* قوارب الموت وشاحنات الموت: حين يصبح الوطن طاردًا لأبنائه... !عمران حاضري
* قوارب الموت وشاحنات الموت: حين يصبح الوطن طاردًا لأبنائه... !
* تونس لا تعاني من شح الموارد و الثروات بل من فقر لا شعبية الخيارات ...!
* مرة أخرى، تدفع تونس ضريبة اليأس...! أربعة عشر شابًا يبتلعهم البحر في الآونة الأخيرة ، كما ابتلع قبلهم المئات ، فيما تواصل شاحنات الموت نقل عاملات الفلاحة من الهامش إلى الحقول، ومن الحقول إلى المستشفيات والمقابر...! تتغير الأسماء والوجوه، لكن المأساة واحدة حيث بشرٌ يدفعون بأجسادهم ثمنًا لاقتصاد لم يعد يمنحهم سوى الهشاشة و التهميش ، ولدولة عجزت عن أن تجعل من الوطن فضاءً للحياة لا محطةً للفرار...!
ليس البحر هو الذي يقتل هؤلاء الشباب وحده، وليست الشاحنات وحدها التي تقتل العاملات... القاتل أعمق من ذلك إنها منظومة كاملة من التهميش والتفقير واللامساواة وانسداد الأفق، جعلت الموت في عرض البحر أحيانًا أقل رعبًا من حياة بلا كرامة، وجعلت رحلة عاملة فلاحيّة فوق شاحنة مهترئة و دون الحد الأدنى من الضمانات أقرب إلى قدر اجتماعي مفروض منها إلى مجرد حادث مرور...!
أيّ وطن هذا الذي يصبح فيه البحر طريقًا إلى الأمل، وتصبح الشاحنة طريقًا إلى المقبرة؟
تونس ليست أرضًا فقيرة... الفقر ليس قدرها الطبيعي، ولا عجزًا في مواردها... في باطنها المناجم، وتحت شمسها طاقة هائلة، وفي أرضها فلاحة وثروة بحرية، وفي مدنها وقرَاها قوة عمل وكفاءات بشرية راكمت عبر عقود معرفةً وخبرةً وإبداعًا... لكن المعضلة ليست في غياب الثروة، بل في الخيارات اللاشعبية و اللاوطنية و النظام الذي يملكها ويقرر وجهتها ومن يستفيد منها...!
فحين تتحول الثروة الوطنية إلى ريع، وحين يصبح الاقتصاد تابعًا بدل أن يكون منتجًا، وحين تُختزل التنمية في استرضاء المؤسسات المالية الدولية وجذب الاستثمار بأي ثمن، يصبح السؤال الحقيقي ليس ، كم تنتج تونس؟ بل ، من ينتج؟ ومن يملك؟ ومن يراكم؟ ومن يدفع الثمن!؟
لقد أُعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة. لم تعد تحتاج إلى جندي أجنبي يقف على الحدود كي تفرض إرادتها؛ يكفي اتفاقيات و دفاتر شروط، واتفاقات مالية ، ومؤشر مديونية، وتصنيف ائتماني، ووصفة جاهزة لتحرير الأسعار وفتح الأسواق وتقليص الإنفاق العمومي وخصخصة ما تبقى من القطاعات الاستراتيجية...!
وهكذا يُطلب من بلد محدود الإمكانات أن ينافس في سوق عالمية غير متكافئة، وأن يفتح أبوابه أمام سلع واقتصادات أكثر قوة، بينما يُترك إنتاجه الوطني بلا حماية كافية، وتُستنزف مقدراته في دوامة الدين الخارجي، ويصبح الدينار نفسه رهينةً لتوازنات اقتصاد هش وتابع، بدل أن يكون أداةً من أدوات السيادة الاقتصادية...!
المشكلة إذن ليست في «السوق» وحدها، بل في السوق حين تصبح قانونًا أعلى من المجتمع؛ وليست في الاستثمار، بل في الاستثمار حين يتحول مرتعا للخواص و إلى وسيلة لاستخراج الربح من العمل والثروة العمومية بدل بناء قاعدة إنتاج وطنية قادرة على إنتاج الثروة و خلق القيمة المضافة وفرص العمل والكرامة...
لقد دُفعت تونس، لعقود، بعيدًا عن بناء اقتصاد منتج ومتكامل، قادر على تحويل المواد الأولية إلى صناعات، وتحويل المعرفة إلى تكنولوجيا، وتحويل الأرض إلى أمن غذائي، وتحويل الشمس والموارد الطبيعية إلى سيادة طاقية... وبالمقابل، ترسخ اقتصاد يقوم في أجزاء واسعة منه على الوساطة والريع والاستيراد والمضاربة، فيما تتراكم الثروة في أيدي أقلية قادرة على تحويل علاقاتها ومواقعها إلى امتيازات اقتصادية تفرض هيمنتها الإقتصادية و السياسية و الثقافية و الإعلامية...
وفي الطرف الآخر من الهرم، هناك من لا يملك سوى جسده و قوة عمله...
جسد الشاب الذي يركب قاربًا متهالكًا...
جسد العاملة التي تصعد إلى شاحنة الموت...!
جسد العامل الذي يبيع قوة عمله بأقل الأثمان...!
وجسد العاطل الذي ينتظر سنوات كي يحصل على فرصة تمنحه الحق البسيط في أن يعيش من عمله...!
هنا تكمن المفارقة الكبرى حيث بلد يملك الثروة، لكنه يعجز عن توزيع شروط الحياة...!
ولذلك فإن مأساة الهجرة غير النظامية ليست ملفًا أمنيًا، ولا مأساةً إنسانية عابرة، ولا مجرد ظاهرة تحتاج إلى مزيد من الدوريات على السواحل... إنها قبل كل شيء مسألة اجتماعية واقتصادية وسياسية بامتياز... ما دام الشاب يرى أن مستقبله مغلق، وأن العمل الكريم امتياز، وأن الجهة الداخلية أقل حظًا من الساحل، وأن الثروة تمر من أمامه ولا تصل إليه، وأن المدرسة لم تعد تضمن له الصعود الاجتماعي، وأن المستشفى العمومي يتآكل، وأن السياسة لا تمنحه سوى الوعود و الأوهام و فسفورية الكلام، فإن البحر سيظل مفتوحًا في خياله مهما أُغلقت الحدود...!
أما شاحنات الموت، فهي الوجه الآخر للمأساة نفسها ، نساء فقيرات يحملن اقتصادًا فلاحيًا كاملًا على أكتافهن، ثم يُنقلن في ظروف لا تليق بكرامة البشر... وحين تقع الكارثة، نتحدث عن «حادث» ونحصي الضحايا ونشيّع الموتى، ثم تعود العجلة إلى الدوران، كأن حياة الفقير قابلة دائمًا للتأجيل، وكأن المأساة قدر لا سياسة وراءها...!
لكن لا شيء من ذلك قدر...!
القدر هو ما نعجز عن تغييره؛ أما هذه المآسي فهي نتيجة خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية تبعية عدوانية لكنها قابلة للتغيير إذا توفرت شروطها الذاتية...!
المطلوب ، اقتصادًا وطنيًا منفتحًا يتعامل من موقع الندّية لا التبعية؛ اقتصادًا يحمي إنتاجه، ويعيد الاعتبار للفلاحة والصناعة و القطاعات المنتجة ، ويستثمر في المعرفة والتكنولوجيا، ويجعل من الطاقة والثروات الطبيعية رافعة للتنمية لا مجرد مصدر للريع، ويعيد بناء القطاع العمومي على أساس الكفاءة والمصلحة الاجتماعية و احترام الإرادة الشعبية ، ويجعل من الجباية أداة لإعادة توزيع الثروة لا لحماية الامتيازات...!
المطلوب أن يصبح العمل طريقًا إلى الكرامة لا مجرد وسيلة للبقاء، وأن تصبح الدولة حاميةً للضعفاء لا وسيطًا بين مصالح الأقوياء، وأن تكون التنمية حقًا جماعيًا لا امتيازًا جغرافيًا أو طبقيًا...!
لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من تغيير الحكومات والوجوه...! بل يحتاج طبعا إلى بديل سياسي واجتماعي وطني تقدمي ناهض، يحمل مشروعًا واضحًا للطبقات الشعبية، ولا يختزل الديمقراطية في الانتخابات أو الحقوق والحريات، مهما كانت مركزيتها، بينما يترك الاقتصاد والعدالة الاجتماعية خارج المعركة...!
فلا ديمقراطية مستقرة مع الفقر، ولا حرية فعلية مع التهميش، ولا سيادة سياسية مع تبعية اقتصادية...!
وهنا تكمن مسؤولية اليسار الوطني الناهض والقوى التقدمية عموماً ، أن تتخطى الخواء الاستراتيجي و تخرج من أسر النخب ولغة الصالونات، وأن تعود إلى المجتمع الحقيقي؛ إلى المصنع والحقل والجامعة والحي الشعبي والجهات الداخلية المهمشة، إلى العامل والعاملة والعاطل وصغار الفلاحين والشباب الذين فقدوا الثقة في المستقبل...
المطلوب ليس أن نتحدث باسم الشعب، بل أن نصغي إليه، ونفهم غضبه، وننظم قدرته، ونبني معه وعيًا ومشروعًا وأداةً سياسية صوب التغيير الجذري المنشود شعبياً الذي يطال علاقات الإنتاج الرأسمالية التبعية...
فالشعب الذي يُترك طويلًا بلا أفق قد ينتكس و ييأس ؛ قد يهاجر جزء منه...
والذي يُترك بلا عمل و يستبد به اليأس قد لا يحتج؛ قد يركب البحر بحثاً عن امل موهوم...!
والمرأة التي تُترك بلا حماية قد لا تدخل معركة سياسية؛ قد تصعد شاحنةً بحثًا عن لقمة العيش...!
وهنا يصبح البحر والشاحنة مرآتين لعلاقة مختلة بين الدولة والمجتمع والثروة...!
لذلك لا يكفي أن نبكي الموتى و المفقودين... علينا أن نسأل ، أي نظام اجتماعي يدفع الأحياء إلى اختيار الموت أو المجازفة بالحياة !؟
فالجواب ليس أمنيًا ولا ظرفيًا، بل سياسي بامتياز ، ذلك لأن معركة تونس الحقيقية ليست مع البحر وحده، وإنما مع منظومة تبعية قديمة متجددة فاشلة تجعل الثروة بلا عدالة، والعمل بلا كرامة، والسيادة بلا استقلال اقتصادي، والديمقراطية بلا عدالة اجتماعية...!
إنقاذ تونس لا يبدأ بإعادة الشباب من البحر، بل بإعادة المعنى إلى الوطن وذلك بفك الارتباط التدريجي مع التبعية و ببناء اقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية حقيقية، وسيادة على القرار الاقتصادي، وتوزيع عادل للثروة، وحماية للعمل، واستثمار في الإنسان، ودولة عمومية قوية، وديمقراطية تجعل المواطن شريكًا في صناعة الثروة والقرار، لا مجرد يد عاملة رخيصة أو رقم انتخابي...!
عندها فقط يمكن أن يتراجع البحر...
وعندها فقط تتوقف شاحنات الموت عن أداء وظيفتها اليومية...!
وعندها فقط يصبح السؤال أقلّ إلحاحًا: «لماذا يهرب شباب تونس؟» لأن السؤال الأعمق سيكون قد وجد طريقه إلى الحل:
لماذا جعلت هذه الكيانات التبعية الحاكمة منذ عقود إلى الآن،تونس بلدًا يريد أبناؤه الهروب منه !؟
ومن يريد أن يمنع قوارب الموت، عليه أن يبني أولًا وطنًا لا يحتاج أبناؤه إلى الموت كي يبحثوا عن حياة...!
عمران حاضري
25/8/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق