جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

تقديم الفصل الأول من كتاب غيوم فوندو حول لينين . أحمد رباص

 تقديم الفصل الأول من كتاب غيوم فوندو حول لينين . أحمد رباص


في عمله المكرس للينين، حلل غيوم فوندو كتاب لينين" ما العمل؟" (1902) من خلال وضعه في سياق المناقشات حول هيكلة حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي في روسيا. في مواجهة "الاقتصاديين"، الذين فضلوا نضال العمال الذي يتمحور حول المطالب المادية المباشرة، يؤكد لينين أن التسييس يتطلب تجاوز المصالح النقابوية لتنفيذ مشروع عالمي.

يعرّف مؤلف "لينين: السياسة كتنظيم" (2024) التنظيم بأنه مورد حيوي للمهيمن عليهم، مما يسمح بتحويل أعدادهم إلى قوة سياسية. يؤكد لينين على الحاجة إلى الوحدة الأيديولوجية والمشاركة النشطة، رافضًا العفوية العمياء. يهدف هذا المفهوم، بعيدًا عن كونه عقيدة خالصة، إلى تزويد البروليتاريا بوعي تاريخي ضروري لتحررها، وبالتالي تجاوز الدفاع النقابي البسيط لتأكيد نفسها كموضوع سياسي رئيسي.

يُذكر لينين في المقام الأول كزعيم سياسي: أولاً وقبل كل شيء، زعيم حزب، ثم زعيم دولة. ستركز هذه الدراسة على لينين المناضل. سندرس هذه الفترة من خلال منظور تسلسل أحداث محدد: تأسيس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، الذي أدى إلى كتابة كتاب "ما العمل؟" عام 1902، وهو أحد أشهر أعمال لينين. يتميز هذا التسلسل بنقاش هام حول مفهوم التنظيم. على الرغم من أن لينين كتب لاحقًا العديد من التأملات حول هذا الموضوع، إلا أنه لا يُنكر أن التأملات والمناقشات التي جرت في ذلك الوقت قد رسمت إطارًا مهمًا لجميع النقاشات اللاحقة التي ستسود الاشتراكية الروسية، وما بعدها، الأحزاب الشيوعية التي تدّعي إرث لينين.

في الفصل الأول من هذا الكتاب المخصص للينين، يعتبر فوندو مفهوم التنظيم أمرًا حاسمًا في السياسة، ومن باب أولى في السياسة الاشتراكية. في الواقع، إذا أردنا تحديده من وجهة نظر مناضلة، فقد يكون من الممكن أن يكون التنظيم أحد الموارد السياسية الرئيسية، خاصة إذا توجهنا إلى شرائح محرومة كذلك من الموارد السياسية المعتادة: العمال (وبصفة عامة المهيمن عليهم)، الذين ليس لهم، حسب التعريف، لا الثروة المادية، ولا العلاقات الاجتماعية، وما إلى ذلك، مما يسمح لهم بالوجود السياسي؛ أي بممارسة الضغط بشكل نشط على أداء المجتمع، سواء على مستوى القوانين الرسمية أو الممارسات غير الرسمية.

يحدد الكاتب جوهر السياسة في الانتقال من العدد إلى القوة؛ بمعنى أن السياسة هي في الأساس تحويل العدد - المورد الوحيد للمقهورين - إلى قوة فعلية عبر خلق تجمعات منظمة. ولا يكون النضال السياسي إلا بالانضمام لهذه التجمعات للتأثير على مجرى الأحداث. لكن ذلك يتطلب تماسكا مزدوجا: البعد الإيديولوجي بما يقتضيه من تعبير عن أفكار محددة وهوية سياسية واضحة، والبعد العملي بما يعنيه من قدرة على تنسيق عمل الأعضاء والتحرك كـ "فاعل جماعي". ذلك ما سعى إليه ماركس في بيان الحزب الشيوعي: تحويل الشيوعية من شبح غامض إلى هوية سياسية.

وأوضح الكاتب أن تاريخ الحركات اليسارية يقع بين خطرين أو مطبين. يتمثل المطب الأول في التمركز المرضي (بفتح الميم والراء) والمطب الثاني في التمييع. وهكذا يتحول التنظيم إلى بيروقراطية تخدم نفسها فقط وتعيد إنتاج مصالح قياداتها، ونكون بالتالي أمام تنظيم ضبابي بلا ملامح، عاجز إيديولوجيا وعمليا، كما كان الحال مع الحزب الاشتراكي-الثوري الروسي الذي اختفى بعد 1917.

ويرى الكاتب في الفصل الأول أن السياسة محكومة بمعادلة صعبة بمقتضاها يجب الجمع بين أمرين في نفس الوقت: الخصوصي؛ أي التعبير عن مصالح قاعدة اجتماعية محددة وطبقة معينة في علاقات القوة، والكوني؛ أي تقديم مشروع مجتمعي شامل للمجتمع كله. ونتيجة الإخلال بالمعادلة إنكار الصراع الطبقي حيث تتحول السياسة إلى "وعظ أخلاقي أو طوباوي"، ونسيان البعد الكوني حيث تتحول السياسة إلى "دفاع نقابي عن مصالح جزئية".

في المجمل، يؤكد غيوم فوندو أن أي مشروع سياسي ناجح، وخاصة اليسار، يجب أن يتجنب مطبي البيروقراطية والتمييع، وأن يحل التوتر بين التعبير عن مصالح المقهورين وبين تقديم أفق مجتمعي عام، وإلا سقط في الشكلية أو الانعزال.

تطرق الكاتب للسجال داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية في أواخر القرن 19 حول سؤال: هل نتبع النموذج الأوروبي أم نبني طريقا روسيا خاصا؟

ساهم في هذا الجدال الاقتصاديون الذين شكلوا التيار الغربي داخل الاشتراكية الديمقراطية. استندوا إلى قراءة حتمية لماركس: "الدولة الأكثر تطورا صناعيا تظهر للدول الأقل تطورا صورة مستقبلها".

ركزت أطروحتهم الأساسية على أن روسيا متأخرة. وبما أنها في مستوى أوروبا بداية القرن 19، فيجب ترك البرجوازية تقود النضال السياسي. وتبقى بالتالي مهمة العمال اقتصادية فقط يمكن إنجازها عبر النضال من أجل تحسين الأوضاع المباشرة، التنظيم في المصانع، وصناديق الإضراب. وبعد أن تكتمل المرحلة البرجوازية، تتحول البروليتاريا إلى فاعل سياسي.

إن النموذج الأوروبي، في نظر الاقتصاديين، غير صالح لروسيا لأنها دولة استبدادية بلا حريات؛ لذلك يجب اتباع "خط المقاومة الأقل". فالعمال في الغرب تقووا بالنضال السياسي. أما في روسيا فأي نشاط سياسي يؤدي إلى الخنق. لذلك يجب التركيز فقط على النضال الاقتصادي لأنه ممكن، ومن خلاله سيخلق العمال شكلهم التنظيمي الخاص.

أما أصحاب أطروحة الفكر العمالي فقد قدموا نسخة معتدلة انطلقت من إضرابات 1896 معتبرين إياها أول وعي عمالي مستقل. وفي نظرهم، الوعي الطبقي يولد من صراع البقاء اليومي في المصنع. لذلك الحل العملي هو صناديق الإضراب/التضامن التي تخلق التضامن الحقيقي وتجعل العمال كتلة حقيقية، على خلاف الحلقات الفكرية للنارودنيين التي تقتصر على النقاش.

لكن الجناح السياسي بقيادة لينين رفض منطق الاقتصاديين واعتبره استسلاما وارتماء في أحضان البرجوازية. يمكن تلخيص أطروحتهم طي بيان حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الروسي في كون مهمة الحزب العاجلة هي نيل الحريات السياسية، لكن بوسائل طبقية، وفي كون الحزب هو حركة طبقية للعمال المنظمين وجزءا من الاشتراكية الديمقراطية الدولية.

وبمقتضى هذه الأطروحة، يجب اعتبار الاشتراكية الأوروبية ليس كنموذج صار في عداد الماضي، بل كقوة حية يجب الانخراط فيها. وجاء تدخل لينين على شكل كتاب بعنوان "ما العمل؟" (1902).

من الأفكار المركزية الواردة في الكتاب تلك الفكرة التي تضمنت التموقف ضد عفوية الجماهير: كلمة "عفوية" (stikhiïnost) عند الروس تعني "كارثة طبيعية" وليست حرية. ترك العمال لـ عفويتهم يعني حبسهم في النضال النقابي فقط. وهذا يخدم البرجوازية.

من تلك الأفكار كذلك أن الوعي السياسي يأتي من الخارج؛ ذلك أن العامل في صراعه مع رب العمل لا يمكنه وحده أن يفهم مكانه التاريخي. الوعي السياسي ينتج عن فهم علاقة كل الطبقات بالدولة والحكومة.

لذلك على الاشتراكيين الديمقراطيين التوجه إلى كل طبقات المجتمع وليس إلى العمال فقط، ونشر المشروع السياسي للبروليتاريا.

كما أن إحدى الأفكار الواردة في كتاب لينين همت الحزب والجريدة: بما أن الوحدة الإيديولوجية هي أساس التنظيم، يجب وضع حدود للنقاش الداخلي. والحل العملي العاجل هو إنشاء جريدة قومية سرية وتعيين ثوريين محترفين للالتفاف على القمع.

ومن الدروس التي علينا استخلاصها اليوم من كتاب "ما العمل؟"، ولو أنه صار كلاسيكيا، تفادي السقوط إما في بيروقراطية تتمركز على نفسها، أو في تمييع في تنظيم بلا هوية.

كما يجب ضمان التوتر الدائم؛ لأن السياسة يجب أن تجمع بين التعبير عن مصالح قاعدة اجتماعية محددة، وتقديم مشروع كوني للمجتمع كله. ولا يقتصر دور التنظيم فقط على التعبير عن برنامج، بل هو مطالب بخلق تضامن عملي وديمقراطية داخلية تجعل بعمل المناضلين معنى.

"ما العمل؟" سؤال لا يزال قائما: كيف نربط بين "هوية طبقية" محددة و "مشروع سياسي عام" دون السقوط في التعبير النقابي الضيق أو الوعظ الأخلاقي الفارغ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *