* ملاحظة عرضية : عمران حاضري إلى سعداء العبودية ومبرري الاستبداد و بعض أغبياء معارك الحرية...!
* ملاحظة عرضية : عمران حاضري
إلى سعداء العبودية ومبرري الاستبداد و بعض أغبياء معارك الحرية...!
في تونس، لا يبدو المشهد السياسي أحيانًا كصراعٍ بين مشاريع متناقضة بقدر ما يبدو كمعركةٍ بين أجنحة داخل المنظومة التبعية نفسها؛ تتبدل الوجوه، وتتغير الشعارات، وتتقدم إلى الواجهة عناوين الحرية والديمقراطية والدولة والقيم، بينما يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا مؤجلًا: حرية من؟ وديمقراطية لمن؟ ومن يملك القدرة الاجتماعية والمادية على تحويلهما من كلمات جميلة إلى واقع ملموس ؟
هنا بالضبط تبدأ المأساة الكوميدية.
فثمّة سعداء بالعبودية لا يرون في القيد قيدًا ما دام القيد مألوفًا، وثمّة مبررون للاستبداد يكتشفون دائمًا حكمةً ما في العصا حين تنزل على رؤوس الآخرين، وثمّة، في الجهة المقابلة، أغبياء معارك الحرية الذين يدخلون كل معركة تحت راية الحرية دون أن يسألوا: من يخوضها؟ ولأي مصلحة؟ ومن سيكون سيدًا غدًا إذا انتصر هذا الطرف، ومن سيكون تابعًا؟ مع التأكيد على أن الحرية ضرورة وجودية و معركة مستمرة و فعل قصدي عقلاني في التاريخ...!
وهذه ليست مسألة لغوية أو ترفًا نظريًا.
فالحرية ليست مادةً محايدة تطفو فوق المجتمع، والديمقراطية ليست ملاكًا منزّهًا عن الطبقات والمصالح . كلاهما، مثل الثروة والقانون والتعليم والعمل والملكية، يعيش داخل مجتمع منقسم إلى مصالح وقوى ومواقع اجتماعية متعارضة... ولذلك فإن ما يبدو حريةً لمالك كبير قد يبدو امتيازًا واستغلالًا لعاملٍ لا يملك سوى قوة عمله؛ وما يبدو ديمقراطيةً مكتملة الأركان بالنسبة إلى المتمتعين بالثروة والنفوذ، قد لا يتجاوز بالنسبة إلى الفقراء حقًا دوريًا في اختيار من يدير شروط عجزهم...!
فالحرية السياسية التي لا تمس علاقات القوة الاجتماعية قد تتحول بسهولة إلى حريةٍ للأقوياء في إدارة ضعف الآخرين...!
ومن هنا فإن المشكلة الكبرى في جزء من اليسار التونسي ليست فقط أنه مشتت، ولا فقط أنه ضعيف التنظيم أو عاجز عن بناء أداة سياسية مستقلة؛ بل إنه، في لحظات حاسمة، يفقد البوصلة التي تجعل من اليسار يسارًا و المتمثلة أساساً في الفرز الطبقي والتحرر الاجتماعي...!
فيجد نفسه، أحيانًا، يركض خلف معركةٍ يحددها غيره، أو يتحول إلى وقود في صراع أجنحة داخل المنظومة التبعية ، أو يقف في صف طرف لا لأنه يمثل مشروعه، بل لأنه يبدو أقل سوءًا من خصمه...! وهكذا يصبح بعض اليسار، من حيث لا يريد، حطبًا للثورة المضادة أو حطبًا لمعركة لا تخص مشروعه...!
والأخطر من ذلك أن بعضه يتعامل مع السياسة بمنطق المدرجات: هذا ضد ذاك، إذن نحن مع هذا؛ وذاك ضد هذا، إذن نحن مع ذاك.
لكن السياسة التحررية لا تُبنى بمنطق عدو عدوي صديقي ، فعدو عدوك يمكن أن يكون عدوك أيضاً و هو لا يعادي عدوك إكراماً لك، بل انتصارا لمشروعه...
فالخصومة مع الاستبداد لا تجعل كل خصم للاستبداد حليفًا للطبقات الشعبية، كما أن رفض الإسلام السياسي لا يحوّل بقايا المنظومة القديمة إلى "قوة تقدمية"، ومقاومة الشعبوية المحافظة لا تقتضي الارتماء في أحضان الليبرالية التابعة بمختلف تمثلاتها...! وبالمثل، فإن الدفاع عن الحريات الفردية والسياسية لا ينبغي أن يتحول إلى غطاءٍ لتجاهل الاستغلال الطبقي، كما أن الدفاع عن العدالة الاجتماعية لا يبرر التضحية بالحرية...!
التحرر الحقيقي لا يختار بين الحرية والعدالة؛ إنه يدرك أن لا حرية مكتملة بلا عدالة، ولا عدالة تحررية بلا حرية...!
لذلك يحتاج بعض اليسار إلى أن يستعيد المسافة النقدية نفسها من الجميع ، من قطب بقايا النظام القديم، ومن قطب الإسلام السياسي، ومن قطب الشعبوية المحافظة الحاكمة، لا باعتباره محايدًا بين الظالم والمظلوم، بل باعتباره منحازًا بوضوح إلى العمال والكادحين والفئات الشعبية والمهمشين وكل من يدفع ثمن النظام الاجتماعي القائم و خيارات منظومته التبعية...!
المسافة من الأقطاب ليست مسافةً من الصراع...!
إنها، بالعكس، شرط الدخول إلى الصراع من موقع مستقل ضمن أفق تحرري ناهض...
فاليسار الذي لا يملك مشروعه يصبح ملحقًا بمشروع غيره؛ والذي لا يحدد حلفاءه الطبقيين يصبح أسيرًا لحلفائه الظرفيين؛ والذي لا يعرف إلى أين يريد الذهاب، ينتهي به الأمر إلى الاحتفال بوصول الآخرين...!
وهنا نصل إلى أولئك الذين يبررون الاستبداد باسم الخوف من الفوضى، أو باسم الأمن و الإستقرار ، أو باسم إنقاذ الدولة و نظرية المؤامرة ، أو باسم محاربة خصم أيديولوجي... هؤلاء لا يدافعون عن سلطة الأمر الواقع، بقدر ما يدافعون عن امتيازهم في أن تكون الدولة قوية على الضعفاء ومرنة مع الأقوياء...!
وفي الجهة الأخرى، هناك من يكتشف الحرية فقط عندما تُمس مصالحه، والديمقراطية فقط عندما يخسر، وحقوق الإنسان فقط عندما يكون الإنسان الذي تُنتهك حقوقه من معسكره...!
أما التحرر الحقيقي فلا يعمل بهذه الانتقائية...!
إنه يرفض السجن حتى عندما يسجن خصمه، ويرفض التعذيب حتى عندما يُمارس على من يكرهه، ويرفض القمع حتى عندما يكون ضحيته من لا يطيق سماع صوته...
لكن هذا الموقف الأخلاقي والسياسي المبدئي ، لا يعني السذاجة السياسية.
أن تكون ضد الاستبداد لا يعني أن تكون أعمى عن الطبقات التي تستخدم الآلية الانتخابية للوصول إلى السلطة ثم تستخدم السلطة لحماية امتيازاتها...!
وأن تكون مع الحرية لا يعني أن تتحول إلى مشجعٍ دائم لكل من يرفع شعارها بمنطق المشجع الرياضي دون أدنى فرز،
فالمطلوب ليس حريةً معلقة في الهواء، بل حريةً تنزل من ملكوت التجريد إلى الأرض الموعودة اين البؤساء و المهمشين و المفقرين، اين المصنع والحي والجامعة والمستشفى والمدرسة ومكان العمل؛ حريةً تجعل العامل قادرًا على التنظيم، والمرأة قادرة على تقرير مصيرها، والفقير قادرًا على الوصول إلى الغذاء و التعليم والصحة والسكن، والصحفي قادرًا على الكلام، والمواطن قادرًا على محاسبة السلطة، والمجتمع قادرًا على التحكم في ثروته وموارده...!
عندها فقط تصبح الديمقراطية أكثر من صندوق اقتراع، وتصبح الحرية أكثر من حق في الكلام، ويصبح التغيير أكثر من مجرد تغيير الحارس على باب المحتشد الكبير...!
المطلوب إذن ليس أن نبحث عن «الطرف الأقل سوءًا» في كل مرة، وإنما أن نبني طرفًا ثالثًا ليس ثالثًا حسابيًا، بل ثالثًا طبقيًا وتحرريًا؛ طرفًا يرفض أن يكون تابعًا لهذا القطب أو ذاك، ويستعيد للسياسة معناها الاجتماعي، ولليسار الوطني المناضل ضرورته التاريخية...!
فالحرية التي لا تغيّر موازين القوة قد تكون حريةً جميلة في الخطب و الشعارات ، لكنها فقيرة في حياة الناس...!
والديمقراطية التي لا تصل إلى مكان العمل و تكريس مبدأ المواطنة المتساوية، تبقى ناقصة...!
والعدالة الاجتماعية التي تخاف من الحرية تنتهي إلى وصاية...!
والحرية التي لا ترى الطبقات قد تنتهي إلى حماية الأقوياء...!
أما المشروع التحرري الحقيقي، فمهمته أصعب وأجمل، حيث يعيد السياسة إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين في التغيير الجذري المنشود شعبيا...!
وعندها فقط يمكن أن نعرف من هو سعيدٌ بعبوديته، ومن هو محترفٌ في تبرير الاستبداد، ومن هو مجرد أحمقٍ يركض في معارك الحرية التي يكتب أهدافها الآخرون...!!!
أما بعض اليسار، فليس مطلوبًا منه أكثر من مراجعة أوهامه الليبرالية و خوائه الاستراتيجي و أن ينتصر لنفسه و لمشروعه التقدمي الناهض و لعب دوره التاريخي ببوصلة طبقية تحررية واضحة الأهداف و المنطلقات...!
عمران حاضري
20/8/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق