العلمي الحروني يدعو إلى إعادة بناء اليسار المغربي على أسس الديمقراطية والعدالة والسيادة*الشعاع الجديد
العلمي الحروني يدعو إلى إعادة بناء اليسار المغربي على أسس الديمقراطية والعدالة والسيادة
دعا العلمي الحروني، زعيم تيار “اليسار الجديد المتجدد”، إلى إعادة بناء المشروع اليساري المغربي على أسس فكرية وسياسية جديدة، معتبرا أن الأزمة التي يعيشها اليسار اليوم لا يمكن اختزالها في تراجع نتائجه الانتخابية أو ضعف حضوره داخل المؤسسات، وإنما ترتبط بأزمة أعمق تمس المشروع نفسه، وقدرته على قراءة التحولات التي عرفها المجتمع المغربي والعالم خلال العقود الأخيرة.
وأوضح الحروني، في مداخلة حول “سؤال اليسار بالمغرب بين ضرورة التجديد وآفاق إعادة البناء”، أن الحديث عن تجديد اليسار لا ينبغي أن ينحصر في إعادة ترتيب البيت التنظيمي أو بناء تحالفات انتخابية جديدة، بل يتطلب إعادة بناء مشروع فكري وسياسي وحضاري يستوعب التحولات التي مست الاقتصاد والدولة والثقافة وأنماط الإنتاج والهوية والتكنولوجيا والعلاقات الدولية، بل وطبيعة الإنسان وانتظاراته نفسها.
واعتبر زعيم تيار “اليسار الجديد المتجدد” أن اليسار، عالميا ومغربيا، عاش واحدة من أعقد أزماته التاريخية، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار المنظومة الاشتراكية، وهي التحولات التي رافقها انتشار أطروحة “نهاية التاريخ” والاعتقاد بانتصار النموذج الرأسمالي الليبرالي بصورة نهائية. وأضاف أن تداعيات تلك المرحلة لم تتوقف عند انهيار نموذج سياسي واقتصادي بعينه، بل مست الثقة في المشروع اليساري نفسه، ودفعت عددا من قواه إلى الانكفاء أو الاندماج تدريجيا في المنظومة النيوليبرالية التي كانت تعارضها.
غير أن الحروني شدد على أن التطورات اللاحقة أثبتت أن “التاريخ لم ينته”، إذ كشفت الرأسمالية المعولمة، رغم قدرتها الكبيرة على إنتاج الثروة، عن تناقضات عميقة تمثلت في اتساع اللامساواة والفوارق الاجتماعية والمجالية، وتراجع أدوار دولة العدالة الاجتماعية، فضلا عن الأزمات المالية والبيئية والغذائية والجيوسياسية المتلاحقة، وصعود الشعبويات والتحولات الرقمية المتسارعة. وهي تطورات أعادت، بحسبه، طرح السؤال الاجتماعي والحاجة إلى يسار قادر على فهم عالم جديد ومجتمع جديد وتحديات مختلفة عن تلك التي واجهها يسار القرن العشرين.
وعلى المستوى المغربي، رأى الحروني أن الأزمة أكثر تركيبا، لأنها تجمع بين انعكاسات الأزمة العالمية وعوامل محلية ترتبط بالاختيارات الفكرية والتنظيمية والصراعات الداخلية وضعف تجديد الخطاب السياسي. وأشار إلى أن المجتمع المغربي تغير بصورة عميقة، مع اتساع المدن وتغير أنماط الشغل وظهور فئات اجتماعية جديدة وتعاظم حضور الشباب والنساء والثورة الرقمية، بالتوازي مع عودة قضايا الهوية والثقافة واللغة والدين والبيئة والهجرة والسيادة الوطنية إلى صدارة النقاش العمومي.
وفي مقابل هذه التحولات، قال الحروني إن أجزاء من اليسار ظلت أسيرة أدوات ومفاهيم تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة، وهو ما جعل أزمة اليسار، في تقديره، “أزمة قدرة على الفهم قبل أن تكون أزمة قدرة على الفعل”. وأكد أن المشروع الذي لا يجدد أدواته ومفاهيمه يمكن أن ينتقل تدريجيا من موقع قوة التغيير إلى أن يصبح جزءا من الأزمة التي يسعى إلى معالجتها.
وفي تشخيصه للأزمة الداخلية، توقف الحروني عند تشتت القوى اليسارية وهيمنة الصراعات التنظيمية وضعف الديمقراطية الداخلية، فضلا عن تحول جانب من النقاشات السياسية إلى تنافس حول المواقع عوض أن تكون سجالا حول المشروع المجتمعي. كما اعتبر أن اليسار لم ينجح بالقدر الكافي في بناء علاقة جديدة مع فئات اجتماعية واسعة، وفي مقدمتها الشباب، ولا في تطوير أجوبة مقنعة عن القضايا الثقافية والهوياتية والدينية التي أصبحت تحتل مساحة واسعة داخل المجتمع المغربي.
وطرح الحروني في هذا السياق سؤالا اعتبره مركزيا في فهم الأزمة: هل المجتمع هو الذي ابتعد عن اليسار، أم أن اليسار ابتعد عن المجتمع قبل أن يبتعد المجتمع عنه؟ وأوضح أن أي تيار سياسي يعجز عن قراءة التحولات الاجتماعية والثقافية ويتوقف عن إنتاج الأفكار الجديدة يفقد تدريجيا قدرته على الإقناع، حتى وإن ظل متمسكا بشعاراته التاريخية.
ومع ذلك، شدد الحروني على أن الدعوة إلى التجديد لا تعني التنكر لتاريخ اليسار المغربي أو القطيعة مع إرثه، مذكرا بما قدمته الحركة اليسارية من مساهمات في الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وما أنتجته من نخب فكرية وسياسية ونقابية وثقافية. لكنه اعتبر أن الوفاء لهذا الإرث لا يكون بتحويله إلى ذاكرة مقدسة، وإنما بتطويره وإخضاع التجربة نفسها للنقد والمراجعة.
وفي عرضه لمرتكزات ما سماه “اليسار الجديد المتجدد”، وضع الحروني الديمقراطية في مقدمة شروط إعادة البناء، مؤكدا أنها لا تعني الانتخابات الدورية وحدها، وإنما تشمل دولة المؤسسات وفصل السلط واستقلال القضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان الحريات الفردية والجماعية ومشاركة المواطنين في صناعة القرار العمومي.
كما شدد على ضرورة أن تمارس القوى اليسارية الديمقراطية داخل تنظيماتها، معتبرا أنه لا يستقيم أن تطالب الأحزاب الدولة بالديمقراطية في الوقت الذي تعاني فيه بنياتها الداخلية من اختلالات في الممارسة الديمقراطية.
وإلى جانب الديمقراطية، وضع الحروني العدالة الاجتماعية في قلب المشروع اليساري الجديد، معتبرا أن السياسات النيوليبرالية عمقت الفوارق الاجتماعية والمجالية وأضعفت المدرسة والخدمات الصحية العمومية ووسعت الهشاشة. ودعا إلى الدفاع عن دولة ضامنة للحقوق الأساسية، تحقق التوازن بين المبادرة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتجعل من المدرسة والصحة والسكن والعمل الكريم والحماية الاجتماعية عناصر أساسية في المشروع السياسي، مع توسيع مفهوم العدالة ليشمل العدالة المجالية والثقافية واللغوية والبيئية والعدالة بين الأجيال.
وتوقف الحروني أيضا عند قضية الهوية، معتبرا أن جزءا من اليسار أخطأ حين تعامل معها باعتبارها قضية ثقافية ثانوية ومنفصلة عن المشروع الديمقراطي. وقال إن بناء مشروع تحرري جديد يقتضي استيعاب مختلف روافد الشخصية المغربية ضمن هوية وطنية جامعة، مع إعادة الاعتبار للعمق الأمازيغي والانفتاح على الروافد العربية والإفريقية والمتوسطية والإنسانية، ورفض كل النزعات الإقصائية التي تحول التنوع إلى مصدر للصراع بدل جعله عنصر قوة.
وفي السياق نفسه، دعا الحروني إلى مراجعة مقاربة اليسار للمسألة الدينية، معتبرا أن اختزال الدين في أداة للاستلاب، أو ترك المجال للحركات الإسلاموية لاحتكار الحديث باسم المقدس، ساهم في توسيع المسافة بين اليسار وقطاعات من المجتمع المغربي. وأوضح أن المطلوب هو التمييز بين الدين عندما يتحول إلى أيديولوجيا لتبرير الاستبداد، وبين الدين باعتباره حاملا لقيم أخلاقية واجتماعية مثل التضامن ورفض الظلم وكرامة الإنسان.
واستحضر في هذا الإطار تحليل إيمانويل تود وتمييزه بين الدين النشط و”دين الزومبي” والدين الصفري، بوصفه مدخلا لفهم العلاقة بين المعتقد والقيم الجماعية وتماسك المجتمع، معتبرا أن العلمانية التي يدافع عنها التيار لا تقوم على نفي الدين، وإنما على الفصل بين السلطتين السياسية والدينية وحماية حرية المعتقد ومنع التوظيف السياسي للدين.
ومن بين القضايا التي منحها الحروني أهمية خاصة مسألة السيادة الوطنية، مؤكدا أن مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقتصرا على حماية الحدود، وإنما أصبح يشمل السيادة الغذائية والطاقية والرقمية والعلمية والثقافية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، أكد أن مشروع اليسار الجديد ينبغي ألا يكون تابعا لأي محور دولي، وأن الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب ومبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا ديمقراطيا وواقعيا للنزاع حول الصحراء المغربية يندرج ضمن تصور أوسع للدولة الوطنية الديمقراطية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بسيادة الشعب”، وأن استقلال الدولة يفقد جزءا من معناه إذا لم يكن المواطن متمتعا بحقوقه وقادرا على المشاركة في صناعة القرار ومستقبله.
وعلى المستوى التنظيمي، دعا الحروني إلى الانتقال من نموذج “الحزب المغلق” إلى بناء تيار مجتمعي مفتوح، معتبرا أن جزءا من أزمة اليسار نتج عن طغيان التنظيم على المشروع، إلى درجة أصبحت معها بعض الأحزاب منشغلة بالدفاع عن بقائها أكثر من دفاعها عن الأفكار التي تأسست من أجلها.
واقترح في هذا الصدد بناء شبكات مجتمعية تجمع بين العمل السياسي والنقابي والحقوقي والثقافي والأكاديمي والرقمي والبيئي، مؤكدا أن التجديد يبدأ عندما تصبح “الفكرة أكبر من التنظيم” و”المشروع أهم من الموقع”، ويتحول المواطن من مجرد ناخب أو متعاطف إلى شريك في بناء المشروع السياسي.
كما دعا إلى بناء اصطفاف ديمقراطي جديد يقوم على الحوار والتكامل واحترام استقلالية مختلف الفاعلين، ويتيح التقارب بين اليسار الديمقراطي والحركة الأمازيغية الديمقراطية والحركة الحقوقية والنقابات والحركات النسائية والشبابية والبيئية. وأكد أن الهدف ليس إلغاء التعددية التنظيمية، وإنما تحويلها إلى مصدر قوة يسمح ببناء جبهة مجتمعية قادرة على مواجهة السلطوية والريع والفساد والتبعية.
وشدد الحروني كذلك على ضرورة استعادة اليسار لوظيفته الفكرية والمعرفية، داعيا إلى إنشاء مراكز للدراسات ومجلات فكرية وفضاءات للنقاش العمومي، وتقوية العلاقة بين الجامعة والعمل السياسي، وتشجيع البحث في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتكنولوجيا والبيئة والجيواستراتيجية. واعتبر أن “اليسار الذي لا ينتج المعرفة يتحول تدريجيا إلى مجرد مستهلك لأفكار الآخرين”.
ووضع زعيم تيار “اليسار الجديد المتجدد” الشباب والنساء في صلب عملية إعادة البناء، مؤكدا أن مخاطبة الأجيال الجديدة تستوجب تجديد النخب واللغة ووسائل العمل السياسي، واستيعاب التحولات المرتبطة بالفضاء الرقمي وسوق الشغل والهجرة والذكاء الاصطناعي والتحديات البيئية.
وخلص العلمي الحروني إلى أن الرهان المطروح لا يتعلق فقط بإعادة ترتيب القوى اليسارية أو تحسين مواقعها الانتخابية، وإنما ببناء يسار مغربي للقرن الحادي والعشرين، “مواطن وديمقراطي واجتماعي وشعبي وسيادي”، ينطلق من خصوصيات المجتمع المغربي ويتفاعل مع التحولات الكونية دون تبعية فكرية أو سياسية.
وأكد أن التجديد لم يعد ترفا فكريا أو اختيارا تنظيميا، بل “ضرورة تاريخية”، وأن استعادة اليسار لدوره تمر عبر إعادة بناء الأمل والثقة في السياسة، وربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية والحرية بالكرامة والهوية بالتحرر والسيادة بالتنمية، وجعل الإنسان المغربي في قلب مشروع سياسي جديد يسعى إلى تغيير الواقع لا الاكتفاء بنقده.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق