حين يصبح الجهل بالتاريخ دعوةً إلى مراجعة التاريخ...!عمران حاضري
حين يصبح الجهل بالتاريخ دعوةً إلى مراجعة التاريخ...!عمران حاضري
من نوائب هذا الدهر أن يخرج نائبٌ اسمه( أحمد السعيداني)، في الذكرى السبعين لإلغاء تعدد الزوجات في تونس، ليبشّرنا بضرورة «المراجعة الجذرية لمجلة الأحوال الشخصية»، وكأن المشكلة في تونس ليست في استكمال مشروع التحرر والمساواة باعتبارها جزءا من معركة التحرى الوطني و الانعتاق الاجتماعي ، بل في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء...!
المفارقة أن صاحب الدعوة يبدو، قبل أن يكون فاقداً للسند القانوني و المعرفي أو الفلسفي، فاقداً لذاكرة البلاد نفسها...! و عمقها الحضاري الذي يمتد لآلاف السنين...
فتونس التي ألغت تعدد الزوجات منذ سبعين عاماً، لم تكن يومها تستورد «الحداثة» من أحد؛ كانت تستأنف، في صيغة قانونية حديثة و حضارية عميقة، تقاليد طويلة من حضور المرأة في التاريخ المغاربي والتونسي خصوصاً... من عليسة، التي ارتبط اسمها بتأسيس قرطاج، إلى الكاهنة ديهيا، إلى أروى القيروانية التي اشترطت على الأمير زواجاً أحادياً، وصولاً إلى الطاهر الحداد الذي فتح، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في "امرأتنا في الشريعة والمجتمع'، معركة فكرية حول تحرير المرأة، والمساواة، ونقد الحجاب بوصفه ليس فريضة دينية، بل وذهب إلى مساءلة نظام المواريث نفسه...! ومن باب التذكير فقط فتونس أمضت سنة 1846 م معاهدة إلغاء كافة أشكال العبودية و الرق متقدمة زمنياً على فرنسا بسنتين و على الويلات المتحدة الأمريكية ب15 سنة... و هل يعلم هذا المتحذلق الذي تخامره و من يفكرون مثله، احلام العودة إلى الوراء و ما وراء الوراء المتمسكين بالتيه التاريخي و النائمين على أسرة الامس،،، هل يعلمون أن أجدادنا حسموا موضوع السلفية و الوهابية ذلك منذ أكثر من قرنين ، لما وصل كتاب السلفي محد بن عبد الوهاب حول الوهابية كان ذلك في 1803 م لما كان حمودة باشا حاكما لتونس، أحال هذا الكتاب بهدف الدراسة و التشريح و الرد عليه في فضاءات جامع الزيتونة و بعد مدة وجيزة جدا جاء الرد مزلزلا في كتابين كتاب ل المحجوبي و كتاب ل التميمي حيث كان العنوان وحده يتضمن التناقض و الرد : ( المنح الإلهية في دحض الضلالة الوهابية)...
وتلك ليست أسماءً في متحف التاريخ؛ إنها شواهد على أن سؤال المرأة في هذه البلاد لم يبدأ مع اتفاقيات دولية حديثة، ولم يكن هبةً من «الغرب»، بل كان جزءاً من صراع تونسي حضاري ، طويل حول العقل والحرية والكرامة...
بل إن قرطاج نفسها تُستدعى هنا لا باعتبارها فردوساً تاريخياً ينبغي تقديسه، وإنما باعتبارها تذكيراً بسيطاً بأن مجتمعات المتوسط القديمة لم تكن كتلة واحدة متماسكة من «الرجعية»، وأن المقارنة التاريخية نفسها أكثر تعقيداً من تلك الشعارات القروسطية التي تُلقى اليوم على عواهنها...! وحتى في شأن الدستور القرطاجي، فإن المقارنات المتعلقة بالمشاركة السياسية للنساء والطبقات الاجتماعية تحتاج إلى تدقيق تاريخي يعلمه المختصون ، لا إلى أساطير انتقائية تُستعمل لتزيين خطاب معاصر...!
أما المعضلة الحقيقية، فهي أن «مراجعة مجلة الأحوال الشخصية» يمكن أن تكون عنواناً تقدمياً تماماً إذا كان المقصود بها توسيع دائرة الحقوق، وتدعيم المساواة الفعلية، ومقاومة العنف والتمييز، وتطوير القانون بما يحفظ كرامة الإنسان وينسجم مع التزامات تونس الحقوقية الدولية. لكن أن تُستدعى المراجعة لإعادة فتح الأبواب التي أُغلقت على تعدد الزوجات، أو للتراجع عن منطق الدولة المدنية، فذلك ليس تطويراً للقانون؛ إنه محاولة عدمية عبثية في تزوير العقل و التاريخ...!!!
فالمجتمعات لا تتقدم لأنها «تراجع» قوانينها فحسب، وإنما لأنها تعرف في أي اتجاه تراجعها...!
والأخطر في هذا الخطاب أنه يحاول تقديم التراجع بوصفه أصالة، والجمود بوصفه هوية، والتمييز بوصفه حرية تشريعية... وهذه حيلة قديمة حيث حين يعجز الخطاب عن إنتاج المستقبل، يستدعي الماضي ليحكم الحاضر...!!!
فلسفياً، ليست الحرية أن تمنح القانون سلطة إعادة إنتاج علاقة غير متكافئة بين الرجل والمرأة؛ الحرية هي أن يتحول الزواج إلى علاقة بين مواطنين متساويين في الإرادة والكرامة والحقوق ...
وسوسيولوجياً، لا يمكن إصلاح مجتمع حديث بإحياء بنى قانونية تنتمي إلى زمن آخر من النكوص إلى دهاليز الماضي السحيق،،، ثم الادعاء أن ذلك "دفاع عن الأسرة" بحسب أحكام الشريعة و مقاصدها ... متناسين أن الأسرة لا يحميها تعدد الزوجات؛ او الزواج العرفي بل يحميها القانون المدني و العدل، والاستقرار، والحماية القانونية للأطفال، والمساواة بين الشريكين....
وجمالياً، ثمة شيء بالغ القبح في أن تُستدعى تونس من قبل "نائب برلماني"، بكل تاريخها النسائي والفكري والنضالي، لتُختزل المرأة فيها مرة أخرى إلى موضوع في عقد زواج، أو إلى كائن ينبغي أن يتسع القانون لتعدد الأزواج عليه...!
وأخلاقياً، فإن السؤال ليس: هل نستطيع أن نعيد فتح الباب؟
بل، أي مجتمع نريد أن نبني بعد أن عرفنا كلفة التمييز؟
لذلك، فإن تونس لا تحتاج إلى «أفغنة» مجلة الأحوال الشخصية، ولا إلى إحياء البند الخامس لدستور 2022 وبدأ ارتداء الماضي قناعاً للأصالة.... ما تحتاجه هو شجاعة الذهاب بما بدأه الطاهر الحداد إلى نهاياته المنطقية حيث مواطنة كاملة، ومساواة فعلية، وحرية، وقانون يحمي الإنسان لا الامتيازات الترقيعية المحدودة...!
أما «المراجعة الجذرية» التي تستحقها مجلة الأحوال الشخصية، فهي أن نُخرج منها ما تبقى من آثار التمييز، لا أن نُعيد إليها ما تجاوزته تونس منذ سبعين عاماً...
فالتاريخ لا يُراجع لكي يعود إلى الوراء؛
يُراجع لكي نفهم إلى أي مدى قطعناه، وكم بقي أمامنا في سياقات التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي...
عمران حاضري
10/8/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق