أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء العاشر) *أحمد رباص
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء العاشر) *أحمد رباص
خلال المؤتمر التأسيسي للحزب الاشتراكي الموحد في الدار البيضاء، قررت أربعة مكونات من اليسار الراديكالي الاندماج في هيكل حزبي واحد: منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والديمقراطيون المستقلون، والحركة من أجل الديمقراطية، وقوى اليسار. هذه الحركات الأربع، التي انفصلت عن "الخيار الثوري" وعما يُسمى بأحزاب اليسار الحكومية، تحولت إلى حزب اليسار الاشتراكي الموحد.
وفي عام 2005، قرر فصيل "الوفاء للديمقراطية"، الذي انفصل عن الاتحاد الاشتراكي قبل عامين في مؤتمره السابع، الانضمام إلى حزب اليسار الاشتراكي الموحد للاندماج وتأسيس الحزب الاشتراكي الموحد. سعى الحزب إلى استقطاب النشطاء والأعضاء الذين خاب أملهم في سجل تجارب ما يُسمى باليسار الحكومي. هدفه هو خلق بديل حقيقي لأحزاب اليسار التقليدية من خلال تقديم نفسه كقوة موازنة للإسلاميين ومحاولة إحياء اليسار بمعناه العالمي.
تميز هذا الحزب عن غيره من التشكيلات السياسية المغربية بإضفاء الطابع المؤسسي على التيارات السياسية. وفي هذا الصدد، يُعد أول حزب يُقرّ حق الاختلاف، ضامنًا حق إنشاء تيارات سياسية وتمثيلها في هيئات صنع القرار الحزبية.
وحرصًا على الشفافية، يفتح الحزب اجتماعات هذه الهيئات أمام الصحافة، ويسمح لأعضائه بالنقاش علنًا والتعبير عن اختلافاتهم. كما أنه أول حزب ينتخب امرأة أمينة عامة منذ يناير 2012. وقد أُعيد انتخابها لهذا المنصب في المؤتمر الأخير الذي عُقد في يناير الثاني 2018.
إيديولوجيًا، يتبنى الحزب الاشتراكي الموحد الإشتراكية كمرجعية له في جميع أبعادها التحررية والديمقراطية والإنسانية. ويناضل من أجل إقامة ملكية برلمانية، ويطالب بدستور حقيقي يضمن فصلًا حقيقيًا للسلط. كما يتبنى مفهوم الديمقراطية بمعناها الشامل، ويسعى لبناء "مغرب مواطنين، لا مغرب رعايا".
من المهم التذكير بأن الأحزاب المنضوية تحت لواء فيدرالية اليسار الديمقراطي قدمت بعض الدعم لمطالب حركة 20 فبراير خلال انتفاضة 2011. وقد تميز الحزب الاشتراكي الموحد بتضامنه مع المتظاهرين، ولا سيما بسماحه لهم باللجوء إلى مقره
في الدار البيضاء للاحتماء من قوات الأمن. كما أيد الحزب
انتفاضة سكان الريف في شمال شرق المغرب، وأدان موقف النظام تجاه المتظاهرين. وفي مؤتمره الرابع الذي عُقد في يناير 2018، أكد الحزب مجدداً دعمه للانتفاضة الشعبية في جميع أنحاء البلاد، ودعا أيضاً والد زعيم انتفاضة الريف، أحمد الزفزافي، لإلقاء كلمة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر. مع ذلك، برزت بعض الخلافات والتباينات خلال هذا المؤتمر الرابع، بين فصائل اليسار التي انضمت إلى الحزب الاشتراكي الموحد عام 2002، من جهة، وأعضاء مؤثرين من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي السابقة، من جهة أخرى. دعا الأوائل إلى اندماج كامل للأحزاب الثلاثة المكونة لفدرالية اليسار الديمقراطي في غضون عام واحد، بينما يقترح الفصيل الثاني تحديد موعد نهائي لهذا الاندماج قبل الانتخابات التشريعية لعام 2021.
وصولا إلى حزب جبهة القوى الديمقراطية، تأسس حزب جبهة القوى الديمقراطية عام 1997 إثر انشقاق داخل حزب التقدم والاشتراكية كرد فعل على "الجمود الأيديولوجي وقيادة الحزب". ويكشف التحليل نفسه أن "التنافسات الشخصية والصراعات القبلية على السلطة" كانت السبب الاساسي لهذا الانقسام. علاوة على ذلك، ساهم وجود فصيلين رئيسيين، أحدهما "يؤيد الإصلاح الشامل وتوسيع نطاق التغبئة الانتخابية"، والآخر ملتزم "بالحفاظ على الهوية الأيديولوجية والنضالية للحزب"، بشكل كبير في تفاقم الخلاف داخل حزب التقدم والاشتراكية. وقد جعل اقتراب الانتخابات ورغبة النظام في إشراك بعض أحزاب اليسار في
قيادة الحكومة هذا الانقسام غير قابل للإصلاح.
ووفقًا لمؤسسيه، فقد تم إنشاء الحزب بعد تحليل دقيق سلط الضوء على التحولات المختلفة التي تحدث في العالم والتطورات الجديدة في الواقع الوطني. جاء إنشاء هذا الحزب، وفقًا لمؤسسيه، استجابةً للحاجة إلى معالجة كل هذه التغييرات. وهكذا أصبحت الحاجة إلى إنشاء إطار سياسي جديد ضرورية. ومن خلال دمج الفكر السياسي الحداثي وأساليب العمل الحديثة، سيساهم هذا التنظيم السياسي في ترسيخ الثقافة الديمقراطية. ولا يتطلب التغيير الديمقراطي المطلوب في هذا السياق الإرادة السياسية للتغيير فحسب، بل يتطلب أيضًا الآليات والأدوات اللازمة لتنفيذه. وسيتشكل هذا التغيير من خلال تعبئة الشعب وتوجيهه عبر خطاب جديد، تقدمي وحديث، بعيدًا عن الجمود الفكري والدوغمائية. ويصف الحزب نفسه بأنه "حزب يساري تقدمي، منفتح على الحاضر والمستقبل، ملتزم بمصالحة المواطنين مع السياسة، ومستعد لعقد تحالفات قائمة على برنامج وطني موحد، لا على أسس أيديولوجية".
من الناحية الإيديولوجية، لا توجد إشارة إلى الاشتراكية العلمية في النظام الأساسي للحزب. بل يشير إلى التقدمية الاجتماعية، ويفضل تقديم نفسه كحزب متميز عن التشكيلات السياسية الأخرى. يهدف هذا الحزب إلى أن يكون بديلاً، ويدعو إلى موقف على الطيف السياسي الوطني خارج الانقسامات الاجتماعية والسياسية الراهنة. ووفقًا لميثاقه التأسيسي، يعتبر الأحزاب السياسية الحالية "جامدة للغاية، وتعمل على أسس تقليدية أظهرت قصورها. ولم يعد جزء كبير من السكان، ولا سيما الشباب، يتعاطف معها".
حصل حزب الجبهة الديمقراطية، الذي فاز بتسعة مقاعد في الانتخابات التشريعية عام 1997، على منصب وزاري من قبل أمينه العام في الحكومة التي قادها حزب الاتحاد الاشتراكي عام 1998. وخلال التعديل الوزاري الذي أجرته الحكومة نفسها في سبتمبر 2000، عُيّن أمينه العام وزيرًا للصحة.
وفي عام 2002، تمكن الحزب من الفوز باثني عشر مقعدًا، لكنه لم يتمكن من المشاركة في الحكومة التكنوقراطية، رغم موافقته على الانضمام إليها. وخلال انتخابات عام 2011، وفي خضم انتفاضة شعبية، لم يفز إلا بمقعد واحد، بينما شهد الحزب في انتخابات عام 2016 الأخيرة تراجعًا غير مسبوق، حيث لم يفز بأي مقعد على الإطلاق. وقد تضاءلت جاذبية الحزب التي كان يتمتع بها في بداياته، بفضل إنجازاته في انتخابات مختلفة ومشاركته، وإن كانت محدودة في حكومتين، بشكل كبير. في الواقع،
نجح الحزب في استقطاب نخبة من الشخصيات البارزة التي انجذبت إلى فرص جديدة للوصول إلى مناصب مرموقة في المؤسسات المحلية والوطنية. وقد غيّرت هذه النخبة مسارها بعد تراجع الحزب في الانتخابات. وهكذا شهد الحزب انشقاق العديد من قادته ونشطائه وانضمامهم إلى أحزاب منافسة أخرى، أو حتى عودتهم إلى صفوف حزبهم الأصلي، حزب التقدم والاشتراكية. ويجب القول إن حزب الجبهة الديمقراطية، على غرار أحزاب سياسية أخرى مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي انشق عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والذي ظهر عشية تشكيل الحكومة اليسارية عام 1998، ألصقت بهم سمعة كونهم صنيعات الإدارة الحكومية"، إغناس دال في كتابه عن الملكية المغربية. وقد أثرت هذه الجماعات بشكل كبير على الخريطة الانتخابية عام 1997، مساهمةً بذلك في إضعاف الأحزاب التي انشقت عنها سياسياً وانتخابياً. وقد ناسب هذا وزارة الداخلية، وتوافق مع رغبة النظام في زعزعة استقرار بعض الأحزاب المتمردة وإسكاتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق