جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

هل يملك اليسار اليوم منهجا في إنتاج المعرفة التنظيمية.الرفيق محمد السفريوي

 هل يملك اليسار اليوم منهجا في إنتاج المعرفة التنظيمية.الرفيق محمد السفريوي

 يكشف مقال محسن الكبيري، " العلاقات والصراعات الطبقية الراهنة في قطاع النسيج "، المنشور ضمن العدد 7-8 من مجلة «أنفاس» في دجنبر 1971/يناير 1972، عن كيفية  إنتاج الأدبيات اليسارية. فالمقال ليس تأملا نظريا عاما حول الطبقة العاملة في قطاع النسيج ، بل مقاربة دقيقة عبر تحليل ينطلق من معطيات محددة عن القطاع ووحداته الإنتاجية وبنية الرأسمالي داخله ونضالات العمال.

ما يجب التوقف عنده مليا  هو منهجية  بناء المقال. يبدأ الكاتب بالظروف التاريخية لنشوء قطاع النسيج، ثم ينتقل إلى تحليل التحولات التي عرفتها البورجوازية المغربية، فإلى التناقضات بين الرأسمال الوطني والأجنبي، ثم بين البورجوازية الكبيرة والمتوسطة، قبل أن يصل إلى الطرف الآخر من العلاقة الطبقة العاملة ونضالاتها.

تبرز  الأرقام كجزء أساسي في  التحليل السياسي. فالمقال لا يكتفي بالقول إن الرأسمال متمركز أو إن الشركات الأجنبية حاضرة بقوة، بل يعتمد جداول حول عدد الشركات وحجم الإنتاج وعدد العمال، لكي يستخلص منها علاقات القوى داخل القطاع.

لكن التفصيلة الاكثر دلالة هي الجدول رقم 4، الذي يلخص الإضرابات في قطاع النسيج منذ 15 أكتوبر 1971. حيث يصبح الإضراب أكثر من  خبر، بل يفككه إلى عناصر: التاريخ، اسم المعمل، المدينة، عدد العمال المضربين، مدة الإضراب، ومطالب العمال. وهكذا ننتقل من عبارة فضفاضة مثل " احتدام الصراع الطبقي "  إلى معرفة ملموسة: أين وقع الإضراب؟ كم شارك فيه؟ كم دام؟ و الاهم ما الذي كان العمال يطالبون به؟

هنا يصبح طرح السؤال : من أين جاءت كل هذه المعطيات؟  طبيعة المادة تسمح باستخلاص الاستنتاج التالي :  وراء هذا الجدول، وهذا التصنيف، وهذه القدرة على المقارنة، كان هناك بالضرورة عمل لجمع المعلومات، سواء عبر المناضلين الموجودين في مواقع العمل، أو العمال المشاركين في النضالات، أو الشبكات النقابية.

وهنا نتعرف على العمل التنظيمي الحقيقي. فالمناضل لا يشارك في إضراب ثم ينتهي دوره عند رفع الشعارات أو حضور الوقفة. التجربة عليها ان تتحول إلى مادة معرفة.  تقرير عن المعمل، عدد العمال، طبيعة الملكية، شروط العمل، المطالب، أشكال التنظيم، موقف النقابة، تدخل السلطة، نتيجة المعركة ودروسها. ثم تصبح مهمة المركز تجميع هذه المعطيات ومقارنتها وتحليلها وإعادة صياغتها في شكل أدبيات تسمح بفهم الواقع وتوجيه العمل.

حاليا، ونحن نعيش في ظروف لا تشبه من حيث القمع الشامل وسرية العمل ما كانت عليه بداية السبعينيات، يصبح السؤال: هل نمارس الشيء نفسه؟

قبل أشهر، شهدت مناطق مغربية فيضانات كبيرة تضرر فيها مواطنون وفلاحون وسكان أحياء كاملة. فمن الطبيعي أن نسأل: هل انتقل مناضلو اليسار إلى الميدان لجمع معطيات دقيقة؟ كم عدد المتضررين؟ ما حجم الخسائر؟ من تضرر أكثر؟ كيف كان تدخل السلطات؟ هل ظهرت احتجاجات؟ ما طبيعة مطالب السكان؟ كيف نظمت المبادرات التضامنية؟ وهل جمعت هذه التقارير في مركز واحد، ثم حُللت، وأنتجت عنها دراسة تنشر في الجرائد والمواقع والمنصات؟

أم أننا اكتفينا، مرة أخرى، بطقوسنا المكرورة.

المشكلة ليست في الوقفة؛ فقد تكون ضرورية. وليست في البيان؛ فقد يكون مطلوبا. لكنهما لا يمكن أن يصبحا جوهر الفعل الحزبي .

غياب التحقيق الميداني والتنقيب الاجتماعي وإنتاج المعرفة و الثقافة السياسية هو من أضعف اليسار  . فالتنظيم الذي لا يعرف مجتمعه من خلال الوقائع والأرقام والتقارير والشهادات ينتهي إلى زمرة من دراويش في التكيات.

ربما يكون الدرس الحقيقي في جدول قديم عن إضرابات عمال النسيج هو هذا: السياسة الثورية لا تبدأ حين نكتب البيان، بل حين نعرف بدقة ما الذي يحدث قبل أن نهبد ...





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *