جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

طفل مغربي يتوسل البقاء بسبتة

 طفل مغربي يتوسل البقاء بسبتة

"أقبل رأسك.. لا ترجعني".. مشهد مؤثر من الحدود الإسبانية لطفل مغربي (12 عاماً) يبكي متوسلاً لأحد الجنود الإسبان ألا يعيدوه إلى المغرب. ورافقت القوات الطفل إلى محيط الحدود، قبل أن يوقف ضابط إسباني عملية إعادته بعد تدخل سكان محليين نبهوا إلى أنه قاصر "من دون مرافق"، ليُسلَّم لاحقاً إلى الحرس المدني الإسباني.


سبتة.. قاصرات مغربيات في المستشفى بعد تعرضهن لاعتداءات جنسية وعنف.. أين الرباط؟


سبتة – تقرير

لم تعد مأساة سبتة تُقاس بعدد الذين عبروا الحدود، ولا بعدد القاصرين الذين عجزت المدينة عن إيوائهم. المأساة أخذت وجها أكثر قسوة حين أصبحت فتيات صغيرات، خرجن من المغرب بلا حماية أسرية، يجدن أنفسهن في شوارع مدينة غريبة، وفي مواجهة مخاطر لا ينبغي لطفلة أن تعرفها أصلا. وبينما تتحرك السلطات الإسبانية لتأمين المأوى والرعاية والحماية، يبقى المغرب، وطن هؤلاء الأطفال، غائبًا عن المشهد بما يكفي لطرح السؤال الأكثر إيلامًا؛ كيف انتهت طفلات مغربيات إلى هذه الدرجة من الهشاشة خارج بلدهن؟

خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التحذيرات في سبتة من المخاطر التي تواجه القاصرين غير المصحوبين، بعدما أدت موجة العبور الجماعي إلى انهيار قدرة المدينة على الاستقبال. واضطرت السلطات المحلية إلى تجهيز مدرستين بشكل عاجل لإيواء أكثر من مئة فتاة مهاجرة كانت في الشوارع، فيما ارتفع عدد القاصرين الموضوعين تحت حماية المدينة إلى أكثر من ألف.

ولم تعد المخاوف تقتصر على الجوع أو البرد أو النوم في الشوارع. فوجود أطفال وقاصرات في ظروف غير آمنة يرفع مخاطر الاستغلال والاتجار والعنف، وهي مخاطر حذرت منها الجهات المعنية بحماية الطفولة في ظل عجز البنية الاستيعابية لسبتة عن التعامل مع الأعداد الوافدة.

وفي هذا السياق، تداولت تقارير محلية معطيات عن فتيات مغربيات قاصرات احتجن إلى رعاية طبية، حيث تم نقلهن إلى المستشفى عقب تعرضهن لاعتداءات جنسية.

قبل موجة العبور الأخيرة، كانت سبتة تؤوي أعدادًا محدودة من القاصرين مقارنة بما واجهته بعد التدفق الجماعي. وفي أيام قليلة، تحولت المدينة إلى فضاء طوارئ، واضطرت إلى فتح مدارس ومرافق مؤقتة لإبعاد القاصرين، ومن بينهم عشرات الفتيات، عن الشوارع.

وفي المقابل، لم يكن رد الفعل المغربي، وفق المعطيات المتاحة، بمستوى حجم المأساة الإنسانية. وبينما كانت المؤسسات الإسبانية تبحث عن أماكن جديدة للإيواء وتطالب الأقاليم بتقاسم مسؤولية استقبال القاصرين، ظل النقاش في المغرب محصورًا بدرجة كبيرة في ضبط الحدود وملاحقة شبكات العبور.

عندما يصل الأمر إلى القاصرين، فإن الدولة تصبح أمام اختبار مختلف تماما. فالشاب يستطيع اتخاذ قرار الهجرة وتحمل جزء من تبعاته، أما الطفل فهو الطرف الأضعف الذي يفترض أن تتكفل الدولة والمجتمع بحمايته قبل أن يصل إلى البحر والحدود.

لهذا فإن وصول القاصرات المغربيات إلى سبتة ليس مجرد رقم جديد في ملف الهجرة، بل علامة على اتساع دائرة العجز.

ففي الوقت الذي تقدم فيه الدولة نفسها باعتبارها بلدا صاعدا، وتستعد لاستقبال العالم في كأس العالم 2030، تظهر على الجانب الآخر من الصورة طفلات مغربيات يحتجن إلى أن تفتح لهن إسبانيا أبواب مدارسها ومراكزها ومؤسسات حمايتها.

المفارقة قاسية.

بلد يستعد لبناء صورة عالمية عن نفسه، بينما يجد بعض أبنائه أنفسهم في الخارج موضوعًا للرعاية الإنسانية.

بلد يتحدث عن المستقبل، بينما أطفال منه يغامرون بحاضرهم بحثًا عن مستقبل آخر.

لأن مأساة سبتة لا تكشف فقط أن المغرب فقد السيطرة على موجة عبور جماعي؛ بل تكشف أن هناك أبناءً لم يجدوا في وطنهم ما يكفي من الأمان أو الأمل أو المستقبل، فاختاروا الطريق الأخطر.

وحين تكون بين هؤلاء فتيات قاصرات معرضات للاستغلال والعنف والاعتداء، فإن الصمت لا يعود مجرد غياب للتصريح.

يصبح الصمت نفسه سؤالًا.

أين الدولة؟

أين المسؤولون عن الطفولة؟

أين المتابعة الرسمية لأوضاع هؤلاء القاصرين؟

وأين أسرهم؟ وكيف ستعرف ما حل ببناتها وأبنائها بعد عبورهم؟

إن المغرب لا يستطيع أن يتعامل مع هؤلاء الأطفال باعتبارهم مجرد “مهاجرين” انتهت مسؤولية الدولة تجاههم لحظة خروجهم من التراب الوطني.

إنهم أبناء المغرب.

والطفلة التي وصلت إلى سبتة ليست رقما في إحصاءات الهجرة، ولا ورقة في خلاف دبلوماسي، ولا أداة في صراع حدودي.

إنها طفلة كان يفترض أن تكون أول مسؤولية لوطنها.

وإذا كان العالم يستعد لرؤية المغرب في 2030 من خلال الملاعب والمدن والبنية التحتية، فإن سبتة تقدم صورة أخرى لا تقل أهمية؛ صورة أطفال مغاربة يبحثون عن الحماية خارج الحدود.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *