". ورغم بعض اللحظات في تاريخه التي رفع فيها شعارات ثورية ودعا إلى سقوط النظام، لم يتمكن الحزب من
"التجذر بعمق بين الجماهير".بل، وفقًا للبنا، اكتسب صورة "حزب الانقلاب"، مما سمح للسلطات بقمعه وكبح جماحه. وواجه تطور الحزب نحو مزيد من الاعتدال والتسوية مقاومة من قاعدته الشعبية، التي طالبت بموقف أكثر نضالية من الشعب. وقد وضع هذا الحزب تحت ضغط هائل، نابع من قيادته وقواعده الشعبية على حد سواء. قوّض هذا الوضع مصداقية الحزب، إذ "ما اعتقد أنه كسبه من جهة، بدا أنه خسره من جهة أخرى".
يحلل هذا المؤلف عددًا من العوامل الداخلية التي أثرت في تطور الحزب، مثل علاقاته مع الاتحاد المغربي للشغل، والتي نجح القصر في تأجيجها. دفع هذا الحزب إلى إنشاء اتحاد نقابي خاص به، هو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، لتعويض أوجه قصور الاتحاد المغربي للشغل، الذي وصفه الحزب بأنه انتهازي. ومع ذلك، فشل الاتحاد النقابي الجديد أيضًا في "جعل الطبقة العاملة قناة شعبية لتنفيذ أنشطة الحزب".
كما ذُكرت عوامل خارجية لتفسير إخفاقات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وركز عبد القادر البنا بشكل خاص على قضية الصحراء الغربية وتغيير القيادة في الجزائر بعد الانقلاب على الرئيس بن بلة وصعود بومدين إلى السلطة. وفي ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، وضع هذا الحزب في موقفٍ اضطر فيه إلى إعطاء الأولوية لمسألة الوحدة الترابية فوق كل الاعتبارات الأخرى، وبالتالي إظهار الاعتدال تجاه النظام.
مثّل ذلك بداية الاندماج القانوني للأحزاب السياسية اليسارية في النظام السياسي، على المستويين الوطني والمحلي. أما بالنسبة لعزل الرئيس بن بلة ووصول قيادة جديدة إلى الجزائر، فقد تجلّى ذلك بشكل خاص في انفتاحٍ من جانب النظام الجديد تجاه المغرب. في الواقع، كان عزل بومدين للرئيس بن بلة "مبررًا بالأخطاء التي ارتكبها الأخير في إدارة شؤون البلاد، بما في ذلك، من بين أمور أخرى، العلاقات مع المغرب".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق