جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الوعي من خارج الطبقة: من مصنع لينين إلى خوارزميات المنصات.الرفيق السفريوي محمد

 الوعي من خارج الطبقة: من مصنع لينين إلى خوارزميات المنصات.الرفيق السفريوي محمد

تعتبر أطروحة لينين حول ضرورة إدخال الوعي السياسي إلى الطبقة العاملة من خارجها من اهم الإجتهادات في الماركسية، فما سعى لينين إلى إنجازه، في سياق صراعه ضد العفوية والاقتصادوية، هو أن تجربة الاستغلال، مهما كانت شرسة، لا تنتج تلقائيا وعيا سياسيا ثوريا. فالعامل قد يضرب من أجل الأجر، وينتفض ضد الطرد، ويحتج على ساعات العمل، دون أن يقوده ذلك بالضرورة إلى فهم و إدراك طبيعة الدولة والرأسمالية ومجموع علاقات السيطرة.
السؤال اليوم لم يعد: كيف ندخل الوعي إلى الطبقة العاملة؟ بل: ما هي الطبقة التي نتحدث عنها، ومن هو الخارج الذي يأتي منه الوعي؟
لم يعد المصنع هو المجال النموذجي الذي يجمع آلاف العمال تحت سقف واحد. لقد تشظت قوة العمل بين العامل الصناعي، والمياوم، والعامل الزراعي، والموظف الذهني، والعامل عن بعد إلى ذلك العامل الجديد الذي يجوب المدينة فوق دراجته حاملا طعام الآخرين، أي عامل التوصيل ومنصة العمل الرقمية.
وهنا تظهر مفارقة جديدة. فعامل المنصة قد يبدو مستقلا و يملك وسائل انتاجه ،لأنه يملك هاتفه ودراجته، بينما هو في الواقع خاضع لواحد من أكثر أشكال الاستغلال الرأسمالي تطوراً، " الخوارزمية " لا صاحب العمل أمامه، لكن التطبيق يحدد الطلبات، والوقت، والتقييم، والدخل، وقد يعاقبه أو يوقف حسابه . إنه عامل بلا مصنع، لكنه ليس بلا رب عمل؛ وعامل بلا رئيس مباشر، لكنه يخضع لرئيس غير مرئي.ششش
إن أخطر ما تنتجه الرأسمالية المعاصرة ليس فقط التشظي المادي للعمال، بل التشظي في الوعي نفسه. فالعامل الذهني قد يتوهم أنه من " الطبقة الوسطى " وينتظر ترقيته الفردية، وعامل المنصة قد يعتقد أنه " مقاول ذاتي "، والمياوم قد ينغلق داخل معركة البقاء اليومي. الجميع يبيع قوة عمله، لكن درجات و طبيعة الوعي تفصل بينهم.
لهذا يصبح الحديث عن الوعي من الخارج أكثر تعقيدا. فلا يكفي استيراد وعي جاهز من جهاز حزبي مغلق، وإلا تحول الحزب إلى وصي على الطبقة. كما لا يمكن، في المقابل، تقديس العفوية، لأن الغضب و السخط وحدهما لا يرسمان استراتيجية.
المطلوب إذن هو إعادة صياغة العلاقة بين الخارج و الداخل. فالتنظيم السياسي لا ينبغي أن يكون معلما يلقن الطبقة، بل أداة تجمع تجاربها المتفرقة، وتربط بين إضراب العامل الصناعي واحتجاج عامل التوصيل وتمرد المياوم وقلق الموظف الذهني.
الوعي لا يلقى في الطبقة كما تلقى مادة مشتعلة ، لكنه في البداية يولد من رحم الاستغلال. إنه يبنى في عملية صراع وتنظيم وتبادل. وربما كانت المهمة اللينينية المعاصرة هي أن تجد طريقها إلى العمال الذين لم يعودوا ينتظرونها عند بوابة المصنع، بل يختفون اليوم خلف شاشة هاتف، أو فوق دراجة، أو في غرفة عمل معزولة، بينما تتولى الخوارزمية مهمة الرأسمالي القديم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *