لا أحد يرمي السهام على التنظيم، ولا أحد يقول إن النهج هو من يحكم المغرب. هذه مغالطة لا علاقة لها بموضوع النقاش.
عندما ننتقد مجموعة قيادية وممارساتها داخل التنظيم، فهذا لا يعني أننا نضع التنظيم في موقع الخصم الاستراتيجي للدولة، ولا يعني أننا نساوي بينه وبين من يملك السلطة والثروة والقرار.
السؤال أبسط من ذلك، وأخطر: ماذا فعلت مجموعة من القيادة بالتنظيم وبمناضليه وبالإطارات التي راكمها اليسار عبر عقود؟
إذا كان الاختلاف قد تحول، منذ مرحلة الاشتغال السري وما بعدها، إلى إقصاء لمن لم يكن في صف هذه المجموعة، ثم أصبحت المؤتمرات والدورات التنظيمية مناسبة لإعادة ترتيب المواقع وفتح الطريق أمام مناصريها وإبعاد المختلفين، فهذه ليست مجرد «حسابات ضيقة» يمكن دفنها بشعار وحدة اليسار.
وإذا امتد الأمر إلى الجريدة بعد رحيل الفقيد عبد المومن الشباري، وإلى علاقات الخارج، وإلى مغادرة مجموعة من الرفاق، ثم إلى تراجع أو تفكك قطاعات نقابية، حتى وصل الأمر إلى غياب مركزيتين نقابيتين عن المؤتمر، فالسؤال يصبح أكبر من الأشخاص:
ماذا بقي من الإطارات التي بناها المناضلون؟ ومن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه؟
واليوم، إذا كان النقاش يتجه نحو ما تبقى من الإطارات المجتمعية، ومنها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فمن حق المناضلين أن يرفعوا الصوت قبل أن يصبح التفكيك أمرًا واقعًا.
لا تجعلوا كل نقد داخلي «هجومًا على التنظيم».
النهج ليس شخصًا، ولا مجموعة قيادة، ولا مكتبًا سياسيًا.
هو مشروع، ومناضلون، ومؤسسات، وتاريخ، وإطارات ناضل الناس من أجل بنائها.
ومن يحب هذا المشروع لا يطلب من المناضلين الصمت خوفًا من «إضعافه»، بل يسأل:
من الذي يضعفه فعلًا؟
من ينتقد الاختلالات، أم من ينتجها ثم يطلب من الجميع الصمت باسم الوحدة؟
أما تحويل كل من يطرح هذه الأسئلة إلى «خادم للمخزن»، فليس جوابًا سياسيًا.
الجواب هو الوقائع.
ولا نحتاج إلى سؤال: «هل النهج هو من يحكم المغرب؟»
نعرف جيدًا من يحكم المغرب.
السؤال الذي يهرب منه هذا الخطاب هو: من يتحمل مسؤولية ما يجري داخل البيت نفسه؟
حين يخطئ اليسار بوصلته.. لماذا تُوجَّه السهام إلى النهج بدل السلطة؟
لنتحدث بالمنطق، وبعيدا عن الانفعالات والحسابات الضيقة.. هل هذا فعلا وقت الهجوم على حزب النهج الديمقراطي العمالي، وتوجيه السهام إلى مكوّن من مكونات اليسار أم أن الأولوية اليوم هي للنضال ضد الأوليغارشية والاستبداد والفساد والسياسات التي تُفقّر وتجوع وتهمّش ملايين المغاربة؟
هل النهج الديمقراطي العمالي هو من يحكم المغرب؟ هل هو من يملك القرار السياسي والاقتصادي؟ هل هو من يتحكم في مقدرات البلاد ويحدد مصير 40 مليون مغربي؟
بالطبع لا. هناك نظام سياسي يمتلك السلطة ومراكز القرار والثروة وأدوات القمع، وفي المقابل هناك حزب يساري يناضل في ظروف بالغة الصعوبة، ويحاول أن يحافظ على ما تبقى من جذوة اليسار، وعلى إمكانية وجود صوت معارض ينحاز إلى الطبقات الشعبية.
هذا لا يعني أن النهج فوق النقد، ولا أن أخطاءه أو مواقفه يجب أن تكون محصنة من النقاش. النقد داخل اليسار مشروع وضروري، لكن السؤال هو أين نضع البوصلة؟
هل نجعل معركتنا الأساسية مع حزب يساري محدود الإمكانات، أم مع من يمتلك السلطة والثروة والقرار ويصنع السياسات التي يدفع الشعب ثمنها من قوته ومستقبله وكرامته؟
حين تتحول الخلافات بين اليساريين إلى حرب استنزاف متبادلة، بينما تُترك القوى الحقيقية التي تحكم وتتحكم خارج مرمى السهام، فعلينا أن نتوقف لحظة ونسأل، من المستفيد من تفكيك ما تبقى من اليسار؟
يا رفاق، الارتقاء بالنقاش لا يعني إلغاء الاختلاف بل يعني أن نعرف من هو الخصم الاستراتيجي، ومن هو الرفيق المختلف معنا في الطريق.
يمكن أن نختلف مع النهج وأن ننتقده بشدة وأن نرفض بعض مواقفه، لكن لا ينبغي أن نسمح بتحويل هذا الخلاف إلى معركة تُستنزف فيها قوى اليسار، بينما تستمر سياسات الإفقار والاستغلال والهيمنة دون إزعاج.
وجهوا السهام إلى من يملك القرار، إلى من يحتكر الثروة، إلى من ينهب مقدرات الشعب وإلى من يضيّق على الحريات ويُفقّر الناس.
أما اليسار، بكل مكوناته واختلافاته، فحاجته اليوم ليست إلى مزيد من التراشق والتشذي، بل إلى النقد الصريح والنقاش الديمقراطي وإلى والتضامن وإعادة بناء الثقة والقدرة على الفعل الجماعي.
أما أبواق المخزن، فليس غريبا أن يكون هدفها تفكيك اليسار وتشويه مكوناته ودفعها إلى الاقتتال فيما بينها. فلنحذر أن نؤدي، عن وعي أو عن غير وعي، الدور الذي يريدونه لنا.
المعركة أكبر من حزب وأكبر من خلاف تنظيمي، وأكبر من حساسيات الأشخاص.
المعركة هي من أجل شعب يُنهك ومن أجل حرية تُصادر ومن أجل ثروة تُحتكر، ومن أجل مغرب آخر يستحق أن نناضل من أجله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق